الرئيسيةأخبار إيراناعتراف من قلب طهران: تشريح التآكل الذاتي للسلطة في مراحلها الأخيرة

اعتراف من قلب طهران: تشريح التآكل الذاتي للسلطة في مراحلها الأخيرة

0Shares

اعتراف من قلب طهران: تشريح التآكل الذاتي للسلطة في مراحلها الأخيرة

في شهادة صريحة على تآكل أسس استقرار النظام الإيراني، نشرت صحيفة “جمهوري إسلامي” الحكومية في 25 أكتوبر 2025، مقالاً بعنوان “شرخ النخب، أفول الحكمة الجماعية”. ورغم أن المقال يستخدم لغة موالية للنظام ويتبنى لهجة تحذيرية، إلا أنه في جوهره اعتراف نادر بأن بنية “ولاية الفقيه” قد دخلت مرحلة اللاعودة من أزمتها الداخلية، خاصة بعد تراجع الهيمنة المطلقة لخامنئي. إنه تشريح دقيق لآليات التدمير الذاتي التي بدأت تعمل في جسد السلطة الحاكمة في مراحلها الأخيرة.

أزمة الشرعية وتفكك آلية البقاء

يبدأ المقال بالإقرار بأن بقاء النظام لأربعة عقود لم يكن نتيجة “وحدة السلطة المطلقة”، بل لقدرته على “الحفاظ على التوازن بين القوى داخل الحكم”. لكن جوهر المقال هو الإعلان عن نهاية هذا التوازن، وظهور “تباعد بين النخب السياسية والإدارية” [أي بين الزمر وأقطاب الحكم المختلفة]. صدور هذا الاعتراف من صحيفة حكومية هو مؤشر خطير على أن آلية البقاء الأساسية للنظام – وهي إدارة الصراعات الداخلية – قد بدأت تتعطل بشكل نهائي.

ما معنى الصراعات الداخلية في البرلمان الإيراني؟

في يوم الثلاثاء، 25 فبراير، خلال جلسة علنية في البرلمان الإيراني، قام المعمم حميد رسائي بخطوة غير مألوفة حيث قام ببث مقطع صوتي لمسعود بزشکیان عبر الميكروفون الرسمي للبرلمان

انشقاق الزمر: أبعد من مجرد تنافس داخلي

النقطة المحورية في المقال هي الإشارة إلى تصدع “القاعدة غير المكتوبة” التي حكمت سياسة النظام لعقود: “المنافسة مسموحة، لكن المساس بالشرعية ممنوع”.

طالما كانت هيمنة خامنئي قادرة على الوساطة ورسم الخطوط الحمراء، كانت التوترات تظل محصورة في المستوى الإداري. لكن كاتب المقال يؤكد أن التطورات الأخيرة تظهر أن “الانقسامات السياسية والفكرية” قد انتقلت لتضرب “مستوى شرعية النظام” نفسه.

ولإظهار عمق الأزمة، يستشهد الكاتب بمنظّري التحولات السياسية مثل أودانيل وشميتر، موضحًا أن “التحولات السياسيسة تبدأ في اللحظة التي يشعر فيها جزء من النخب [قادة النظام] أن كلفة الولاء أصبحت أكبر من منافعه”. هذه الحالة، التي تظهر في إشارات رمزية مثل “الجدل حول المناسبات العائلية لبعض الشخصيات السياسية والعسكرية”، لم تعد خلافًا فصائليًا بسيطًا، بل هي إشارة على فقدان مركز السلطة قدرته على إعادة توزيع المنافع وفرض إرادته.

تصاعد الصراعات الداخلية في إيران حول التعيينات الوزارية يكشف عن انقسامات عميقة

يستمر الصراع الداخلي على السلطة داخل النظام الإيراني في التصاعد، مما يكشف عن الانقسامات العميقة بين الفصائل المختلفة. في 24 أغسطس/آب، حاول مسعود بزشكيان، الرئيس المعين حديثًا للنظام، مرة أخرى إظهار ولائه للولي الفقیة علي خامنئي من خلال اصطحاب حكومته بأكملها لزيارة قبر خميني، الولي الفقیة السابق

اضمحلال الحكمة الجماعية وسياسة الإقصاء

يعتبر المقال بوضوح أن غياب “الحكمة الجماعية” هو نتيجة مباشرة لسياسة “الصوت الواحد” واحتكار السلطة. فبدلاً من “المشورة”، وقع النظام في “فخ التفرد بالرأي وتراكم السخط الصامت في داخله”. هذا النقد هو قلب الاعتراف بتفكك البنية الحالية، والذي يعزوه الكاتب إلى عاملين:

  1. ابتعاد جزء من النخب عن الخطاب الأيديولوجي المركزي (مبدأ ولاية الفقيه).
  2. محاولة “الجزء الآخر بنظرة إقصائية واحتكارية” طرد أي صوت مختلف.

هذه “السياسة الإقصائية” هي التي خلقت “شرخًا ناعمًا ولكنه عميق داخل بنية الحكم”.

من أي لحظة تبدأ الانهيارات؟

الحلول التي يقترحها الكاتب لإنقاذ النظام هي حلول دفاعية وساذجة، حيث يدعو إلى “ترميم الثقة داخل الحكم” و”التحول من الإقصاء إلى الاستيعاب”. لكن التحذير الأخير في المقال يكشف أن المسافة بين أزمة النخبة الحاكمة والأزمة العامة في الشارع تتقلص بسرعة. يقول الكاتب بعبارات لا تخلو من دلالة:

«إذا أغلقنا آذاننا عن التحذيرات الداخلية، فسنضطر حتمًا لسماع صداها من الخارج، ولكن في ذلك الوقت، يكون الأوان قد فات. لقد علمنا التاريخ مرارًا وتكرارًا أن الانهيارات تبدأ من اللحظة التي تتخيل فيها السلطة أن لديها ما يكفي من الوقت. لكن المستقبل ملك لأولئك الذين يسمعون التحذير قبل أن يتحول إلى صرخة».

في الواقع، هذا المقال ليس مجرد تحليل، بل هو وثيقة تعلن انهيار الهيكل الذي ضمن تماسك نظام ولاية الفقيه لعقود. إنه يؤرخ، من الداخل، لمشهد سقوط النظام المتسارع. الأزمة الحالية لم تعد ظاهرة هامشية، بل هي مؤشر على ظهور انقسامات جيولوجية عميقة بين قادة وزمر السلطة. وفي مثل هذه الحالة، لم يعد التحذير قادرًا على إيقاف الانهيار.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة