الرئيسيةأخبار إيرانمدافع الشاه ومشانق الملالي.. صراع إيران التاريخي ضد السلطة المطلقة

مدافع الشاه ومشانق الملالي.. صراع إيران التاريخي ضد السلطة المطلقة

0Shares

مدافع الشاه ومشانق الملالي.. صراع إيران التاريخي ضد السلطة المطلقة

بعد مرور أكثر من قرن على الثورة الدستورية في إيران، لا تزال البلاد عالقة في صراع متكرر بين مجتمع يطالب بالمشاركة ونظام حاكم مصمم على الحفاظ على سيطرته المطلقة.

في الذاكرة السياسية الإيرانية، لا يمثل مصطلح الاستبداد الأصغر مجرد إشارة تاريخية إلى فترة قصيرة خلال عهد سلالة القاجار. بل تحول إلى استعارة سياسية؛ رمز لتلك اللحظات التي ترد فيها السلطة على المطالب الشعبية بالمشاركة والمساءلة والحرية باستخدام القمع والعنف.

كان هذا المصطلح يشير في الأصل إلى الفترة التي تلت الثورة الدستورية في أوائل القرن العشرين، عندما سُحقت الآمال في تشكيل حكومة تمثيلية وسيادة القانون فجأة برد فعل استبدادي عنيف. ومع ذلك، نجا هذا المفهوم لأن النمط نفسه لم يختفِ أبداً.

فطوال تاريخ إيران الحديث، كلما تحرك المجتمع نحو وعي سياسي ومشاركة عامة أكبر، غالباً ما تعاملت مراكز القوى الراسخة مع هذه المطالب كتهديدات وجودية. ولا تزال هذه الدورة التاريخية واضحة المعالم وعميقة الجذور في إيران اليوم.

تمجيد “السافاك” في ألمانيا: كيف يخدم أنصار الشاه بقاء نظام الولي الفقيه؟

كشف تقرير عن تحول حراك “أنصار الشاه” إلى أداة تخدم استقرار النظام الحالي عبر تخويف الشعب من بديل يمجّد أجهزة التعذيب السابقة. مسيرة ألمانيا الأخيرة، التي رُفعت فيها شعارات جهاز السافاك، أثبتت أن هذا التيار يسوق لنظام إقصائي يرفض التعددية، مما يمنح الملالي فرصة للادعاء بأن غيابهم سيعيد إيران إلى عصور القمع “السافاكي” المظلمة.

تحليل سياسي | مايو 2026 – مخاطر إحياء ثقافة “السافاك” على مستقبل التحول الديمقراطي في إيران

الثورة الدستورية وولادة الصراع السياسي

مثلت الثورة الدستورية الإيرانية (1905-1911) أول محاولة كبرى للحد من الملكية المطلقة وتأسيس برلمان قادر على تمثيل الشعب. وللمرة الأولى، اختبر الإيرانيون إمكانية الحكم الدستوري ووضع قيود على السلطة المطلقة. لكن هذه التجربة لم تدم طويلاً.

ففي عام 1908، أمر محمد علي شاه بقصف البرلمان الإيراني في طهران، لتبدأ فعلياً الفترة التي عُرفت لاحقاً باسم الاستبداد الأصغر. أُغلقت الصحف، ولُوحق الدستوريون، وسُجن المعارضون، وقُمع النقاش العام بوحشية. حاولت الدولة عكس مسار التاريخ نفسه، من خلال استعادة السلطة المركزية عبر القوة والترهيب.

إن ما حول هذه الحقبة إلى رمز سياسي دائم لم يكن عنف تلك المرحلة فحسب، بل النمط الأوسع الذي كشفت عنه: غالباً ما تلجأ الأنظمة الاستبدادية إلى الحملات الأمنية الصارمة كلما سعى المجتمع للعب دور أكبر في تقرير مستقبله. وبعد مرور أكثر من قرن، لا يزال هذا التوتر ذاته يحدد ملامح المشهد السياسي في إيران.

إيران الحديثة وصدى الاستبداد الأصغر

إيران اليوم ليست نسخة مطابقة لحكم العهد القاجاري، فالتاريخ لا يعيد نفسه أبداً بصورة متطابقة. ومع ذلك، فإن الصراع الأساسي لا يزال مألوفاً بشكل ملحوظ. فمن جهة، يقف مجتمع يطالب باطراد بالحرية والعدالة والمساءلة والمشاركة السياسية. ومن جهة أخرى، يقف هيكل سياسي يرى في السلطة المركزية والسيطرة الأيديولوجية ضرورة حتمية لبقائه.

ربما تطورت أدوات القمع، لكن المنطق لا يزال ثابتاً. في العهد الدستوري، أُغلقت الصحف وسُجن الإصلاحيون. وفي إيران المعاصرة، تعتمد السلطات على الرقابة، والاعتقالات الجماعية، والإعدامات، وقيود الإنترنت، والمراقبة، والمؤسسات الأمنية لإسكات المعارضة. ويبقى الصراع المركزي دون تغيير: من يملك الحق في تشكيل مستقبل إيران.. الشعب أم المؤسسة الحاكمة؟

لقد أصبح هذا السؤال واضحاً بشكل خاص خلال موجات الاحتجاجات المتكررة في العقود الأخيرة. فمن الاحتجاجات الطلابية عام 1999 إلى المظاهرات الوطنية في أعوام 2009 و2017 و2019 و2026، تحدت قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني مراراً وتكراراً تركز السلطة وطالبت بحريات سياسية واجتماعية أوسع.

