الخامس عشر من شعبان هو ذكرى الولادة المباركة للإمام الثاني عشر للتشيع ، إمام العصر ، عجل الله تعالى فرجه. إن الانتظار لظهوره يذكرنا بالأمل التاريخي للإنسانية لكسر أغلال التخلف والاستغلال وتحقيق مجتمع خال من القهر والطبقات.
وقالت السيدة مريم رجوي رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية بمناسبة مولد أمام العصر والزمان:
«إن النصف من شعبان يعد من الأعياد الخاصة التي كان ومازال المجاهدون يستلهمون منها في كل المنعطفات وكانت مباركة في الحقيقة ومفعمة بالخير والبركة ونبتهل إلى المولى الكريم أن يمّكن المجاهدين من السير إلى المجتمع المثالي التوحيدي والوصول إليه بالوفاء بعهدهم أمام الله والشعب في رحاب مسعود وهذا تعبير عن عدالة قضية الشعب الإيراني وحتمية انتصاره على الدجالين الذين يحكمون في إيران المكبلة متسترين تحت اسم إمام العصر».
کلمة الأخ المجاهد مسعود رجوي في الاحتفال
بمناسبة النصف من شعبان في تشرين الثاني عام 2000
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم إنا نرغب إليک في دولة کريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله…
لا يوجد أي ثوري في أي عهد وأية حقبة من التاريخ يکون بلا أمل وانتظار إلی المستقبل المنشود، فإذا فقد ثوري أمله أي تألق وزهو قضيته وطموحه فهو ميت في الحقيقة . إن الرجعية تدعو وتروج لليأس والخيبة کون اليأس مقدمة الاستسلام والرضوخ للوضع الراهن والموحي بأن الأوضاع ستبقی علی ما هي عليه ولا يوجد هناک أفق مستقبلي للتغيير. إن روح وجوهر التغيير في عمل الإنسان الثائر تتموج في الأمل والانتظار والتطلع إلی المستقبل وهذا هو محرکه وإلا لن تکون هناک أية حرکة وتحرک والاندفاع إلی الأمام وبالتالي لن يکون هناک أي تغيير. عند ما نتحدث عن الموقف الثوري من الإسلام بوجه الموقف الرجعي منه وعند ما نتحدث عن موقف المجاهدين من الإسلام بوجه الفکرة الخمينية الرجعية المشرکة فنتحدث في الحقيقة عن وقوف الحرکة والتغيير والانتظار والأمل والطموح بوجه السکون والجمود واليأس والخيبة من المستقبل.
الثالوث الفلسفي ومعالجة قضية المجتمع والتاريخ
إن کل الإيديولوجيات والأنظمة الفکرية والمدارس الفلسفية مطالبة بأن تعالج قضية المجتمع والتاريخ بعد معالجتها لقضية الوجود وقضية الإنسان، أي أن تماسک جميع المدارس الفلسفية يعتمد علی نهجها في بناء ثالوثها الفلسفي لمعالجة قضايا الوجود والإنسان والتاريخ.
وفي فلسفة الوحدانية تقع فکرة التوحيد علی قمة الثالوث في حين تشمل الجانبان الآخران قضيتي الإنسان والمجتمع الإنساني الذي هو موضوع التاريخ.
إن الأنبياء وحملة رسالة التوحيد هم ثوار ومصلحون کبار کانوا يدعون إلی الثورة والحرية في عصور الظلام والجهل والعبودية ولکن السمة الباعثة الخالدة لرسالتهم وعقيدتهم کانت تکمن دومًا في أنهم کانوا يؤکدون أن المستقبل ونهاية التاريخ يعود للمظلومين والمستضعفين والمضطهدين مبشرين بالنصر النهائي للصالحين والمحرومين علی الظالمين والدجالين. ولا يمکن القول إلا في منطق التطور إنه وحتی إن تکن الأرض مليئة بالوحوش والشياطين والرجعيين فإن عجلة التاريخ تسير إلی الأمام بشکل عام وإن الجهة الواحدة الموحدة الثابتة لسير المجتمع والتاريخ ليست سوی تغلب وانتصار المضطهدين والمظلومين في نهاية المطاف. وهذا هو الميزة الأساسية السامية للإسلام الثوري والتشيع والإسلام في قراءة المجاهدين بوجه الجاهلية والرجعية . ففي إيديولوجية الإسلام الثوري يتسم التطور الاجتماعي باتجاه واحد ومحدد وثابت لا لبس فيه. فإن القائم المنتظر وقائم آل محمد هو التعبير الدقيق والرمز والدليل للفلسفة ذاتها. وهي الفلسفة التي تؤکد أن حالة الجهل والرجعية لا يمکن لها أن تسود المجتمع الإنساني إلی الأبد ولا يمکن أن تذهب الدماء سدی وليس أن لا يکون للأرض والعصر صاحبًا. کلا!، هناک صاحب لهما بالتأکيد… نعم هناک من هو قادم وهو محط أمل وانتظار جميع المضطهدين والمحرومين والهدف المنشود لجميع المقهورين والکادحين وهو الذي سيقضي علی الدجل والتضليل وسينهي حالات الرياء والنفاق والشروخ التاريخية والطبقية وسيعيد فتح التاريخ الحقيقي للإنسان.
وليس أن تکون الوعود فارغة لا معنی ومدلول لها. إن التغييرات والتطورات الاجتماعية سوف تقود إلی رفع أي ظلم واضطهاد وتحطيم أي قيد وکذلک إزالة الطبقات والقضاء علی استغلال الإنسان للإنسان وسوف تحقق أممية المظلومين والمضطهدين والکادحين وأممية الحرية والعدالة والوحدة القائمة علی الحرية .
إن خميني والملالي المثيلين له قد دنسوا الکلمات والمفردات وجردوها من الفاعلية والتأثير. أما المجاهدون فهم الوحيدون الذين سبقوا خميني بـ 13 عامًا في تفسير مفردة «المستضعفين» التي وردت في القرآن الکريم بأنها تعني الکادحين والعمال والفلاحين والقرويين، بل وکان المجاهدون يعتبرون أن الحزب الطليعي أو الحزب الرائد في صفوف المسلمين هو الحزب الذي يؤمن بالتوحيد أي بالله الواحد الأحد ويعتمد علی طبقة العمال والطبقات الکادحة .
