يبين فرض الانسحاب من جنوب سوريا على النظام الإيراني وهزيمة مني بها في العراق واليمن ظروفا جديدة في المنطقة. والآن بات واضحا أن التطورات في المنطقة هي تضر بالنظام وتستهدف الركائز التي اعتبرها خامنئي عمقا لإستراتيجية نظامه.
وفي الحقيقة مطلب وضع الحد للسياسات التوسعية والتدخلات الإرهابية للنظام في المنطقة وانسحاب قواته مع جميع عملائه من بلدان المنطقة هو مطلب عالمي أعلنت عنه الولايات المتحدة وأوروبا والأقطار العربية بكل حزم وصرامة.
ويوضح وجود هذا المطلب العالمي الصارم الصورة الحالية لظروف النظام في المنطقة وآفاقها المستقبلية أكثر من أي وقت مضى ويرد على الكثير من التضاربات التي يعلنها الجهاز الإعلامي للنظام وبقية المصادر المعنية في المنطقة.
وعلى سبيل المثال، صحيح أن الحديث الآن يجري حول انسحاب قوات النظام وعملائه من جنوب سوريا. ولكن إذا ما نلقي نظرة على مطلب المجتمع الدولي القاضي بالانسحاب الكامل لقوات النظام من سوريا فيصبح من الواضح أن التطورات تشير إلى أبعد من انسحاب قوات النظام من منطقة واحدة والقيام أو عدم القيام بذلك، وإنما الهدف هو قطع أذرع النظام برمته في سوريا. وانسحاب النظام من سوريا هو واحد من الشروط الـ12 التي أصر عليها وزير الخارجية الأميركي عند الإعلان عن الإستراتيجية الأميركية الجديدة بشأن نظام الملالي.
دور عامل إيراني حاسم في انهيار العمق الإستراتيجي لخامنئي
قد يكون العنصر الأهم الذي ينبغي ملاحظته في انسحاب النظام الإيراني من المنطقة هو ضغوط من جانب المواطنين الإيرانيين تعارض بشدة مغامرات الملالي في المنطقة مما يشكل تناقضا طغى ولا يزال على النظام حتى رمقه الأخير، لأن الظروف التفجيرية داخل إيران تجعل النظام أن يكون بحاجة ماسة إلى التدخل في المنطقة مما يسميه عمقه الإستراتيجي أكثر فأكثر كما يحاول أكثر من أي وقت مضى إيجاد وتثبيت موطئ قدم له في هذه البلدان من جانب، كما ومن جانب آخر تؤدي هذه السياسة إلى خلق توترات اجتماعية خطيرة داخل المجتمع مؤثرة على علاقة المواطنين بالحكم. كما لعبت النشاطات الدولية واسعة النطاق للمقاومة الإيرانية في الكشف عن المشاريع النووية والصاروخية السرية فضلا عن الكشف عن النشاطات الإرهابية والإجرامية لقوات الحرس في المنطقة دورا هاما في أن يتوصل العالم إلى ضرورة بتر أيدي النظام في المنطقة.
ومنذ غداة الانتفاضة في كانون الثاني/ يناير دخلت هذه الظروف ظروفا جديدة.
أجل، اشتعال لهب انتفاضة الشعب الإيراني من طرف والسياسة الدولية من طرف آخر، شكل موازنة جديدة للقوى في المنطقة وعلى الصعيد الدولي وذلك على حساب النظام مما يشكل ظروفا يمكن استخلاصها كالتالي:
أولا، بحسب خامنئي، كان العمق الإستراتيجي والحضور في سوريا واليمن والعراق يهدف إلى أن لا يضطر النظام إلى مواجهة العدو في شوارع طهران وهمدان وأصفهان وبقية المدن. ولكن ما كان يخاف منه وقع بالفعل وخرج العدو وهو المواطنون الإيرانيون الضائقون ذرعا والمقاومة الإيرانية المنظمة إلى شوارع البلاد جراء انتفاضة كانون الثاني/ يناير في أكثر من 140مدينة إيرانية كما يعلنون عن حضورهم في جميع مدن البلاد يوما بعد يوم. وبعبارة أبسط، كان خامنئي وبحسبه يقاتل في سوريا وبقية البلدان حتى لا يضطر إلى الحرب في المدن والشوارع بإيران وهو كابوس طاله الآن حيث نهض المواطنون وانتفضوا للقتال ضد الدكتاتورية الفاشية للملالي! مما جعل خامنئي يضطر إلى الحرب في الداخل كما لا ينخدع المواطنون إزاء دجل الملالي خارج الحدود كالدفاع عن الحرم وما إلى ذلك من أقوال.
ثانيا، ليس الانسحاب من سوريا واليمن أمرا يختاره النظام بل هو حقيقة فرضت على النظام!
ثالثا، ويعلم الكل ويرون بأم أعينهم أن إدارة حرب خارجية قوضت ظهر الاتحاد السوفيتي الكبير في أفغانستان من الناحية الاقتصادية، وبالتالي وبينما ضاق المواطنون ذرعا بالأزمة الاقتصادية الراهنة، فمواصلة الحرب لنظام الملالي في هذه البلدان ليست بأمر سهل ويسير خاصة وأن المجتمع يواجه ظروفا تفجيرية ويضيق طوق العقوبات الدولية على خامنئي وفي مثل هذه الظروف على النظام أن يحمل أعباء ويدفع ثمن مواصلة حرب خارجية وهذه المرة دون الدولارات الناجمة عن سياسة المساومة.
نتيجة: ومجموعة هذه العناصر الداخلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الإقليمية والدولية توضح أن النظام في حافة الهاوية في موازنة القوى بالمنطقة وجميع هذه العناصر تؤدى إلى أن تكون ظروف النظام في المنطقة بأسرها أكثر هشاشة يوما بعد آخر.
وفي هذه الظروف لابد للمجتمع الدولي من اتخاذ إجراءات جادة لقطع أذرع النظام وطرد قوات الحرس الثوري من بلدان المنطقة.

