الرئيسيةأخبار إيرانصحف حكومية: المأزق المالي، نهب المؤسسات غير المنتخبة والاعتراف بانهيار المعيشة

صحف حكومية: المأزق المالي، نهب المؤسسات غير المنتخبة والاعتراف بانهيار المعيشة

0Shares

صحف حكومية: المأزق المالي، نهب المؤسسات غير المنتخبة والاعتراف بانهيار المعيشة

قدمت الصحف الحكومية الصادرة يوم الثلاثاء 2 ديسمبر 2025، صورة مكشوفة وصادمة عن الوضع الاقتصادي المنهار في إيران والمأزق الذي يواجهه هيكل الحكم. يُظهر استعراض هذه الصحف أن الأزمة قد تجاوزت مرحلة “التحذير” ووصلت إلى مرحلة “الاعتراف بالفشل الهيكلي”. المحور المشترك لهذه التقارير هو الإقرار بوجود “حكومة ظل” أو مؤسسات قوية خاضعة لإشراف خامنئي تلتهم الجزء الأكبر من ثروات البلاد، بينما تقف حكومة بزشكيان عاجزة حتى عن تأمين أبسط احتياجات الناس أو دفع الرواتب.

هيمنة المؤسسات المعينة على 60% من الثروة الوطنية

لعل الاعتراف الأكثر صراحة جاء في صحيفة “هم ميهن”، التي وجهت سهام نقدها نحو “المؤسسات الخاصة” المعفاة من الرقابة. استناداً إلى تصريحات بزشكيان وأرقام ميزانية عام 2025، كشفت الصحيفة أن أربع مؤسسات رئيسية تخضع لـ الولي الفقيه (لجنة تنفيذ أمر خمیني، مقر خاتم الأنبياء، العتبة الرضوية، ومؤسسة المستضعفين) تسيطر على 60% من ثروة إيران.

يكشف التقرير الذي جاء تحت عنوان “قفزة في ميزانية المؤسسات الخاصة” عن حقيقة مرة: في حين تتقلص موائد الناس، ارتفعت ميزانية المؤسسات الدعائية والأيديولوجية خلال السنوات الست الماضية بنسب تتراوح بين 359% إلى 9616%. والنقطة الجديرة بالتأمل هي الزيادة بمقدار 38 ضعفاً في ميزانية “مقر خاتم الأنبياء” (التابع لـ حرس النظام الإيراني) في ميزانية عام 2025. وتعترف صحيفة “هم ميهن” بأن هذه المؤسسات لا تخضع للمساءلة أمام الحكومة أو البرلمان، وأن التحقيق والتدقيق فيها ممنوع عملياً أو بلا جدوى بسبب تبعيتها لمؤسسة القيادة. ويشير صادق زيباكلام في نفس الصحيفة إلى أنه يتم إنفاق 64 ألف مليار تومان على الشؤون الدعائية والدينية فقط، بينما تبلغ ميزانية البيئة – في بلد يختنق – 8 آلاف مليار تومان فقط.

خامنئي بين الإنكار والحقيقة: الفساد هو نظام الحكم نفسه

لم يعد الحديث عن الفساد في إيران مجرّد اتهام سياسي أو خطاب معارضة، بل تحوّل إلى حقيقة يعترف بها حتى أركان النظام نفسه. ففي أبريل 2023، اضطرّ علي خامنئي إلى الإقرار بوجود ما وصفه بـ«تنين الفساد ذي الرؤوس السبعة» الذي يعيث فسادًا في مؤسسات الدولة، لكنه سارع إلى التنصّل من المسؤولية قائلًا: «من يقول إن الفساد أصبح سيستميًا فهو مخطئ!». وبعد عامين، وتحديدًا في مايو 2025، كرّر العبارة نفسها مدّعيًا أن «الفساد الممنهج لا وجود له في الجمهورية الإسلامية»

الاقتصاد في قبضة الريع والمافيا

تبحث صحيفتا “دُنياي اقتصاد” و “توسعه إيراني” عن جذور البؤس الحالي ليس في العقوبات، بل في هيكلية “الاقتصاد الريعي” وسيطرة المافيا. تكتب “دُنياي اقتصاد” تحت عنوان “الاقتصاد الإيراني في ظل الريع” أن الأسواق في إيران ليست محلاً للمنافسة، بل ساحة لتوزيع الامتيازات الخاصة بين المقربين من السلطة. وتعتبر الصحيفة أن تخصيص العملة الصعبة والتراخيص هي الأدوات الرئيسية لتوزيع الريع، مما أدى إلى تضخم بنسبة 47% (وفقاً لإحصاءات البنك المركزي).

كما تكشف صحيفة “توسعه إيراني” في تقرير صادم عن سيطرة “مافيات البتروكيماويات”، وتنقل عن خبير قوله: “إن معظم اقتصاد البلاد وقع في قبضة المافيا… شركات البتروكيماويات تقع في أيدي القطاع (شبه الحكومي) الذي يديره وزراء سابقون يفكرون في مستقبلهم بعد الإقالة”. وتعترف الصحيفة بأن الحكومة عاجزة عن مراقبة هذه الكارتلات القوية.

وفي السياق نفسه، أشارت صحيفة “جهان صنعت” إلى ظاهرة التهريب المنظم، وقدرت حجم التهريب بـ 30 مليار دولار. وتتساءل الصحيفة: كيف ارتفع حجم التهريب من 17 مليار دولار في عام 2019 إلى 30 مليار دولار حالياً؟ وهو تساؤل يشير ضمناً إلى دور الأرصفة غير الرسمية والمؤسسات المتنفذة.

السقوط الحر للمعيشة وسحق الطبقة المتوسطة

انعكس هذا النهب المنظم على حياة الناس في تقارير متعددة للصحف. فقد قدمت صحيفة “جهان صنعت” إحصاءات مرعبة عن ارتفاع الفقر المدقع إلى 44% في العام الحالي، مشيرة إلى انخفاض استهلاك السعرات الحرارية لدى المواطنين. وتحذر الصحيفة من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى “مأزق في صنع السياسات” وعواقب أمنية.

أما صحيفة “آرمان أمروز”، ولتوضيح عمق كارثة انخفاض قيمة العملة الوطنية، فقد قدمت صورة ملموسة: لشراء عملة ذهبية واحدة بسعر 123 مليون تومان، يحتاج المرء إلى 12 ألف ورقة نقدية من فئة 10 آلاف تومان! كما تناولت الصحيفة الأزمة الاجتماعية في غرب البلاد، مشيرة إلى ارتفاع معدلات الانتحار في المحافظات الواقعة في سلسلة جبال زاغروس بسبب الفقر والبطالة وعدم المساواة الهيكلية.

لقد وصل الوضع إلى درجة أن التنفس أصبح طبقياً أيضاً. تكتب “بهار نيوز” في تقرير بعنوان “عدم المساواة في التنفس” أن تلوث الهواء في المناطق الفقيرة وجنوب طهران أعلى بكثير من المناطق الميسورة، وأن الفقراء فقدوا “الهواء النقي” بالإضافة إلى الخبز. كما تناولت الصحيفة مأساة العتّالين وموتهم تجمداً في الجبال كجزء آخر من هذه المأساة.

بلومبرغ: وزارة العدل الأمريكية تلاحق حسين شمخاني بتهم غسل أموال وانتهاك العقوبات

ذكرت وكالة بلومبرغ في تقريرٍ نُشر يوم الخميس 6 نوفمبر، أن وزارة العدل الأمريكية فتحت تحقيقًا حول حسين شمخاني، نجل علي شمخاني المستشار الأقدم لعلي الولي الفقيه، بسبب استخدامه شبكةً عالمية من البنوك لبيع النفط الإيراني المهرّب وتجاوز العقوبات الأمريكية المفروضة على نظام طهران

برلمان النظام ؛ ألعوبة سياسية بعيدة عن آلام الناس

بينما يحترق المجتمع بنار الفقر والغلاء، تصف الصحف الحكومية برلمان النظام بأنه مؤسسة غير فعالة وغارقة في الألاعيب السياسية. تكتب “جهان صنعت” تحت عنوان “برلمان النائمين” أن همّ النواب ليس معيشة الناس، بل الصراعات الفئوية ومواضيع مثل الحجب والحجاب.

حرب السلطة الداخلية مستعرة أيضاً في الصحف. فبينما تعتبر “كيهان” (المنبر المقرب من بيت خامنئي) أن أي انتقاد لحكومة بزشكيان هو إضعاف للنظام وتصف دعمه بـ “التكليف”، تنقل صحيفة “إيسنا” خبراً عن هجوم حاد شنه نواب الجناح المنافس على قاليباف بسبب عدم إبلاغ “قانون الحجاب”. هذا التناقض يظهر أنه حتى في الظروف المتأزمة، يستمر صراع الأجنحة حول الحصة من السلطة وفرض القمع الاجتماعي.

أفق مظلم وشروط ترامب

على الصعيد الخارجي، تنظر الصحف بقلق إلى عودة دونالد ترامب الرئيس الأمريكي. نقلت صحيفة “دُنياي اقتصاد” عن ذو النوري، عضو اللجنة القضائية في البرلمان، وصفه للشروط الثلاثة لترامب من أجل التفاوض بأنها “غير معقولة”: “تصفير التخصيب، قطع العلاقات مع الجماعات الوكيلة، وتقييد الصواريخ”. هذا الموقف يعكس المأزق الذي يعيشه النظام في سياسته الخارجية؛ حيث تتضافر الضغوط الدولية مع الأزمة الداخلية.

يُظهر استعراض صحف 2 ديسمبر 2025 أن وسائل الإعلام الحكومية لم تعد قادرة على إخفاء واقع “الحكومتين” في إيران: حكومة رسمية لكنها عاجزة تتحمل مسؤولية العجز في الميزانية والتضخم، وحكومة خفية المؤسسات الخاضعة لـ الولي الفقيه و حرس النظام الإيراني تسيطر على 60% من ثروة البلاد، وتتلقى ميزانيات فلكية، ولا تخضع للمساءلة أمام أي جهة. إن الاعتراف بفقر نسبته 44%، ومافيا البتروكيماويات، والميزانيات المذهلة للمؤسسات الدعائية في مقابل موائد الناس الخاوية، هو وثيقة ناطقة بالإفلاس الاقتصادي والأخلاقي الكامل للسلطة الحاكمة.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة