الرئيسيةأخبار إيرانمن دبي إلى طهران.. رويترز تكشف شبكة قمار وعملات رقمية مرتبطة بالنظام...

من دبي إلى طهران.. رويترز تكشف شبكة قمار وعملات رقمية مرتبطة بالنظام الإيراني

1Shares

من دبي إلى طهران.. رويترز تكشف شبكة قمار وعملات رقمية مرتبطة بالنظام الإيراني

كشفت وكالة رويترز، في تحقيق استقصائي موسع، عن شبكة مالية معقدة استخدمت منصات المقامرة غير القانونية والعملات الرقمية لمساعدة النظام الإيراني على الالتفاف على العقوبات الدولية، في عملية بلغت قيمتها نحو 4 مليارات دولار.

وأوضح التحقيق، الذي أعده كل من غافين فينش، فراس دالاتي، دينيز أجيري، توم ويلسون، وفرح ماستر، أن منصة لتبادل العملات الرقمية تحمل اسم «شيلبيت» (Shelbit)، ومقرها دبي، لعبت دوراً محورياً في نقل الأموال المرتبطة بشبكات المقامرة والبنك المركزي الإيراني وجهات أخرى خاضعة للعقوبات، وربطها بالأسواق العالمية للعملات المشفرة.

واعتمد التحقيق على بيانات حصلت عليها رويترز من شركتين متخصصتين في أبحاث العملات الرقمية، إضافة إلى الباحث المستقل في شؤون البلوك تشين ريتش ساندرز، والتي أظهرت أن منصة «شيلبيت» عالجت ما لا يقل عن 4 مليارات دولار من المعاملات منذ مايو/أيار 2024.

وبحسب التحقيق، فإن عنوان المنصة المسجل يقع في مكتب فوق أحد الفنادق الاقتصادية في دبي، بينما يديرها رجل أعمال إيراني مقيم خارج البلاد.

وأشار التقرير إلى أن من أبرز عملاء المنصة شبكة ضخمة للمقامرة باللغة الفارسية تضم أكثر من ألفي موقع إلكتروني، يديرها مؤثران إيرانيان يتمتعان بعلاقات مع دوائر نافذة داخل النظام الإيراني، أحدهما يقيم في مدريد والآخر كان يقيم حتى وقت قريب في هونغ كونغ.

وأضافت رويترز أن هؤلاء الأشخاص الثلاثة أدينوا عام 2023 في قضية تتعلق بالمقامرة غير القانونية داخل إيران.

ورغم أن المقامرة محظورة قانونياً في إيران ويعاقب عليها بالسجن والجلد، كشف التحقيق أن هذه الشبكة تمكنت من الوصول إلى منظومة المدفوعات الإلكترونية الإيرانية الخاضعة لإشراف البنك المركزي الإيراني.

وأكدت رويترز أن منصة «شيلبيت» أصبحت مركزاً رئيسياً لتحويل الأموال، يتيح لشبكات المقامرة والبنك المركزي الإيراني ومؤسسات أخرى خاضعة للعقوبات الوصول إلى أسواق العملات الرقمية العالمية.

ونقل التحقيق عن جون ووجيك، الباحث السابق في شركة Infoblox، قوله إن هذه الشبكة تمثل «أكبر شبكة مقامرة إيرانية غير قانونية يتم اكتشافها حتى الآن، وإحدى أكبر الشبكات على مستوى العالم».

كما أظهرت بيانات تتبع البلوك تشين أن عشرات ملايين الدولارات من العملات الرقمية الناتجة عن أنشطة المقامرة انتقلت إلى «شيلبيت»، قبل أن تقوم المنصة بتحويل مئات ملايين الدولارات إلى منصات عالمية، من بينها Binance، أكبر منصة لتداول العملات الرقمية في العالم.

وأضاف التحقيق أن «شيلبيت» أجرت أيضاً معاملات مباشرة مع البنك المركزي الإيراني، ومحافظ رقمية قالت إسرائيل إنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى منصة نوبيتكس (Nobitex)، التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات في وقت سابق من هذا العام بعد تقرير سابق لرويترز حول ارتباطها بالحكومة الإيرانية.

وأشار التقرير إلى أن جزءاً من العملات الرقمية التي وصلت إلى «شيلبيت» جاء من عمليات تعدين بيتكوين داخل إيران، وهي عمليات تنتج عملات رقمية جديدة يمكن استخدامها في التحويلات المالية الدولية.