إن خميني کان يريد ذبح الکلمات والمفردات وتفريغها وتجريدها من معانيها ومدلولاتها الاجتماعية والتاريخية . ففي أول خطاب له ألقاه في أيار (مايو) عام 1979 کان خميني يلعب بالألفاظ ويقول: «النملة عاملة أيضًا»! و«الملائکة هم العاملون أيضًا»!. نعم، يمکن تعميم وتبسيط کل شيء وکل أمر ليسع کل شيء ويفتقد حصره وترکزه وقوة حسمه وحده بحيث يغدو عديم الفائدة . ولکن عند ما يتحدث المجاهدون عن طبقة اجتماعية محددة في إطار ترکيبة اجتماعية يتحدثون في الحقيقة عن قوة معتمدة علی تطور أدوات الإنتاج، وهي القوة التي تدير وتشغل عجلة الصناعة والإنتاج. إضافة إلی ذلک فمن شأن تقدم العلم والصناعة أن يحققا الإنتاج علی أبعادها الهائلة ومن شأن حالات التطور والتقدم العينية والمادية أن تخرج العالم الإنساني من الشح والنقص والعجز إلی الوفرة والکثرة والقدرة . هذه هي حصيلة التطورات في المجتمع الإنساني والتي لا تعتمد علی الطبقات المتخلفة في التاريخ القديم، وإنما تعتمد علی القوی والطبقات الصاعدة والترکيبات الاجتماعية المتقدمة والمتطورة . إذًا لا توجد في الحقيقة أية فکرة أکثر تقدمًا وتطورًا وأکثر طموحية وواعدية من ذلک الهدف والشعار الذي هو القوة الدافعة للنضال الاجتماعي السياسي لمجاهدي الشعب ويتم نقشه علی ضريح کل مجاهد للشعب وهو المجتمع اللاطبقي التوحيدي العاري عن الظلم والاستغلال والتمييز والازدواجية وهو الهدف المبارک للکادحين والعمال والفلاحين والقرويين.
إذًا ففي مذهب التشيع الثوري هناک حجة وقائم حي يرزق يضمن تحقيق ذلک الوعد المبين إثر تاريخ الکميات التي نوفرها نحن لتتحول إلی النوعيات التي تدخل الإنسان تاريخه الحقيقي بحيث أن تاريخنا اليوم وقياسًا بها سيعتبر عصرًا من عصور ما قبل التاريخ البشري.
لأنه ليس من المقرر أن يلتحف التاريخ الإنساني بالظلم والاضطهاد والتکبيل والدجل والربح والسلعة والقيم التجارية إلی الأبد، بل لقد کتب علی ابن آدم قدر آخر وکتب علی ناصيته مصير آخر. إن جميع الثوار من بدء التاريخ الإنساني وحتی الآن ثاروا وتحرکوا بفضل الأمل والانتظار لذلک، إلا أن أية مدرسة أو أي مذهب ودين لم يوضح ويبرز هذا الأمل والانتظار أو التطلع إلی المستقبل بقدر ما أوضحه وأبرزه الإسلام الثوري.
«اللهم إنا نرغب إليک في دولة کريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلی طاعتک وترزقنا بها کرامة الدنيا والآخرة …».
إن خميني کان يجتر باستمرار حالات تلوثه وتدنسه الأمر الذي يستمر فيه ورثته أي الملالي الحاکون في إيران الأمر الذي يستمر فيه الملالي الحاکمون حاليا في إيران. عند ما کان خميني يتهم المجاهدين بالنفاق فهو في الحقيقة کان يکشف عن مدی نفاقه الذاتي أي مدی انحرافه وانتهازيته وازدواجيته قولاً وفعلاً وهذا ما يتسم ويتصف به النظام برمته، فإن اقتصاده وسياسته وفکره وعقيدته ودستوره وترکيبته السياسية محفوف کلها بالازدواجية والتناقض. ولکن خميني کان يلصق التهمة ذاتها بالمجاهدين فيما أنه هو الذي کان يتصف بتلک الرذيلة أي النفاق.
إن عبارة «الدولة الکريمة » التي وردت في دعاء «الافتتاح» هي الموعد والميعاد النوعي النهائي لجميع الثوار والمصلحين.
وهنا أيضًا مثل جميع المفاهيم والمفردات الأخری يمکن أن يکون للمرء انطباع رجعي منها ويمکن الابتعاد من کل الانطباعات المقترنة بالشرک والرجعية والجاهلية ومسح صدأ الجهل والرجعية وکنس حثالتهما والکشف عن حقيقة الأمر.
المجاهدون يرسمون حدودًا واضحة بينهم وبين خميني ونظامه الرجعي
في أوائل عام 1981 قبل ما يقارب عامًا ونصف العام بعد انتشار رسالة المجاهدين لمناسبة النصف من شعبان أوضحنا لخميني کل مواقفنا وبکل تفصيل من خلال المقالات التي نشرناها في صحيفة «مجاهد» آنذاک. علمًا بأننا کنا نتحدث آنذاک لخميني باحترام. فلم تکن حربنا بعد مع خميني آنذاک قد تطورت إلی الکفاح المسلح. قلنا له: يا قداسة السيد! لا لبس في أن آراءنا وآراءکم متباينتان جدًا في موضوعات الجدلية والتطور والاستغلال والهدف المنشود والموقف من الإسلام وأحکامه والإيديولوجية. وأکدنا له إننا وأنتم علی موقفين متناقضين ومتنافيين تمامًا في مجال هذه الموضوعات وموضوعات أخری مثل الاضطهاد المزدوج وموضوع النساء وموضوع القوميات. وأما في السياسة والقضايا السياسية فهي الأخری کانت واضحة جدًا. فعلی سبيل المثال کان خميني يستخدم مفردة «الاستکبار» ولکن ما ذا کان يفهم وينطبع منها؟ إن کان يفهم مضمونها فلماذا لم يکن يستخدمها قبل ذلک؟. لقد قرأتم في الأخبار أن أنفسهم يعترفون اليوم بأن عملية احتجاز الرهائن کانت خدعة لاستبعاد مجاهدي خلق عن الساحة . کنا نقول هذا منذ البداية ، ولکن أنفسهم يعترفون بهذا ويؤکدونه صراحة اليوم. لقد تحدثنا عن المنجزات العلمية في القرن التاسع عشر. ومن البديهي أن هناک حتی اليوم کثيرون من الناس يعارضون هذه المنجزات في حقل العلوم الاجتماعية والطبيعة .
فلذلک من العجب کون الأنبياء قد قاموا بتکهنات کهذا منذ آلاف السنين. حقًا من أين هذه البحوث المتعلقة بالمجتمع المثالي ومواصفاته وکيف أمکن التکهن به قبل 15 قرنًا وفي عهد صدر الإسلام؟ لم نبدع هذه نحن. بل الإمام علی (ع) هو الذي أکد مواصفات هذا المجتمع المثالي والقرآن الکريم تحدث عن مجتمع موحّد بعبارة «أمة واحدة ». وکلما حاول الملالي التستر عليها بالجهل والرجعية کلما تتألق هذه البشائر! لأنه لا يمکن منع هذا التألق. إنها تماثل الذهب الخالص الذي کلما يغطونه وکلما تستره الأتربة والغبار فعند ما يزاح عنه الغطاء أو الأتربة والغبار يتلألأ ويزهو الذهب کما کان عليه سابقًا وبذات الإشعاع لأن الذهب لا يصدأ.
فيا عجبًا من أنه وعلی أساس ما قلناه آنفًا إن الأرض ستخرج في ذلک المجتمع المثالي کل بواطنها وأسرارها کما قال الإمام علی (ع): «تخرج له الأرض أفاليذ کبدها وتلقي إليه سلمًا مقاليدها فيريکم کيف عدل السيرة ويحيي ميت الکتاب والسنّة ». فبذلک لن يبقی علی الأرض أي مکان غير عامر وستعم العالم الخضرة والنضرة وستزداد الطاقة الإنتاجية حتی تکفي الجميع وستنتهي الظلم والقمع وحالات الفرقة والانفصال والغربة في العلاقات الاجتماعية .
جذور الحروب غير العادلة والبشری بإقرار السلام الشامل
فلذلک لن يکون في عصر المهدي (عج) أي دافع للحرب والعدوان والقتال بين أفراد البشر بل سيسود السلام والصلح والتعايش السلمي کل أرجاء المعمورة . إذًا کل ما يوجد في عهد الإمام القائم المنتظَر (عج) إنما هو الصداقة والأخوة والوحدة والتلاحم ويتمتع کل فرد بما يحتاجه ويمنح له بقدر حاجته من دون رادع أو مانع». فإن تحقيق مثل هذا المجتمع أمر مقدر ومحتوم. من المعلوم أن الحروب غير العادلة تقوم علی أساس المصالح سواء من المصالح الوطنية أو القومية أو العرقية و… إلخ.
لماذا کنتم تصفون حرب خميني بأنها حرب خيانية وليس حربًا وطنية ؟ لأنه نزعة خميني الحربية کانت ضد الشعب الإيراني وضد وطننا إيران. واليوم تسمع أصوات احتجاج من داخل النظام بأن الإصرار علی استمرار الحرب لمدة 8 سنوات کان خيانة ومأساة .
مع ذلک لا تزال قادة هذا النظام ومنهم الملا خاتمي يرددون: «الحرب المقدسة »!! والدفاع المقدس»!!
النظام يصف الحرب بأنها «حرب مقدسة » ولکنکم تصفونها بأنها «حرب خيانية ومدمرة للوطن».
فأي من هذين الوصفين صحيح أخيرًا؟
کان هناک في الحرب العالمية الأولی ما يماثل ذلک. وهو أن مثيري الحرب کانوا يصفون تلک الحرب بأنها حرب وطنية أو ذات معارک وطنية . ومقابل ذلک أو بوجه مثيري الحرب، کان الثوار آنذاک يقولون إن هذا الحرب حرب غير عادلة .
الحرب العادلة هي الحرب التي تدافع عن قضية عادلة . واليوم نری أنه وعند ما تتنافس هذه الزمرة أو تلک في النظام معًا علی مزيد من الحصة في السلطة فإن الانتهازيين وأذيال النظام يقولون للمجاهدين: عليکم أن تغمدوا أسيافکم وتلقوا النضال إلی جانب لتتحولوا إلی أذيال لهذا الجناح أو ذلک وهذه الفئة أو تلک في داخل النظام!!
ولکن الواقع أن حصول الانشقاق والانقسام في قمة النظام هو حصيلة هذا النضال وحصيلة کل هذه الدماء وحصيلة کل هذه العمليات وسلسلة الضربات السياسية والعسکرية التي تسددها المقاومة الإيرانية علی النظام برمته.
لقد سبق ذلک أن تم انشقاق أو انقسام کبير في النظام وهو إقصاء خليفة خميني (منتظري) عن منصبه. واليوم يقول السيد منتظري نفسه: إنهم استبعدوني بسبب إدانتي عمليات القتل الجماعي للسجناء المجاهدين. وهذا في رسالته التي بعثت بها إلی خميني. نعم، إن لا يوجد هناک استغلال فما هو الداعي أو المبرر لإثارة الحروب وإشعال فتيلها أو الاستمرار فيها؟
والحقيقة أن کل ثورة وبحربها ضد الظلم وعدم المساواة تتخذ خطوة ستراتيجية نحو السلام الدائم والشامل، لأن الحرب التي يخوضها الثائر هي الحرب من أجل تحقيق الحرية والسلام وهي في مضمونها وطبيعتها تسير نحو السلام أي «اللا حرب».
إذا وصلت الإنسانية يومًا ما إلی مجتمع العيش في الرغد فسوف يتمتع کل شخص بقدر حاجته ويمتع الآخرين بقدر استطاعته.
هذه المعاني مفهومة وملموسة جدًا بالنسبة للمجاهدين والمقاتلين في صفوف جيش التحرير الوطني الإيراني. ولکن ليست مفهومة في البداية بالنسبة للذي يأتي إليکم من خارج صفوفکم. مثلاً في تقرير له کتب مقاتل کان قد انضم حديثًا إلی صفوف جيش التحرير بـ «أني وعند دخولي معسکرًا لجيش التحرير کنت أشعر بالقلق من أن أترک حقيبتي علی الأرض وأبتعد منها، ولکن قال لي مرارًا الأخ الذي کان يرافقني: اترک حقيبتک هنا علی الأرض، لأنه لا يسرق هنا أحد شيئًا، ولکني لم أصدق هذا آنذاک. وکان في حقيبتي بعض من المال والمجوهرات التي کان المواطنون الإيرانيون قد تبرعوا بها للمجاهدين وکنت أخاف أن تسرق الحقيبة . أما الآن فإني أضحک علی نفسي بسبب عدم اقتناعي آنذاک بذلک الکلام.
عند ما کنت أقرأ هذا التقرير تذکرت أنا أيضًا بالعهد الذي التحقت فيه بصفوف المنظمة أي عام 1967. فآنذاک کان مستغربًا بالنسبة لي عدم دفع أفراد المنظمة ثمنًا مقابل أمور وأشياء وخدمات مختلفة داخل المنظمة ! خلافًا لما کان يجري في ما بين زملائنا في الکلية !
تلاحظون أن الفرد عند دخوله المنظمة سواء کان قبل ثلاثين ونيف سنة أم اليوم يستغرب الأمر في البداية ولکن بعد مضي زمن علی معايشته المجاهدين وأجواءهم تصبح العلاقات السابقة غير مفهومة بالنسبة له.
هل يمکن لأحد فيکم أن يريد أموالاً وممتلکات لنفسه وشخصه؟ هل من المتصور أن يمرض أحد وأنتم تقولون له: لا يمکن لک شراء دواء الفلان کونک تفتقر إلی المال؟ هل يمکن لکم تصور أن تجلسوا معًا إخوانًا وأخوات علی مائدة الطعام ولکن يحضّر لأحد منکم «الجلو کباب» ولآخر الخبز والجبن. هل من المتصور أن ينام أحد منکم في جو بارد والآخر في غرفة دافئة ؟ سواء کان آمرًا أو مقاتلاً، متقدمًا أو حديث العهد. وفي عامي 87 و88 عندما کنا نوقع في الأسر أفرادًا من قوات العدو خلال عمليات جيش التحرير کأسری الحرب آنذاک لم يکن أي فرق بينهم وبين المجاهدين في الإمکانيات المعيشية وهذا قبل أن يطلق سراحهم وکان الصحفيون وموظفو الصليب الأحمر قد التقوا معهم مرارًا ورأوا واقع معيشتهم بأم أعينهم. وکثيرون منکم تعرفون جيدًا أنهم کانوا يتمتعون بإمکانيات معيشية أفضل من ضباطنا ولم ولن نمن عليهم بذلک إطلاقًا لأن ذلک کان واجبًا إنسانيا وإسلاميا علينا أديناه بتوفير ضروريات العيش لهم بقدر ما يتمتع به المجاهدون من تلک الإمکانيات. ولم يکن يجدر بنا غير ذلک برغم کونهم أسری الحرب الذين کانوا يقاتلوننا حتی قبل ساعات. وتتذکرون أن مقاتلينا وکوادرنا کانوا في بعض الأحيان وفي طريق عودتهم من مهماتهم الحربية يخلعون أحذيتهم ويعطونها للأسری الحفاة لکي لا تجرح ولا تدمي أرجلهم وکان أنفسهم يعودون حفاة .
خميني وإهلاکه الحرث والنسل
لا يمکن مقارنة الأوضاع الراهنة في إيران مع الظروف السائدة قبل عشرين أو ثلاثين عامًا ولا يمکن تصور أبعادها. لا يمکن وصف تفشي البغاء وتعاطي المخدرات والمشروبات الکحولية في الکليات الخاصة للبنات في ظل سلطة «الإمام خميني» والنظام المدعي للإسلام.
يوجهون السؤال لامرأة فقيرة : لماذا تبيعين بناتک؟ تجيب: ماذا أفعل؟ لابد لي من تأمين معاشي، أنا بعت بناتي، ولکن جارتي تؤجر بناتها!
من الصعب تصديق ذلک، ولکن الذين يعدون هذه التقارير قد شاهدوا هذه الأمثلة بأم أعينهم. وبعد ما يراجعون الأخری تقول إنها تؤجر بناتها الثلاث بمبلغ خمسة آلاف تومان لليلة واحدة ، وإلا سوف تموت جوعًا، لأنه لا مال لها. خمسة آلاف تومان تعادل أقل من 6 دولارات. فالعار والموت لسلطة الملالي!
فمن جهة هناک حالات ظلم واضطهاد وسلب ونهب بأرقام فلکية وتشييد الملالي الحاکمين في إيران والتجار المتواطئين معهم قصورًا ملکية وسرقتهم کل الإيرادات النفطية وإثارتهم ومواصلتهم الحرب الخيانية وعمليات السلب والنهب الواسعة من قبل حکام إيران والزمرة التابعة لهم…
ومن جهة أخری وعلی مسافة أقدام من القصور والأبراج هناک الواقع المأساوي للفتيات الهاربات من منازلهن والمتشردات الحائرات في الأزقة والشوارع…
وهذا هو الذي قال فيه الإمام علی بن أبي طالب (ع): «لو أن امرأً مسلمًا مات من بعد هذا أسفًا ما کان به ملومًا، بل کان به عندي جديرًا». ويجب القول لأفراد النظام: إن لم يکن لکم دين وشرف وحرية فکونوا غياری بمثقال ذرة علی الأقل.
ويومًا ما کان هؤلاء الملالي الحاکمون في إيران يکثرون الکلام بخصوص تفشي الفساد في ظل نظام الشاه. علمًا بأن نظام الشاه التبعي والقمعي لم يکن يدعي قط وإطلاقًا بأنه «آية الله» و«حزب الله». ولکن الآن: يا ويلاه…
فبذلک يتبين أن کل ما يرتکبه النظام الإيراني من أعمال القتل والسلب والنهب وارتکاب الجرائم ومنها بتر أطراف الجسد ليس سوی غطاء لأمر آخر. ليس سوی غطاء لإهلاک الحرث والنسل.
ألم يکن يکفي لهم مليون قتيل ومليون معوق في الحرب؟
ألم يکن يکفي لهم إعدام 120 ألف شخص؟
ألم يکن يکفي لهم القتل الجماعي لثلاثين ألف سجين سياسي؟
بل وقال الملا مصباح يزدي مؤخرًا: إذا اقتضی الأمر نريق دماء مليون شخص. نعم، إنه يصدق، لأنهم يرتکبون أية جريمة للحفاظ علی سلطتهم المغتصبة . هذه هي غاية الدجل والهمجية والوحشية التي أطلق عليها حکام إيران اسم «الإسلام» زورًا وبهتانًا.
فعلی أي حال ليست الإشارات والنماذج والأوصاف الخاصة للمجتمع التوحيدي تخص العام الحالي والعام الماضي أو مثلاً منتصف القرن التاسع عشر، بل تخص ببشائر الأنبياء والأديان السماوية التوحيدية قبل آلاف السنين. وفي الإسلام ينحدر هذا من الـ 15 قرنًا الماضية ولا يمکن لأحد أن يکون قد أبدعه من تلقاء نفسه أو بشکل مقتضب.
رفع التمييز والاستغلال الجنسي
قال الإمام الصادق (ع) إن من العلامات البارزة لمجتمع إمام العصر أي مجتمع التوحيد والحرية هي نيل النساء مرتبة الاجتهاد. من الواضح أنه لا يقصد من الاجتهاد نماذج منفردة کانت ولا تزال توجد هنا وهناک، وإنما الحديث يجري هنا عن تطور نوعي يبشر تحديدًا باضمحلال وزوال إيديولوجية الجنسية والتمييز الجنسي.
فيا عجبًا! مازالت هناک في فقه حکام إيران ثلاثة أمور أساسية منعت النساء من دخولها وهي: القضاء والرئاسة والإمامة .
فحسب دستور نظام «ولاية الفقيه» لا يحق للمرأة أن تصبح رئيسة للجمهورية . لماذا؟ لأنه وبموجب ذلک المنطق الرجعي والفکرة الرجعية الاستغلالية فإن الهيمنة کانت ولا تزال وستکون دائمًا تخص «الرجال»!.
ولکن من علامات المجتمع التوحيدي وسماته ومميزاته هي إلغاء الطبقات وبالتالي إطلاق حق الاجتهاد والإمامة للنساء. يقول الحديث: النساء، ولا امرأة منفردة ومثالية أو نموذجية . أي يريد أن يظهر أنه وفي ذلک المجتمع قد زالت إيديولوجية الجنسية والتمييز الجنسي والاستغلال الجنسي. الذي قال الحديث المذکور هو الإمام الصادق (ع) وهو الإمام الحق المعادي للرجعية وقد استقاه من القرآن مما يدل علی مدی رؤيته الثاقبة الممتدة في آفاق التاريخ الإنساني.
إذا تم القضاء علی الاستغلال الجنسي باعتباره أعقد أسلوب للاستغلال فلم يعد يبقی مبررًا لوجود إيديولوجية الجنسية واعتبار المرأة سلعة . فهذه النقطة أو البرهة من الزمن التي ستنال فيها المرأة إلی الاجتهاد والقيادة .
موقف سطحي من الإيديولوجية والاجتهاد
قبل المجاهدين لم تکن مفردات مثل الإيديولوجية والعقيدة والهدف والمدرسة الفکرية مطروحة إطلاقًا في إيران. فإن حکام إيران الرجعيين والسطحيين الذين يتجنبون دومًا بحث فلسفة الدين وهدفه وغايته هم المضطلعون في شرح التفاصيل. ليست التفاصيل غير مقبولة في حد ذاتها بل لها مکانها، ولکنها لا يمکن أن تحل محل الهدف العام والفلسفة العامة . أيمکن للتکتيکات أن تملأ فراغ الستراتيجية ؟.
فعلی سبيل المثال: أنتم رکبتم سفينة أو زورقًا. هل يدور الحديث هناک عن کيفية التجديف؟
من المؤکد أن للتجديف أحکامًا وضوابط. کما إن هناک أحکامًا وضوابط وقوانين للملاحة أي أن هذه الأحکام والقوانين ذاتها تتسم بالتحرک والاندفاعية والتطورية .
ولکن المسافر الذي يشتري التذکرة للسفر علی متن سفينة أو طائرة أو حافلة أو زورق قد أخذ المقصد بعين الاعتبار في الدرجة الأولی وقبل أي اعتبار آخر. لأنه يريد أن يصل مقصده ولم يرکب بهدف التفرج للتجديف في السفينة أو الزورق أو طريقة استبدال المسننات في السيارة أو الحافلة . من المؤکد أنه لا بد من استبدال المسننات. وعلی السائق أن يؤقلم نفسه بحالة المناخ وظروف الطقس ووجود أو عدم الوحل والحما والمطر وکون الطريق قد تنزلق فيها العجلات بالإضافة إلی هبوب الرياح وانتشار الضباب… إلخ وعليه أن يفطن ويعير الدقة والاهتمام بأنه ماذا يجري أمامه وفي جانبيه الأيسر والأيمن. کل هذا صحيح، ولکن السؤال الأول هو: أين المقصد؟ أي أين تتوجه السفينة أو الطائرة أو الزورق أو إلی أين يجب عليها أن تتوجه وتصل؟
لقد شرحنا وأوضحنا هذا الموضوع في إحدی افتتاحيات صحيفة «مجاهد» الصادرة باللغة الفارسية في عام 1979 وبوجه التحديد في العدد السابع منها والصادر يوم 22 تشرين الأول (أکتوبر) من عام 1979 بعنوان: «رجال الدين الشيعة علی مفترق طرق تاريخي». وقد أوضحنا في ذلک المقال الافتتاحي ما هي طبيعة الصراع الدائر بيننا وبين خميني حول «ولاية الفقيه»؟. کنا نقول: إن کنت تقصد من مفردة «الفقيه» من هو يکون «عالمًا»، فمن قال إن علامة العلم هي ارتداء لباس خاص؟ ليست الثياب والملابس المحددة والخاصة مهما کانت أي سواء کانت قمصلة و بدلة وربطة العنق أم العبا والعمامة دليلاً علی العلم وکون الشخص المرتدي بها عالمًا! فيمکن لکل شخص أن يلبس أي لباس يشاء.
ولکن إذا کان المقصود من الفقيه هو الأعلمية والرسوخ في العلم فهذا الرسوخ والأعلمية يعتمد علی الهدف المنشود قبل کل شيء. أنت قدّم وبين هدفک بأنه إلی أين تريد أن تذهب؟ إن أول سؤال توجهونه إلی ربان (قبطان) السفينة وطيار الطائرة أو سائق الحافلة هو: إلی أين تذهب أو إلی أين تسير؟ وما هو مقصدک؟ لا يمکن اتخاذ القرار بالرکوب أو عدم الرکوب إلا بعد الرد علی هذا السؤال.
فکنا نقول لخميني: إذا کان المقصود من الفقه هو الأحکام فقط أي الأمور التي تدرس عادة في ما يسمی بـ «الحوزات العلمية » (الدينية ) والتي أنتم غرقی فيها لا يمکن قبول هذه إطلاقًا باعتبارها رسوخًا في العلم والدين. لأنها أحکام وآليات جافة متجمدة ومتحجرة خاصة لسلوک مسيرة محددة .
عند ما نتحدث عن الإيديولوجية والعقيدة والمدرسة نريد قبل کل شيء أن نري: إلی أين تقتادنا؟ وما هو مقصدها وهدفها النهائي؟ وأين شاطئ النجاة ؟
وعلی هذا المقصد والهدف وشاطئ النجاة کنا علی صراع وخلاف مع خميني والرجعيين الآخرين منذ اليوم الأول. فإن خميني کان يريد صياغة دستور ونحن کنا نسأله قبل کل شيء: «هل تقبل أن قدوتنا هي الحکم العادل للإمام علی (ع) أم لا؟». هذا ما کان أساس الخلاف والصراع بيننا وبين خميني ولهذا السبب کان خميني يلصق بکم تهمة «المنافق»، ولهذا السبب کان خميني يقول إن المجاهدين أخطر من الآخرين.
عندما نتحدث عن الايدئولوجية والعقيدة والمدرسة الفلسفية فاننا نتحدث عن أمور تفوق الأحکام الجزئية .
إن الأحکام بغض النظر عن صوابها أو عدم صوابها وبغض النظر عن توافقها مع ظرفها الزمني والمکاني وبغض النظر عما اذا کانت الأحکام تعليمات الملاحة البحرية أو قوانين الديناميکية الحرارية والمکائن الحرارية و السفن البخارية والتي تختلف قوانينها عن القوانين الخاصة بالسفن التي تعمل بالطاقة الذرية ، ليست سوی آليات وتفاصيل فنية أي الأحکام الجزئية .ناهيک عن کون حکام إيران يطرحون في تعاملهم الرجعي حتی مع هذه المفاهيم الأحکام الجزئية بصورة مقلوبة ومشوهة. فعلی سبيل المثال ان «القصاص»حسب قراءة خميني ليس سوی العودة إلی عصور سبقت الحضارة الانسانية .
لايمکن أن نستخدم أحدث تقنية أي مثلاً أن نستقل عجلة ولکن نقول الطريق المبلط ليس ضروريًا.ان استخدام العجلة يستلزم الطرق المبلطة ونظام المرور وتعليمات السياقة .لايمکن سياقة العجلة في درب الحيوانات.اذًا فان العجلة لها أحکامها وهي الطريق المعبد والمبلط أو الطريق السريع.کما للقطار أحکامه فهي سکة الحديد.
لکن البيت القصيد هو أبعد من هذه الأمور البسيطة .فهو عبارة عن الغاية المتوخاة وعندما اردنا أن نرکب عجلة أو قطارًا او سيفنة واذا کانت کل الأحکام والمستلزمات متوفرة ومهيأة جدلاً، فأن المسئلة الاساسية تتمثل في الاتجاه المطلوب،اي ما هو الهدف؟ وإلی اين؟
وماذا يقول المجاهدون عن غايتهم واتجاههم؟ انهم ينقشون غايتهم علی أضرحتهم ايضًا.
ان غايتهم المنشودة هي إقامة مجتمع خال من الاستغلال والاضطهاد.ومن دون هذه الخصوصية تفقد عقيدة «الوحدانية » مفهومها لان الوحدانية الفلسفية اي التوحيد من الناحية الفلسفية أو الإيمان بالله الواحد الأحد تشکل مظلة فلسفية للتوحيد من الناحية الاجتماعية .ولا يمکن لنا أن نؤمن بالوحدانية في العقيدة والفلسفة ولکن فيما يتعلق بالمجتمع و التاريخ والانسان نؤمن بمبدأ الازدواجية والتناقض والصراع والطبقات والاستغلال! هذا هو التناقض الاساسي في رؤية الملالي العقائدية .
کلکم تعرفون الفارق بين ماهو تکتيکي وما هوستراتيجي و سوقي.کما تعرفون ان هناک أحکامًا خاصة للرمي واطلاق قذائف الهاون ايضًا.
ولکن أليس أهم من الأحکام بالنسبة للمجاهدين هو الهدف الذييستهدفونه؟ ولماذا يستهدفونه؟
وطالما لم يکن جواب هذا السؤال محسومًا ولحين لم تکن الخطوط الفاصلة الحمراءمحددة فان
المجاهدين لا يخطو خطوة .ان المواطنين المدنيين ليسوا هدفًا لعمليات المجاهدين هذا هو أمر واضح وضوح الشمس لأيمجاهد وأية وحدة ضاربة .هذا هو الخط الفاصل الأحمر.انما القوات القمعية والمجرمون الذين يحمون النظام هم الأهداف لعمليات المجاهدين.ولهذا السبب إن الاکاذيب والتهم التييطلقها ويفتئتها النظام ضد المجاهدين فيهذا المجال لا يصدقها أحد.
وخلال يوم أمس وأول أمس قال النظام مرارًا وتکرارًا بان المجاهدين کانوا ينوون تفجير قنبلة في أحد الاحياءالسکنية المکتظة بالسکان! لکن الکل يضحک علی مثل هذا القول نظرًا للدقة المتناهية التي يعتمدها المجاهدون خلال تنفيذ عملياتهم لکي لا يتعرض المواطنون العاديون لأي أذي. لکن ابناءشعبنا يعرفون جيدًا أن النظام ومن أجل التکتم علی خبر العمليات و منع تأثيرها مضطر إلی ضرب الأخماس بالاسداس!
تلاحظون أنه وفيالنظام العقائدي لخمينيوالملاليالحاکمين ليس واضحًا إلی اياتجاه وغاية يريدون أن يسوقوا الانسان و المجتمع من خلال الأحکام التييطرحونها؟
کما ليس واضحًا إلی اية نتيجة نهائية ستؤدي اليها هذه الحرکات الشکلية الاستعراضية والتشدق بالاسلام وبإمام العصر؟ وعندما لاتکون الغاية محددة فبالامکان التفوه باسم الامام الحسين وفي الوقت نفسه سوق الناس باتجاه «يزيد بن معاوية».اي بالامکان التفوه باسم إمام العصر ولکن التوجه نحو الدجال، فهو ما يفعله الملالي في المجالات الاخري.
من جهة أخری اذا کانت الغاية محددة وثابتة وواضحة فعندئذ يصبح ممکنًا الاجتهاد في الأحکام وايجاد مدلولاتها ومن غير ذلک لا معنی للاجتهاد من دون تحديد الغاية .لان الاجتهاد في ابسط معانيه هو توفيق الاحکام والتوصيات الفنية مع الظروف المتغيرة من أجل التوصل إلی الغاية الثابتة .
ملاحظة سياسية
ولغرض التذکار السياسيأجد من الضروري ان أذکر ملاحظة متکررة حول خصوصية خميني ونظامه وأختم بها کلمتي.ان الجانب الذي يجعل خمينيحالة فريدة فيالتاريخ الايراني هو انه اضافة إلی القدرات التي عادة تملکها اية سلطة ، فإنه کان يتمتع بالسلطة الدينية المتکاملة فضلاً عن تمسکه بالقدرة الناجمة عن سرقة ثورة شعبية أيضًا.فيما أن الشاه کان منفصلاً عن الملأ. کما کانت هذه الحالة موجودة لدی الأسرة الساسانية حيث کان کبير الکهنة يختلف عن شاهنشاه فيحينه وکان منفصلاً عنه.وفي عهد الصفوية وثم الأسرة القجرية کان السلطان والمرجع الديني هما شخصيتان مختلفتان.
ولکن عندما جاء خميني علی السلطة اصبح کبير الکهنة هو علی رأس السلطة الحاکمة .
اضافة إلی ذلک وفي کل حقبة من الزمن کان معارضو هذه الأنظمة خارجين عن دائرة السلطة تمامًا بدءًا من الحرکات الفلاحية إلی الحرکات الفکرية ومن حرکة « اخوان الصفاء» واليحرکة سربداران وحتی مجاهديالثورة الدستورية .
غير ان خميني کان يمثل شخصية تتسم بمعارضته للشاه لانه يتظاهر بانه أسقط الشاه.
اذن هناک ثلاث عوامل وخصوصيات تجعل خميني حالة متمايزة مع حالة فريدة من تجمع السلطة ،وهي: التأييد من جماهير الشعب والاستحواذ علی السلطة الدينية والتمتع بالصلاحيات القانونية والحکومية أي سرقة سلطة ناجمة عن ثورة الشعب.
فثقوا بأنه لو لا المجاهدون لاستمرت هذه الحالة بآثارها لمدة مئة عام ان لم نقل لبضعة مئات السنين.
ومن هنا ليس عجبًا أن يکون نقيض هذا النظام من الناحيتين السياسية و الثقافية هو المجاهدون الذين يستطيعون محاکمة خمينيونظامه بمنطق القرآن الکريم والاسلام الثوري وبالامام علی (ع) وبالامام الحسين (ع) وبإمام العصر (عج).
«إن النصف من شعبان يعد من الأعياد الخاصة التي کان ومازال المجاهدون يستلهمون منها في کل المنعطفات وکانت مبارکة في الحقيقة ومفعمة بالخير والبرکة ونبتهل إلی المولی الکريم أن يمّکن المجاهدين من السير إلی المجتمع اللاطبقي التوحيدي والوصول إليه بالوفاء بعهدهم أمام الله والشعب في رحاب مسعود وهذا تعبير عن عدالة قضية الشعب الإيراني وحتمية انتصاره علی الدجالين الذين يحکمون في إيران المکبلة متسترين تحت اسم إمام العصر».
(السيدة مريم رجوي رئيسة الجمهورية المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية)
التحرر وذروة الازدهار في المجتمع التوحيدي العاري عن الظلم والاستغلال
إن فلسفة الانتظار والفَرَج هو فلسفة تحرر الإنسان ووحدته و انعتاقه من قيود الفقر والعبودية لتزول الحدود القومية والعرقية وجميع التحديدات والخطوط الفاصلة المرسومة الأخری بين أبناء البشر ويطغی عليها التألق الرائع لـ «الحرية» و«الغني» الشاملين. نعم إن «الفَرَج» يعبّر عن ضرورة وحتمية «الانفتاح» أو «الانفراج» التاريخي للتناقضات والعقد المکنونة في الإنسان حيث تعيد الإنسانية التواقة لـ «الوصل» و«الوحدة» تماسکها وتلاحمها مع الطبيعة ومع نفسها والمجتمع في إطار مجتمع لا طبقي توحيدي. حقًا عند ما يتم تسديد جميع «حاجات» الإنسان الحقيقية فأي مکان أو مبرر يبقی للعقد النفسانية والجسدية لدی الفرد والمجتمع؟
ما رسمناه آنفًا هو صورة نظام الحکم أو «الدولة الکريمة» لإمام العصر والتي يطلبها المؤمنون به في دعاء «الافتتاح» قائلين: «اللهم المم به شعثنا واشعب به صدعنا وارتق به فتقنا واجبر به فقرنا وسدّ به خلتنا ويسّر به عسرنا وبيض به وجوهنا وفکّ به أسرنا وأعطنا به سؤلنا وبلّغنا به من الدنيا والآخرة آمالنا واشف به صدورنا وأذهب به غيظ قلوبنا وأهدنا به لما اختلف فيه من الحق…». هذه هي الصورة النفسانية للمجتمع المطلوب المثالي الإنساني الذي کان الإنسان ولا يزال يسير نحوه وهذا هو مضمون سير التاريخ وهدفه ومعناه في الثقافة التوحيدية التي تفسر المجتمع والتاريخ من دون شک بأن لهما هدفًا ومعنی ساميين ومضيئين للغاية ليس التاريخ من دونهما إلا دوامة أو حلقة مفرغة من الصراعات المرة والدامية. ولکن في هذه الثقافة تأتي جميع التوترات والتأرجحات في المجتمع والتاريخ لتشق الطريق في نهاية المطاف نحو تفجر الطاقات وانبعاث وشروق صاهر کبير يبشر بميلاد شمس ساطعة للنجاة والعدل.
فهکذا يمثل کل شهيد مضرج بدمه في أي مکان وفي أية أرض نجمة لامعة تبشر بانبلاج فجر العدالة وانتهاء الظلم والظلام.
نعم، سوف يحين لا محالة عهد «المعرکة الأخيرة». تلک الشمس وذلک القائد إنما هو المنقذ الثوري الکبير الذي يعرض في ذروة التاريخ نوعية اجتماعية جديدة بعد التغييرات الکمية اللازمة. فيحين موعد انتهاء الآلام والمحن والأسر ويزول ما تبقی من أعداء الإنسانية من أي نوع کان.
هذا هو الفتح النهائي الکبير والمطلق تبدو جميع الانتصارات الحالية في القياس به ضئيلة بسبب کونها زائلة ونسبية.
أجل، هذا هو المجتمع والنظام التوحيدي المثالي الإسلامي الذي کان منذ زمن قديم وبمثابة حاجة حقيقية محط آمال جميع العبيد والرقيق والمحرومين والفقراء والکادحين طيلة التاريخ.
أما مواصفات هکذا نظام أو مجتمع مثالي فوردت في القرآن الکريم بوضوح، کما ومنذ ألف وبضع مئات سنة وحتی الآن أکدتها ثقافة الشيعة ومختلف کتبهم. وفي ما يأتي بعض من أهم مواصفات النظام أو المجتمع المذکور:
1 – أقصی الحد من النمو العلمي والتقني واستثمار المواهب والثروات الطبيعية وتحقيق الوحدة والتلاؤم بين الإنسان والطبيعة. وفي هذا المجال يتحدث الإمام علی (ع) في الخطبة الـ 136 من کتاب «نهج البلاغة» عن حاکم مجهول يتحقق حکمه بأسلوب يختلف عن حکم الحکام والملوک العاديين، حيث يقول: «تخرج له الأرض أفاليذ کبدها وتلقي إليه سلمًا مقاليدها فيريکم کيف عدل السيرة ويحيي ميت الکتاب والسنّة». فبذلک لن يبقی علی الأرض أي مکان غير عامر وستعم العالم الخضرة والنضرة وستزداد الطاقة الإنتاجية حتی تکفي الجميع. هذا هو مجتمع النعمة والوفرة ورغد العيش.
2 – سيتم اجتثاث جذور جميع أنواع الظلم والاضطهاد والاستغلال والکبت ولن يبقی أي أثر من أي نوع من الظلم والاضطهاد.
3 – الإنسانية ستبلغ في ذلک العهد حدًا من النضوج لن تعود فيه الدوافع المادية لتکون هي الحافزة لعمله ونشاطه، بل إن الدوافع الروحية السامية ستحل محل الدوافع المادية، کما ورد في القرآن الکريم عن النبي إبراهيم عليه السلام قوله: «إن صلاتي ونسکي ومحياي ومماتي لله رب العالمين».
4 – فلذلک لن يکون في عصر المهدي (عج) أي دافع للحرب والعدوان والقتال بين أفراد البشر بل سيسود السلام والصلح والتعايش السلمي کل أرجاء المعمورة. إذًا کل ما يوجد في عهد الإمام القائم المنتظَر (عج) إنما هو الصداقة والأخوة والوحدة والتلاحم ويتمتع کل فرد بما يحتاجه ويمنح له بقدر حاجته من دون رادع أو مانع». فإن تحقيق مثل هذا المجتمع أمر مقدر ومحتوم.
5 – بعد انهيار صرح الظلم والاستغلال لن يحکم إلا نظام قائم علی الشوری والاکتفاء الذاتي في إدارة الشؤون من دون منح أي امتياز خاص لطائفة أو فئة محددة. وفي هذا المجال تم التأکيد في العديد من الأحاديث والروايات بأنه «سيملأ الأرض عدلاً وقسطًا بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا وإن الله سيفتح له أبواب المشرق والمغرب».
6 – بهذه التغييرات الجذرية في المجتمع لن يمکن تفشي أي نوع من المفاسد والرذائل الاجتماعية مثل البغاء والسرقة والخيانة وغيرها… فلذلک ستتحرر نفس الإنسان من شرور العقد والأحقاد وحالات النفعية. وهنا يظهر الإنسان علی هيئة کماله التاريخي لنوعه وليس علی الهيئات الاصطناعية والمزورة والمختلقة التي تضفيها لها الصيغ والأنظمة الاجتماعية والثقافية الاستغلالية الحالية.
هذه هي صورة إجمالية للمجتمع التوحيدي العاري عن الظلم والاستغلال أي النظام الذي يبشر به الإمام الغائب والفلسفة التي سيروج لها ويطبقها. إذًا ليس من المبالغ فيه کوننا قد أطلقنا علی ذکری الميلاد السعيد لذلک الإمام الکبير «يوم تحرر الإنسان ووحدته وخلوصه وأممية الإنسان والوحدة».
ومن جانب آخر يجب التأکيد بأن أي حکم ونظام يبتغي مجتمعًا توحيديا حقيقيا إذا امتنع عن قبول المبادئ المذکورة آنفًا في أرکان قوانينه أو علی الأقل يتنصل عن مسؤولية الاتجاه نحو هذه المبادئ لن تکون له أية شرعية إسلامية. کما وإن التشدق بالإسلام والتشيع والإيمان بإمام العصر (الإمام المهدي القائم) لا يجدي نفعًا علی الإطلاق من دون جهد دؤوب لإحداث تغييرات ثورية تؤدي في نهايتها إلی ظهوره وفرجه. فلذلک من واجب کل مسلم ثوري وأصيل أن لا يدخر جهدًا بقدر وسعه واستطاعته باتجاه تحقيق تلک المقاييس التاريخية.