غرق الطبقة الوسطى الإيرانية في فقر عميق وسط تضخم متسارع وجمود اقتصادي
تسلط التقارير الأخيرة الضوء على أزمة اقتصادية حادة في إيران، حيث انزلق ملايين المواطنين من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر بسبب تسارع التضخم وتفاقم الاضطرابات المالية. في وقت سابق من هذا العام، كشف مركز الأبحاث البرلماني أن خط الفقر ارتفع بنسبة 68% في عام 2024 مقارنة بالعام السابق، مما جعل من الصعب بشكل متزايد على الأسر توفير الاحتياجات الأساسية والحفاظ على مستوى كافٍ من السعرات الحرارية اليومية.
وفي 3 نوفمبر، تجاوز الدولار الأمريكي حاجز 70,000 تومان في سوق الصرف الأجنبي بطهران، حيث وصل إلى 70,200 تومان. هذا الانخفاض الكبير في قيمة العملة زاد من الضغط على القدرة الشرائية وصعّد أسعار السلع الأساسية. وقد أشار المحللون الاقتصاديون إلى أن “سياسة الحكومة في قطاع العملات والتخطيط الميزاني لن يسمحا باستقرار أو انخفاض سعر الصرف”، مما يؤكد القدرات المحدودة للتدخل في الأزمة الحالية. ارتفعت النفقات الشهرية الدنيا للمعيشة لعائلة متوسطة إلى 36 مليون تومان، في حين يبقى متوسط الدخل الشهري عند 10.89 مليون تومان فقط.
وبالإضافة إلى الضغوط المالية، يُتوقع زيادة كبيرة في أسعار البنزين لعام 2025. أشار مهرداد لاهوتي، نائب رئيس لجنة الميزانية والتخطيط، إلى التداعيات قائلاً: “هذا العام، تم تخصيص 90 تريليون تومان لاستيراد البنزين، ولكن للعام المقبل تم تخصيص 65 تريليون تومان فقط”. وشرح النتيجة الواضحة: “هذا يعني بوضوح أن الحكومة تخطط على الأرجح لرفع أسعار البنزين العام المقبل”. كما أقر بأن هذه القرارات تُتخذ في أماكن أخرى وليس فقط ضمن صلاحيات البرلمان، قائلاً: “القرارات في هذه المسائل تُتخذ في أماكن أخرى، وقد تم نقل 80% من السلطة في هذا الشأن إلى جهات أخرى”. يبقى الجمهور غير مدرك إلى حد كبير لكيفية تحديد أسعار الوقود، مما يزيد من حالة عدم اليقين والقلق.
لدى النظام الديني في إيران تاريخ متوتر مع الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود، حيث تذكر احتجاجات عام 2019 كذكرى صارخة. في نوفمبر من ذلك العام، أشعلت زيادة مفاجئة في أسعار البنزين احتجاجات في ما لا يقل عن 190 مدينة، والتي قوبلت بقمع شديد. وأغلقت الحكومة الوصول إلى الإنترنت على مستوى البلاد لقمع انتشار المعلومات، وتشير التقارير إلى أن أكثر من 1,500 شخص قُتلوا خلال الاضطرابات.
وشكك الاقتصادي المرتبط بالدولة محسن رناني في قدرة أي حلول اقتصادية على معالجة الأزمة الحالية بفعالية. وأكد قائلاً: “وصل الاقتصاد الإيراني إلى نقطة لا تكون فيها أي حلول اقتصادية فعالة بعد الآن”، مقارناً الاقتصاد بـ”مدينة صناعية غارقة في عدم الاستقرار السياسي والمالي”. على الرغم من الحوافز، فإن هذه البيئة تثبط الاستثمار وتعيق النمو.
وأكد رناني أن الثقة بين الحكومة والمواطنين أساسية للتعافي: “إذا لم يثق الناس في الحكومة، فلن يتبعوا أي حلول مقترحة”. وأشار كذلك إلى أن الإدارة الحالية فشلت في تحقيق تقدم كبير نحو التعافي الاقتصادي، قائلاً: “لقد تغير الطبيب، لكن هذا لا يعني أن المريض قد شُفي”.
وأدت الأزمة المستمرة إلى تغييرات كبيرة في سلوك المستهلكين، خاصة في استهلاك الغذاء. تشير التقارير إلى أن مصادر البروتين عالية الجودة مثل اللحوم ومنتجات الألبان يتم استبعادها من وجبات العديد من الأسر بسبب الأسعار المرتفعة. ويُقدر الآن أن الاستهلاك السنوي للفرد من اللحوم في إيران لا يتجاوز 6 كيلوغرامات، وهو أقل بكثير من 67 كيلوغرامًا في الكويت و62 كيلوغرامًا في الإمارات العربية المتحدة. في العراق الذي مزقته الحرب، يكون استهلاك اللحوم أكثر من ضعف ما هو عليه في إيران.
التراجع في استهلاك منتجات الألبان مثير للقلق بالمثل، حيث يقل استهلاك الفرد عن 70 كيلوغرامًا سنويًا، وهو أقل بكثير من المعيار العالمي البالغ 150–160 كيلوغرامًا. وهذا يمثل انخفاضًا كبيرًا منذ عام 2010 عندما تراوح متوسط الاستهلاك بين 100 و130 كيلوغرامًا.
وانتقد رناني أيضًا غياب بيئة ملائمة لاتخاذ قرارات اقتصادية عقلانية، قائلاً: “لا يوجد أساس مناسب للعقلانية في مجتمعنا؛ عدم اليقين يدمر التفكير العقلاني”.
ويعكس هذا الشعور التحديات في إيران، حيث يركز الحكام على مصالحهم الخاصة، ويولون الأولوية للأجندات النووية والصاروخية والإقليمية على تنفيذ استراتيجيات تعالج الأزمة الاقتصادية بشكل ملموس وتحسن رفاهية الشعب.
ومع تصاعد التضخم وتوقعات بمزيد من التخفيضات في الدعم للسلع الأساسية، تواجه الطبقة الوسطى في إيران مستقبلًا قاتمًا. ارتفاع أسعار الغذاء، وتدهور التغذية، وزيادة الفقر تخلق عواقب اجتماعية وخيمة. يحذر الاقتصاديون المرتبطون بالدولة من أنه بدون تغييرات جوهرية، فإن الفقر الأعمق وتفاقم ظروف المعيشة سيشعلان غضبًا اجتماعيًا، قد يؤدي إلى انتفاضات تخشاها الحكومة بشدة.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
