حتمية الثورة وعدم قابليتها للعكس: تحليل تاريخي فلسفي
يعد مفهوم “عدم القابلية للعكس” أحد المفاهيم الأساسية في تحليل الظروف السياسية والاجتماعية في إيران. هذا المفهوم ليس مجرد استعارة أدبية، بل له جذور في النظريات العلمية والفلسفية، ويمكن أن يكون فعالاً للغاية في شرح المسارات الاجتماعية والسياسية. عندما تقول المقاومة الإيرانية إن “عصر نظام الشاه في إيران قد ولى، ولا يمكن تصور عودته”، أو “نظام ولاية الفقيه بعد سلسلة من الانتفاضات الشاملة أصبح معرضًا لخطر السقوط الحتمي”، فإنها تشير إلى هذا القانون. وبالمثل، عندما يؤكد المحللون السياسيون أن “الظروف لن تعود إلى الوراء”، فهم في الواقع يشددون على هذه الطبيعة التي لا رجعة فيها للتطورات.
يمكن إثبات هذا المفهوم بالاعتماد على العلوم الطبيعية، وتاريخ الثورات، والنظريات السياسية، وتطبيقه على التحولات التي تشهدها إيران اليوم.
عدم القابلية للعكس في العلوم الطبيعية والتعميم الاجتماعي
في الفيزياء، وتحديدًا في الديناميكا الحرارية، تُقسم العمليات إلى فئتين: “القابلة للعكس” و”غير القابلة للعكس”. يوضح القانون الثاني للديناميكا الحرارية أن العديد من التغيرات، بسبب زيادة الإنتروبيا (الاعتلاج)، هي تغيرات لا رجعة فيها. على سبيل المثال، الكعكة التي تغيرت طبيعتها أثناء عملية الخبز لن تعود أبدًا إلى حالتها الأولية كمكونات خام. تعمل هذه الاستعارة أيضًا في العلوم الاجتماعية: عندما يدخل مجتمع ما في مسار عميق من التغييرات، يصبح من المستحيل عمليًا إعادته إلى وضعه السابق.
يطرح كارل ماركس هذا المضمون بلغة مختلفة في كتابه “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”، حيث يكتب أن التاريخ “يكرر نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة”. ويكمن التأكيد هنا على أن التكرار الدقيق للماضي مستحيل؛ لأن الظروف المادية والاجتماعية قد تغيرت ونشأت حالة نوعية جديدة. وبالتالي، فإن عدم القابلية للعكس ليس مجرد مبدأ فيزيائي، بل هو حقيقة تاريخية واجتماعية أيضًا.
الانتفاضات وعودة كلمة “الثورة” إلى الثقافة العامة
في إيران المعاصرة، أعادت الانتفاضات المتتالية من يناير 2018 إلى انتفاضة 2022 مفهوم “الثورة” إلى مركز الخطاب العام. لقد حاولت الآلة الدعائية لنظام ولاية الفقيه على مدى عقود “شيطنة” هذه الكلمة، وجعلها مرادفة للعنف أو الانهيار الاجتماعي. أما اليوم، فقد أصبح استخدام مفتاح “الثورة” بين جيل الشباب وشريحة واسعة من القوى الاجتماعية ليس شرعيًا فحسب، بل ضروريًا. هذه العودة بحد ذاتها هي علامة على عدم قابلية الظروف للعكس: لم يعد بإمكان النظام إعادة إنتاج شرعيته من خلال مساحيق الإصلاح أو الوعود الشكلية. على حد تعبير أنطونيو غرامشي في لحظات الأزمات، “إن القديم يحتضر والجديد لا يستطيع أن يولد”. في مثل هذه الحالة، تصل التحولات الاجتماعية إلى نقطة لا توجد فيها أي إمكانية للعودة إلى الماضي. والوضع الحالي في إيران هو مثال صارخ على ذلك.
التجارب التاريخية: من الباستيل إلى ثورة 1979
تشير حنة آرنت في كتابها “في الثورة” إلى حدث سقوط الباستيل في 14 يوليو 1789؛ عندما وصف لويس السادس عشر هذا الحدث بأنه “تمرد”، أجابه الدوق دي لا روشيفوكو-ليانكور: “لا يا صاحب الجلالة! إنها ثورة”. توضح آرنت بدقة أن الفرق بين “التمرد” و”الثورة” يكمن في طبيعتها التي لا رجعة فيها؛ حدث يخرج عن سيطرة السلطة ويغير مسار التاريخ.
هذه التجربة تشبه إلى حد كبير ما حدث في إيران عام 1979. حاول محمد رضا بهلوي، في الأشهر الأخيرة من حكمه، مرارًا وتكرارًا وصف الاحتجاجات بأنها “أعمال شغب” أو “حركة محدودة”. ولكن عندما رأى بعينيه الحشود المليونية من المتظاهرين من طائرته المروحية، أدرك أن ملكه قد انتهى. لم تكن تلك اللحظة تمردًا محدودًا، بل كانت ثورة لا رجعة فيها. واليوم، يتكرر نفس المشهد. تحاول الفاشية الدينية الحاكمة في إيران وصف الانتفاضات الشعبية بأنها “أعمال شغب” أو “حرب هجينة”، لكن الواقع الاجتماعي يقول شيئًا آخر: المجتمع يتجاوز نقطة اللاعودة.
الخطأ التحليلي والمبالغة في تقدير قوة القمع
إن تجاهل الطبيعة التي لا رجعة فيها للثورة يقدم تحليلًا ناقصًا. قد يعتقد البعض، عند رؤية إحصائيات الإعدامات في المراحل النهائية لهذا الحكم، أن هناك إمكانية للعودة إلى حالة “الاستقرار”. لكن التجارب التاريخية أثبتت عكس ذلك. يمكن للقمع أن يبطئ وتيرة التحولات مؤقتًا، لكنه لا يغير المسار العام. يمكن شرح هذا الوضع باستعارة “الرصاصة المنطلقة”؛ فالرصاصة التي خرجت من فوهة البندقية لن تعود أبدًا إلى الداخل، حتى لو غيرت الرياح والظروف الجوية مسارها قليلاً. الهدف النهائي هو الإصابة؛ وهذه هي بالضبط طبيعة عدم القابلية للعكس في المسار الثوري.
الثورة كضرورة تاريخية
من منظور علم الاجتماع السياسي، تصبح الثورة حتمية عندما يفقد النظام الحاكم القدرة على إعادة إنتاج شرعيته وسلطته. توضح ثيدا سكوكبول أن الثورات ليست نتاج إرادة الفاعلين فحسب، بل هي نتيجة انهيار القدرات المؤسسية للدولة والتعبئة الاجتماعية. وفي إيران اليوم، كلا الشرطين متوفران: فالحكومة لا تتمتع بالشرعية الاجتماعية ولا بالقدرة الاقتصادية-المؤسسية لإدارة الأزمات. لهذا السبب، يمكن القول إن الثورة في إيران ليست احتمالًا بعيدًا، بل هي ضرورة تاريخية؛ ضرورة انبثقت من رحم التناقضات الهيكلية ولا يمكن لأي قوة كبحها.
عبور المجتمع نقطة اللاعودة
بناءً على ما سبق، فإن عدم قابلية الثورة للعكس وحتميتها في إيران اليوم ليسا مجرد مقولة سياسية أو شعار، بل حقيقة يمكن تفسيرها على مستويات علمية وتاريخية واجتماعية مختلفة. من القانون الثاني للديناميكا الحرارية إلى نظريات آرنت، وماركس، وغرامشي، وسكوكبول، جميعها تؤكد على وجود لحظات في التاريخ يعبر فيها المجتمع نقطة اللاعودة. إيران تقف الآن في مثل هذه اللحظة: لحظة لم تعد فيها الإصلاحات مجدية، ولا القمع قادرًا على استعادة الوضع السابق. إن ما نشهده بعد سلسلة من الانتفاضات الشاملة في المجتمع الإيراني هو ثورة شاملة لا رجعة فيها، حتى لو تخللتها فترات صعود وهبوط.
- أفشين علوي عبر فرانس إنفو: النظام الإيراني يخشى المقاومة أكثر من القصف، والشعب يرفض العودة لدكتاتورية الماضي
- صمت غربي مخزٍ إزاء الإعدامات، والمقاومة الإيرانية صامدة في وجه القمع
- مرافعة الشهيد وحيد بني عامريان عضو مجاهدي خلق: تباً لحياةٍ ثمنها التخلي عن المبادئ
- صحيفة لوفيغارو: آلاف يتظاهرون في باريس تنديداً بالإعدامات وللمطالبة بمحاسبة النظام الإيراني
- أغنيس كالامارد: النظام الإيراني يعزل 90 مليون إنسان في ظلام رقمي، والمجتمع الدولي غافل عن الجرائم
- تلفزيون فرانس إنفو: الإيرانيون يرفضون ديكتاتوريات الماضي والحاضر، وحملات مضللة لتلميع صورة ابن الشاه