ورغم القمع الشديد من قبل النظام الإيراني، فإن استمرار هذه الحركات يعكس حقيقة أعمق داخل المجتمع الإيراني: إن المطالبة بالكرامة والمشاركة السياسية لم ولن تختفي.

القوة الثالثة المنسية: القوى الأجنبية

ومع ذلك، لم يكن التاريخ الإيراني يوماً مجرد صراع بين المجتمع والاستبداد المحلي. فهناك فاعل ثالث رسم باستمرار المسار السياسي للبلاد: القوى الأجنبية.

خلال الثورة الدستورية، لم تكن القاجارية تتصرف بمفردها. فقد لعبت روسيا الإمبراطورية دوراً حاسماً في دعم محمد علي شاه وتعزيز القوى المناهضة للدستور. وكانت وحدات القوزاق المدعومة من روسيا مفيدة في قمع الدستوريين، بينما سعت بريطانيا أيضاً إلى الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الخاصة في إيران.

وقد خلق هذا بالنسبة للعديد من الإيرانيين درساً تاريخياً لا يُنسى: غالباً ما يتقاطع الاستبداد داخل إيران مع الحسابات الجيوسياسية الأجنبية. ولا يزال هذا التصور قائماً حتى اليوم.

فبينما تكثف الحكومة الإيرانية قمعها في الداخل، تواصل القوى العالمية مقاربة إيران في المقام الأول من منظور الأمن الإقليمي، والمفاوضات النووية، ومصالح الطاقة، والمنافسة الجيوسياسية. وبالنسبة للعديد من منتقدي النظام، يعطي الفاعلون الدوليون في كثير من الأحيان الأولوية للاستقرار الاستراتيجي على التطلعات الديمقراطية للشعب الإيراني. وقد ساهم هذا في تعميق الشعور بعدم الثقة تجاه كل من الاستبداد المحلي والتدخل الأجنبي على حد سواء.

المقاومة كاستمرارية تاريخية

وفي هذا السياق، غالباً ما تضع حركات المعارضة نفسها كجزء من سلسلة تاريخية أطول تمتد جذورها إلى الثورة الدستورية والحركات الوطنية اللاحقة. وتصور مجموعات مثل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق الإيرانية نضالها على أنه استمرار لحركات المقاومة السابقة ضد كل من الديكتاتورية الملكية والاستبداد الديني.

ويجادل أنصار هذه المجموعات بأن المقاومة المنظمة تظل ضرورية ضد ما يصفونه بنظام يستمر من خلال القمع والإعدامات والسيطرة الأيديولوجية. وبغض النظر عن الانتماء السياسي، تظل هناك حقيقة يصعب تجاهلها: حركات المقاومة تظهر بشكل متكرر أينما تنكر الأنظمة السياسية المشاركة الهادفة وتقمع المعارضة السلمية.

خلف قناع الديمقراطية: كيف يقوض ترهيب “أنصار الشاه” فرص التغيير الحقيقي؟

كشف تحليل عن حقيقة البلطجة السياسية التي تمارسها فصائل مرتبطة بابن الشاه السابق ضد المعارضين في الشتات. فبينما يتم تسويق هذا التيار كبديل ديمقراطي، تثبت ممارسات “الغوغاء الإلكترونية” والتهديدات المنسقة سعيه لإسكات الأصوات الحرة وتدمير السمعة، مما يعكس رغبة في استبدال استبداد بآخر بعيداً عن قيم التعددية.

تحليل سياسي | مايو 2026 – كيف تعيق ممارسات البلطجة السياسية بناء بديل وطني شامل

لماذا لا يزال مصطلح الاستبداد الأصغر مهماً؟

إن الأهمية المستمرة لمصطلح الاستبداد الأصغر لا تكمن في الحنين إلى حقبة تاريخية بعيدة، بل في ما يكشفه عن العلاقة المتكررة بين المجتمع والسلطة في إيران. قد تنجح الأنظمة الاستبدادية مؤقتاً في إبطاء التغيير السياسي من خلال القوة والخوف والرقابة. لكن التاريخ يثبت أيضاً أن القمع وحده نادراً ما يقضي على المطالب العامة بالحرية والمشاركة بشكل دائم.

لقد نجت الثورة الدستورية من الهجوم العسكري لأن مدناً مثل تبريز قاومت بشراسة. وأعاد الدستوريون تنظيم صفوفهم، واستعاد المجتمع في النهاية مساحته السياسية رغم القمع الشديد. ولا يزال هذا الدرس يتردد صداه بقوة اليوم.

فطالما استمر الإقصاء السياسي، وعدم المساواة، والرقابة، واحتكار السلطة، فمن المرجح أن تظهر أشكال جديدة من الاحتجاج والمقاومة. هذه الديناميكية ليست حكراً على أيديولوجية أو منظمة أو فترة تاريخية واحدة، بل تعكس واقعاً اجتماعياً أوسع يمتد عبر أجيال من التاريخ الإيراني الحديث.

لذلك، فإن الاستبداد الأصغر هو أكثر من مجرد اسم لأزمة سياسية ماضية. إنه مرآة تواصل من خلالها الأجيال المتعاقبة من الإيرانيين فحص الصراع الذي لم يُحسم بعد بين الحكم الاستبدادي لـ النظام الكهنوتي والسيادة الشعبية. وهذا الصراع – بين مطالبة المجتمع بالكرامة وغريزة السلطة في السيطرة – يظل واحداً من أهم المعارك السياسية الفاصلة في إيران الحديثة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة