تحذيرات من قلب النظام: اعترافات رسمية بـ “انفجار الغضب الحتمي” و “عجز القمع”
مهما كانت الانشغالات اليومية لـ “غرفة فكر” نظام الملالي، فإنها ستجد تعبيراً خارجياً لها في المخاوف والتحذيرات التي يطلقها المسؤولون والخبراء ووسائل الإعلام الحكومية. لكن هذا ليس سوى وجه واحد من الحقيقة؛ وجه انعكاسي يعكس بدوره وجهاً أصلياً وحاسماً. السؤال الأساسي هنا: ما هو ذلك الوجه الأصلي؟ ما هو العامل الذي يقف خلف هذا القلق الدائم ويُبقي “غرفة فكر النظام”، بكل حساباتها الأمنية، في حالة من “اليقظة العصبية”؟
الوجه الأصلي للواقع اليومي، من منظور سياسي واجتماعي، هو العلاقة بين المجتمع والنظام؛ إنها نسبة غير مستقرة تختزن بداخلها مجموعة من التوترات الظاهرة والخفية. إن شدة وحدة هذا الوضع هي التي تحدد نوع ومستوى قلق “غرفة فكر النظام”. فكلما اتسعت الفجوة بين مطالب المجتمع والبنية السياسية المغلقة، يرتفع مستوى التحذير وإعلان الخطر في الخطابات الرسمية. إن وسائل الإعلام والخبراء الحكوميين، طوعاً أو كرهاً، هم مرآة لهذا التوتر؛ حتى لو كانت مهمتهم هي الرقابة والتحريف، فإنهم لا يستطيعون إخفاء الاهتزازات التي تحدث تحت أقدام النظام.
في اعتراف رسمي يكشف عن عمق الأزمة التي تعصف بإيران، أعلن مركز الإحصاء التابع للنظام أن معدل التضخم قد بلغ 48.6% على أساس سنوي في شهر أكتوبر. هذا الرقم، الذي يعتبره العديد من الخبراء أقل من الواقع، ليس مجرد إحصائية اقتصادية
في هذه الأسابيع والأيام، أصبح الهاجس الرئيسي للنظام هو “التهديد الفعلي” بانفجار الغيظ والغضب الاجتماعي. هذا التهديد ليس وهماً أو خيالاً، ولا هو تنبؤ بعيد المدى؛ بل يتم التعبير عنه علانية في قلب النظام نفسه، وداخل نفس الآليات التي تتمثل مهمتها في “تطبيع” وإنكار الأزمة.
الدليل الأوضح على ذلك جاء على لسان محمد حسين عادلي، الرئيس الأسبق للبنك المركزي، يوم 13 نوفمبر 2025، على شاشة تلفزيون النظام. وهو اعتراف لا يكشف فقط عن عمق قلق النظام، بل يظهر أن بنية السلطة نفسها باتت تخشى مستقبلها أكثر من أي شخص آخر:
«الشباب، بسبب عدم رضاهم عن أشياء أخرى أيضاً، إذا ثاروا بسبب هذه المسألة، حتى لو كان لديكم 80 ألف (عنصر أمني)، لا شيء، حتى لو كان لديكم 800 ألف، فإن التمرد (الثورة) سيحدث. إذا حدث هذا، وتزامن معه عاملان أو ثلاثة أخرى، ووقعت حرب أيضاً، حينها ليس معلوماً كيف ستتمكنون من السيطرة على الوضع».
هذه العبارة ليست مجرد تحذير فني، بل هي “تقدير استراتيجي” لإمكانية “انهيار السيطرة”. يقول عادلي بصراحة إن “قدرة القمع” تصبح “عديمة الجدوى” عند نقطة معينة. هذه الفرضية، رغم أنها ليست نادرة في الأدبيات الرسمية للنظام، إلا أنها تكتسب معنى مختلفاً في هذا المقطع الزمني بالتحديد: النظام يدرك أن المجتمع يقترب من مرحلة “تجاوز الخوف”.
تحليل عميق للأزمة الاقتصادية في إيران. يكشف الخبير محمود جامساز كيف تحول التضخم إلى أداة نهب ممنهج بيد الطبقة الحاكمة، مما يدفع البلاد نحو انهيار شامل.
عندما يتم تسجيل مثل هذه الإحداثيات بين المجتمع والنظام، فما هو الأفق الذي سيتطور إليه هذا الوضع؟ أولاً، يجب أن ندرك أن الفجوة الاجتماعية في إيران لم تعد مجرد فجوة اقتصادية؛ بل تحولت إلى استياء متعدد الطبقات: سياسي، وجيلي (بين الأجيال)، وثقافي، ومعيشي. لقد بدأ الاحتجاج يتحرك من الأشكال المتفرقة والمؤقتة نحو “وعي ذاتي جماعي”. كما أن الزيادة المستمرة في الاعترافات من داخل النظام هي بحد ذاتها علامة على أن “التحول الكبير” القادم لم يعد قابلاً للإنكار من قبل “غرفة فكر النظام”.
إن أفق مثل هذه الظروف هو “تفاقم هشاشة النظام” و”استمرار تراكم السخط” في المجتمع؛ تراكم يمكن لأي حدث غير متوقع – من أزمة اقتصادية إلى صراع خارجي – أن يوصله إلى عتبة الانفجار. النظام يدرك هذا، ولهذا السبب، يُسمع صوت قلقه من الداخل أعلى من أي وقت مضى.
المستقبل، ليس تابعاً لإرادة الدعاية الحكومية، بل هو تابع لقوة “أغلبية المجتمع” و”صانعي الانتفاضة” و “وحدات المقاومة” ، الذين عقدوا العزم لتحدید مصيرهم بأنفسهم.
- انهيار سوق العمل.. إحصاءات صادمة تكشف حجم الكارثة الاقتصادية في إيران

- اقتصاد رقمي في إيران يواجه انهيار تحت وطأة قيود الإنترنت والضغوط المالية

- هجرة الكفاءات وإغلاق الشركات.. كيف دمرت العزلة الرقمية والحروب قطاع السياحة في إيران؟

- ظلام دامس يلف اقتصاد النظام الإيراني: أزمة كهرباء هيكلية وعجز يلامس 30 ألف ميغاواط

- إيران: تضخم يتجاوز 50%، شلل صناعي تام، ورعب من انتفاضة جياع وشيكة

- مجاعة وعطش وعزلة رقمية.. طوفان الغضب الشعبي يحاصر ديكتاتورية طهران