وقال الباحث ريتش ساندرز لرويترز إن المؤشرات المتوافرة تدفعه إلى الاعتقاد بأن المنصة تمثل «عملية تابعة للحرس الثوري»، على حد وصفه.

وأضاف التحقيق أن تدفقات الأموال إلى «شيلبيت» استمرت حتى خلال فترة التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بما في ذلك بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث استمرت التحويلات المالية رغم سقوط إحدى الطائرات المسيّرة على مسافة تقل عن كيلومتر واحد من مقر المنصة.

ورأت رويترز أن هذه الشبكة توضح جانباً من الآليات التي استخدمها النظام الإيراني لمواصلة الوصول إلى الموارد المالية رغم سنوات من العقوبات المصرفية والتجارية المشددة، مشيرة إلى أن الحرس الثوري لعب دوراً رئيسياً في إدارة هذه الشبكات المالية.

كما خلص التحقيق إلى أن الحرس الثوري تمكن، منذ سنوات، من بسط نفوذه على أكبر مواقع المقامرة التي يمكن الوصول إليها من داخل إيران، واستخدمها لاحقاً كقنوات لتحويل الأموال إلى خارج البلاد.

واختتمت رويترز تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الشبكات تعكس نموذجاً يقوم، بحسب التحقيق، على حظر نشاط معين قانونياً، ثم السيطرة على السوق السوداء المرتبطة به والاستفادة منها مالياً، وهو ما اعتبره معدّو التحقيق أحد الأساليب التي استخدمتها الجهات المرتبطة بالنظام الإيراني في الالتفاف على العقوبات الدولية.

تحقيق يكشف تفاصيل جديدة عن شبكة إيرانية لغسل الأموال والالتفاف على العقوبات

وأوضحت الوكالة أنها أجرت مقابلات مع أكثر من 30 شخصاً، بينهم شخصان سبق أن ارتبطا بالحرس الثوري الإيراني، ومسؤول حكومي سابق، ومصدران إيرانيان مطلعان على تفاصيل العملية، إضافة إلى أشخاص لديهم معرفة مباشرة بالتحقيقات التي تجريها السلطات الإماراتية بشأن هذه الشبكة.

كما استعانت رويترز بشركة الأمن السيبراني Infoblox لرسم خريطة مواقع المقامرة الإلكترونية والعلاقات التقنية التي تربط بينها.

وقال جون ووجيك، الباحث السابق في Infoblox والمحلل الحالي في TRM Labs، إن الشبكة التي كشفها التحقيق تمثل «أكبر شبكة مقامرة إيرانية غير قانونية يتم اكتشافها حتى الآن، وإحدى أكبر الشبكات على مستوى العالم».

وأضاف التحقيق أن هذه الشبكة تعد أيضاً من أكبر شبكات الالتفاف على العقوبات التي تم الكشف عنها منذ تفكيك عملية «الذهب مقابل النفط» المرتبطة بالحرس الثوري في تركيا عام 2016.

وأكدت رويترز أنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كان الحرس الثوري يسيطر بصورة مباشرة على منصة «شيلبيت» (Shelbit) أو على شبكة المقامرة، كما لم تتمكن من معرفة الجهة النهائية التي آلت إليها معظم الأصول الرقمية المتداولة عبر هذه الشبكة.

تحقيقات في دبي

وبحسب مصدر مطلع تحدث إلى رويترز، فإن هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA) تحقق في الدور المزعوم لمنصة «شيلبيت» في غسل الأموال ومساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات.

وأضاف المصدر أن التحقيق يشمل أيضاً مؤسس المنصة سياوش كيوان بور، إلى جانب شبكة أوسع من الإيرانيين المرتبطين بأنشطة المقامرة القائمة على العملات الرقمية.

وأكدت الهيئة لرويترز أنها اتخذت، بالتعاون مع دائرة الاقتصاد والسياحة في دبي، إجراءات قانونية ضد «شيلبيت» خلال عام 2025 بسبب مزاولة نشاطها دون ترخيص.

وأشارت الوكالة إلى أنه في 24 يوليو، وبعد وقت قصير من طلبها تعليقاً من الهيئة، أصدرت VARA إشعاراً رسمياً أعلنت فيه أن «شيلبيت» انتهكت اللوائح الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأمرت المنصة بوقف جميع أنشطتها المتعلقة بالأصول الرقمية بصورة فورية.

وجاء في بيان الهيئة أن المخالفات المكتشفة «تتجاوز قضايا حماية المستهلك وتمتد إلى معاملات عابرة للحدود قد تهدد سلامة النظام المالي لدولة الإمارات».

شخصيات بارزة في الشبكة

وأفادت رويترز بأن من بين أبرز الوجوه المرتبطة بالترويج لشبكات المقامرة ساشا سبحاني، نجل دبلوماسي ووزير إيراني سابق، وبويان مختاري، وهو مغنٍ ومؤثر على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأضاف التحقيق أن مختاري كان يقيم في دبي قبل أن يغادرها في أواخر أبريل، ثم انتقل للإقامة في فنادق فاخرة في هونغ كونغ، بعد أن قالت الوكالة إنه واجه اتهامات من السلطات الإماراتية تتعلق بتمويل منظمات إرهابية إيرانية.

ونقل التحقيق عن مختاري نفيه لهذه الاتهامات، مؤكداً أنه ليس عضواً في الحرس الثوري ولا في أي تنظيم عسكري إيراني، من دون أن يوضح ما إذا كانت تربطه أي علاقات تجارية بهذه الجهات.

كما لم تعلق وزارة الخارجية الإماراتية على أسئلة رويترز بشأن وضع مختاري، لكنها أكدت في بيان أن الإمارات تطبق أعلى المعايير الدولية في مكافحة غسل الأموال والتعاون مع الشركاء الدوليين لمواجهة التدفقات المالية غير المشروعة.

وأشار التقرير إلى أن مختاري أعلن عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي عزمه العودة إلى إيران للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني، ونشر سلسلة من الصور قبل السفر، لكنه اختفى عن وسائل التواصل الاجتماعي بعد ذلك ولم ينشر أي محتوى جديد.

نفي الاتهامات

وأكد كل من مختاري وسبحاني لرويترز أنهما لا يعرفان مؤسس «شيلبيت» ولا تربطهما أي علاقة بالمنصة أو بالحكومة الإيرانية فيما يتعلق بإدارة مواقع المقامرة.

وقال ساشا سبحاني في بيان مكتوب إنه ينفي بشكل قاطع أي تورط في غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات أو تمويل الإرهاب أو تنفيذ تحويلات مالية لصالح الحكومة الإيرانية أو البنك المركزي الإيراني أو الحرس الثوري أو أي مؤسسة حكومية أخرى.

كما لم يرد مؤسس «شيلبيت» سياوش كيوان بور ولا الحكومة الإيرانية ولا شرطة دبي أو مكتب النائب العام على طلبات التعليق التي وجهتها رويترز.

الموقف الأمريكي

وأفادت رويترز بأن متحدثاً باسم وزارة الخزانة الأمريكية قال إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) على علم بهذه المزاعم ويتعامل معها بمنتهى الجدية.

وأضاف أن الوزارة كثفت منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض إجراءاتها لاستهداف الأصول الرقمية المرتبطة بالنظام الإيراني.

وأظهرت البيانات التي راجعتها رويترز أن منصة «شيلبيت» عالجت منذ بدء نشاطها في مايو 2024 ما لا يقل عن 130 مليون دولار لصالح موقع واحد فقط من مواقع المقامرة المرتبطة بهذه الشبكة.

وفي ختام التحقيق، نقلت رويترز عن ميعاد مالكي، المسؤول السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية، قوله إن الحرس الثوري يجمع بين الأيديولوجيا وتحقيق الأرباح، مضيفاً أن أكثر الدروس ربحية التي تعلمها النظام الإيراني هي «تجريم نشاط معين، ثم السيطرة على حظره وعلى السوق السوداء المرتبطة به في الوقت نفسه».

أوضح تحقيق رويترز أن الحرس الثوري الإيراني، الذي يشكل أحد أهم أذرع النظام والمسؤول عن حماية بنيته السياسية والعسكرية، يشرف كذلك على إمبراطورية واسعة من الشركات والأنشطة التجارية التي تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.

ورغم أن منصة «شيلبيت» (Shelbit) عالجت تحويلات بمليارات الدولارات، لم يجد التحقيق أي وسيلة واضحة تتيح لعامة المستخدمين الوصول إليها. وقال ثلاثة أشخاص يعملون في العنوان المسجل على أنه مكتب الشركة في منطقة ديرة بدبي لمراسل رويترز إنهم لم يسمعوا باسم «شيلبيت» من قبل، وإنهم لا يعملون في مجال العملات الرقمية.

كما أن إجراء المعاملات عبر الإنترنت لم يعد ممكنا، لأن المنصة لا تملك حاليا موقعا إلكترونيا فعالا.

وفي ردها على أسئلة بشأن تعاملها مع «شيلبيت»، قالت منصة باينانس إن الأخيرة لم تمتلك حسابا مباشرا لديها، كما أنها ليست مدرجة على قوائم العقوبات. ولم تنف باينانس أن مئات ملايين الدولارات المرتبطة بشيلبيت مرت عبر منصتها، لكنها قالت إن تلك التحويلات لم تصنف في حينها باعتبارها عالية المخاطر.

وأضافت في بيان:

«عندما تفاعل مستخدمون مرتبطون بشيلبيت مع منصتنا، عمل برنامج الامتثال لدينا كما ينبغي، إذ أجرى التحقيقات، وجمد الحسابات المعنية، وأبلغ سلطات إنفاذ القانون بها

ولم تقدم الشركة تفاصيل إضافية بشأن عدد الحسابات أو حجم الأموال المجمدة.

استحواذ الحرس على سوق القمار الإلكتروني

وأشار التحقيق إلى أن دخول الحرس الثوري عالم المقامرة الإلكترونية يمثل امتداداً لنفوذه المتزايد على الاقتصاد الإيراني، سواء في القطاعات القانونية أو غير القانونية.

ورغم أن تقارير سابقة، من بينها تقرير أصدره معهد واشنطن عام 2021، تحدثت عن احتمال تورط جهات حكومية في هذا القطاع، قالت رويترز إنها أول مؤسسة إعلامية تقدم تفاصيل عن كيفية استحواذ الحرس الثوري على جزء كبير من هذه السوق المربحة.

وقال رضا غيبي، المسؤول السابق في الحكومة الإيرانية الذي غادر البلاد عام 2022 ويقيم حاليا في بريطانيا، إن الحرس الثوري رأى فرصة كبيرة عندما بدأت المقامرة الإلكترونية تنتشر في إيران قبل نحو عقد، فتحرك للسيطرة عليها.

وأضاف أن تشغيل شبكة مقامرة بهذه الضخامة لم يكن ممكناً من دون تعاون البنك المركزي الإيراني، الذي يسيطر على البنية الأساسية للمدفوعات الإلكترونية المحلية، بما فيها البطاقات المصرفية والتحويلات المالية.

وعرض التحقيق صورة من موقع القمار abt90 تظهر أنه يوفر وصولاً مباشراً إلى نظام المدفوعات الإيراني الخاضع لرقابة مشددة من البنك المركزي.

وأكد وجود هذه السيطرة كل من حميد نيكو، الذي عمل سابقاً مستشاراً استراتيجياً للحرس، ومحمد حسين تركمان، العضو السابق في وحدة تابعة للحرس كانت مكلفة بحماية المرشد وعائلته، إضافة إلى مصدرين إيرانيين آخرين مطلعين مباشرة على الملف.

وقال نيكو:

«عندما تكبر المؤسسات المالية وتبدأ العمل بشكل مستقل عن مؤسسات السلطة والأجهزة الأمنية، يتدخل الحرس الثوري لمراقبتها. لقد استخدموا مواقع القمار وسيلة لربط الأنظمة المالية داخل البلاد وخارجها

تجنيد المشاهير والمؤثرين

وبحسب غيبي ونيكو وتركمان، استعان الحرس الثوري بفنانين إيرانيين مشهورين ومؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي لتسويق منصات المقامرة لملايين المتابعين.

وأوضحوا أن صور الثراء الفاحش والسيارات الفاخرة والرحلات والطائرات الخاصة كانت جذابة على نحو خاص لجمهور يعيش تحت وطأة الركود والتضخم والأزمات الاقتصادية.

وغادر نيكو إيران عام 2015، منهيا عمله بصفة خبير استراتيجي بارز في مركز «انديشه سازان نور للدراسات الاستراتيجية»، وهو مركز كان يقدم الاستشارات السياسية للحرس الثوري. أما تركمان فغادر البلاد عام 2010، في حين قال غيبي إنه غادر بعد خضوعه لاستجوابات متكررة بسبب مقابلات أجراها مع وسائل إعلام أجنبية.

وقال تركمان إنه اعتقل داخل إيران باعتباره تهديدا أمنيا، ثم تمكن من مغادرة البلاد بعد وقت قصير من الإفراج عنه. وأضاف الثلاثة أنهم ما زالوا يحتفظون بعلاقات داخل مؤسسات الحكم ويتواصلون باستمرار مع مصادرهم في إيران.

وحددت رويترز أكثر من 60 مؤثرا إيرانيا يروجون لمواقع المقامرة، ويملك نحو نصفهم أكثر من مليون متابع لكل منهم، فيما يتجاوز جمهور ثلاثة منهم عشرة ملايين متابع.

ساشا سبحاني: ترويج القمار من خلال حياة البذخ

يعد ساشا سبحاني، واسمه الحقيقي محمد جواد، من أشهر الوجوه المرتبطة بعالم المقامرة الإلكترونية الإيرانية. وهو نجل سفير إيراني سابق، ويعرف بكثرة الوشوم واهتمامه بالعلامات التجارية الفاخرة.

ويملك نحو 3.7 ملايين متابع على إنستغرام، حيث يروج لأعماله الموسيقية ومواقع القمار في الوقت نفسه. وقال لرويترز إنه لم يعد على اتصال بوالده.

وفي مقطع نشرته صديقته الإسبانية على تيك توك عام 2025، ظهر وهو يهديها سيارة رولز رويس وردية زاهية بمناسبة عيد ميلادها الثامن عشر.

ويتضمن الجزء العلوي من حسابه على إنستغرام رابطا إلى أحد مواقع القمار، تتوسطه عبارة:

«انقر واستمتع»

إلى جانب رموز تعبيرية لحزم من الأموال المجنحة.

كما ينشر سبحاني صورا من فيلته التي تقدر قيمتها بملايين الدولارات في مدريد، وكانت مملوكة في السابق لأحد لاعبي ريال مدريد. وفي أحد مقاطع الفيديو واسعة الانتشار، ظهر وهو يفصل الأوراق النقدية من رزمة أموال ويلقي بها في جناحه الفندقي.

بويان مختاري وصلاته بشخصيات في النظام

أما بويان مختاري، فكان يتمتع بعدد أكبر من المتابعين على إنستغرام قبل إغلاق حسابه في وقت سابق من العام الجاري.

وينشط الآن على شبكة اجتماعية تحمل اسم «وطن»، وهي منصة يغلب عليها المحتوى الفارسي والمرتبط بالمقامرة، ويقول إنه أنشأها بنفسه، إلا أن عدد مستخدميها أقل بكثير من جمهور حسابه السابق.

ولم تتمكن رويترز من معرفة سبب إغلاق حسابه على إنستغرام، كما لم تقدم شركة ميتا، المالكة للمنصة، تفسيرا لذلك.

وكانت منشورات مختاري تجمع بين استعراض السيارات الخارقة والساعات الباهظة ومقاطع الأغاني، وبين محتوى مؤيد للجمهورية الإسلامية.

وأظهرت إحدى الصور لقاءه مع الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، كما انضم أحمد خميني، نجل مؤسس الجمهورية الإسلامية، لفترة وجيزة إلى بث مباشر مشترك شارك فيه مختاري وشخص إيراني آخر.

ونشر مختاري أيضا صورا لسيارته من طراز Koenigsegg Jesko Attack، التي تبلغ قيمتها نحو 3.5 ملايين دولار، مستعرضا تغيير لونها من الذهبي اللامع إلى الوردي الفاتح.

إدانة غيابية وإشعارات من الإنتربول

وبحسب وثائق قضائية إيرانية راجعتها رويترز، تعاون مختاري وسبحاني منذ عام 2020 على الأقل، عندما لاحقتهما السلطات بتهمة إدارة شبكة من مواقع القمار غير القانونية، من بينها abt90 وحضرات (Hazarat).

وكان الاثنان يقيمان خارج إيران، قبل أن تصدر محكمة إيرانية بعد ثلاث سنوات حكما غيابيا بسجنهما لمدة عامين.

كما حكم على سياوش كيوان بور، مؤسس شيلبيت، بالسجن ثلاثة أشهر بتهمة مساعدتهما.

وأصدرت إيران إشعارين أحمرين عبر الإنتربول بحق مختاري وسبحاني، بحسب وثيقة قضائية إيرانية وشخص مطلع على الملف. واعتقل الاثنان في إسبانيا، حيث كانا يقيمان في ذلك الوقت.

وقال مختاري إنه أمضى أكثر من شهر في الحجز، بينما أوضح المصدر المطلع أن الإنتربول ألغى الإشعارين لاحقا بعد اعتراضهما وعدم تقديم السلطات الإيرانية معلومات إضافية تدعم الطلب.

وقال مختاري لرويترز إنه لم يرتكب أي مخالفة، مدعيا أن القمار الإلكتروني لم يكن محظورا بوضوح في القوانين الإيرانية وقت نشاطه.

وأضاف:

«لم يكن هناك في إيران قانون مكتوب بشأن هذا المجال، سواء سمي سوق التوقعات الإلكترونية أو القمار أو أي شيء آخر. لم يكن غير قانوني أساسا

غير أن المادة 705 من قانون العقوبات الإسلامي الإيراني تنص على معاقبة القمار بالسجن لمدة تصل إلى ستة أشهر و74 جلدة، كما عُدلت القوانين عام 2023 لتشمل المراهنات الإلكترونية صراحة.

لكن رضا غيبي قال إن حملات النظام على شبكات القمار لا تهدف، في رأيه، إلى حماية المجتمع أو تطبيق الحظر الديني، بل إلى إزالة المنافسين من السوق التي تسيطر عليها الجهات المرتبطة بالحكم.

وأضاف:

«الأمر لا يتعلق باهتمامهم برفاه الناس، ولا بكون القمار محرما. إنه يتعلق بإقصاء المنافسين

أشار تحقيق رويترز إلى أن وزارة المخابرات الإيرانية أعلنت، في مارس/آذار 2024، تفكيك ما وصفته بـ«شبكة مافيوية كبيرة مقرها لندن» كانت تدير 54 موقعا غير قانوني للمقامرة. وفي ذلك الوقت، وصفت الوزارة شبكة «نيترو بت» (Nitro Bet) بأنها أكبر شبكة قمار تنشط في إيران.

لكن باحثين متخصصين في أمن تكنولوجيا المعلومات والعملات الرقمية، أمضوا أشهرا في تحليل نشاطات تلك المواقع، قالوا إن الشبكة التي يروج لها بويان مختاري وساشا سبحاني، وتضم نحو ألفي موقع إلكتروني تقدم ألعاب الحظ مثل ماكينات القمار والبلاك جاك والروليت، أكبر بكثير من شبكة «نيترو بت»، ويبدو أنها ما تزال مزدهرة وتتوسع.

ولم يتمكن أي من المسؤولين الإيرانيين الحاليين أو السابقين الذين تحدثت إليهم رويترز من توضيح السبب الذي دفع السلطات إلى السماح باستمرار عمل الشبكة التي يروج لها مختاري وسبحاني، في حين لم يعد موقع «نيترو بت» متاحا.

وقال رضا غيبي، المسؤول الحكومي الإيراني السابق، إن الحرس الثوري أنشأ «شبكات وتنظيمات تتغير الوجوه الظاهرة فيها بمرور الوقت»، مضيفا:

«كلما برز شخص ما، كانت استخبارات الحرس الثوري تقف خلفه وتستخدمه للمضي في تنفيذ العمليات

وأظهرت صورة منشورة على إنستغرام في أكتوبر/تشرين الأول 2022 سبحاني ومختاري جالسين معا داخل طائرة خاصة وهما يتناولان وجبات من مطاعم ماكدونالدز، وكتب مختاري تعليقا على الصورة قال فيه: «أخي».

ووفقا للتحقيق، ما زال الرجلان يروجان لمواقع ورد ذكرها في القضية القضائية التي رفعتها السلطات الإيرانية ضدهما.

وأشار سبحاني في بيانه إلى أن الإشعار الأحمر الصادر بحقه عن الإنتربول ألغي، وأن القضية التي كانت منظورة في إسبانيا أغلقت.

وقال:

«أي ادعاء بأنني أتعاون مع السلطات الإيرانية نفسها التي كانت تلاحقني هو ادعاء كاذب تماما

وأضاف أن علاقته بموقع abt90 اقتصرت على نشر إعلانات مدفوعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتابع:

«لم أكن في أي وقت مالكا أو مساهما أو مديرا أو مشرفا أو موظفا أو مشغلا أو صاحب قرار في ABT90 أو في أي منصة مرتبطة به. ولا أعرف كيف تمكنت مثل هذه المواقع من الوصول إلى أنظمة الدفع الإيرانية

ساعات وعملات رقمية

تناول تقرير رويترز كذلك الموقع المسجل بوصفه مكتبا لمنصة «شيلبيت» في دبي، والذي يقع وسط محال صرافة ومبان إدارية، ويمكن الوصول إليه عبر بهو فندق منخفض التكلفة.

ومن هناك، ينقل مصعد مزدحم الزائرين إلى الطابق الرابع، حيث يوجد باب ثقيل مغلق ومزود بجرس وكاميرا مراقبة. وإلى جانب الباب لافتة تحمل اسم:

Velorix Watches Trading LLC

وبحسب سجلات الشركات في دبي، فإن شركة «فيلوريكس» (Velorix) هي نشاط تجاري آخر مسجل باسم سياوش كيوان بور، مؤسس «شيلبيت».

ويقع العنوان المسجل لشيلبيت داخل برج مرتفع يظهر خلف الفندق، وهو مبنى منفصل عنه، لكن الوصول إليه يتم من خلال بهو الفندق.

وتقول شركة فيلوريكس إنها تعمل في تجارة الساعات، إلا أنها تحمل اسم المالك المسجل نفسه والعنوان ذاته الخاص بمنصة شيلبيت. وقال أشخاص داخل المبنى إنهم لم يسمعوا قط باسم منصة العملات الرقمية.

وخلال زيارة أجراها مراسل رويترز في أوائل يوليو/تموز إلى المكتب المكون من ثلاث غرف، شاهد 13 ساعة قديمة ومهترئة، وجهازا لعد الأوراق النقدية، وطاولة.

وقال أحد الموظفين الثلاثة الموجودين في المكان، وكان يرتدي قميصا وحذاء مفتوحا، إنه لم يسمع باسم كيوان بور من قبل.

وسأل موظف آخر المراسل:

«من الذي أرسلك؟»

وقال الموظفون إن الساعات الموجودة في المكتب ليست معروضة للبيع.

أربعة مليارات دولار يشتبه في خضوعها لسيطرة النظام

قال الباحث ريتش ساندرز والشركتان المتخصصتان في أبحاث العملات الرقمية إنهما مقتنعون بأن كامل المبلغ، البالغ 4 مليارات دولار، الذي مر عبر شيلبيت، كان خاضعا لسيطرة الحكومة الإيرانية.

واستندوا في هذا الاستنتاج إلى عدة عوامل، بينها أن شيلبيت تعاملت بصورة مباشرة مع البنك المركزي الإيراني ومؤسسات أخرى خاضعة للعقوبات، ولم يكن لها وجود إلكتروني متاح للجمهور، إضافة إلى ارتباطها بعمليات لتعدين العملات الرقمية.

ووفقا لمحللي العملات الرقمية، عالجت شيلبيت ما لا يقل عن 125 مليون دولار مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني، وكان جزء كبير منها على شكل تحويلات مباشرة.

كما أظهرت بيانات البلوك تشين التي راجعتها رويترز أن شيلبيت تلقت ما لا يقل عن 20 مليون دولار من عملية يشتبه في أنها مرتبطة بتعدين العملات الرقمية في إيران، وذلك عبر محافظ وسيطة استخدمت لإخفاء المصدر الحقيقي للأصول الرقمية.

تعدين العملات الرقمية في إيران

ويعتمد تعدين العملات الرقمية على استخدام أجهزة حاسوب لحل مسائل رياضية معقدة بهدف إنتاج وحدات جديدة من العملات الرقمية، وهو ما يشبه، من الناحية العملية، إصدار أموال جديدة.

وقد شرعت إيران هذا النشاط في عام 2019، وألزمت العاملين فيه بالحصول على تراخيص حكومية.

ويشير التحقيق إلى أن خضوع التعدين لنظام الترخيص الرسمي، إلى جانب تدفق أموال مرتبطة بهذه العمليات إلى شيلبيت وتعامل المنصة المباشر مع البنك المركزي ومؤسسات خاضعة للعقوبات، يعزز الشبهات بشأن استخدام تعدين العملات الرقمية كأداة لإنتاج أصول قابلة للتحويل خارج النظام المصرفي التقليدي، وبالتالي المساعدة في تجاوز القيود والعقوبات المالية الدولية.

أوضح تحقيق رويترز أن تعدين العملات الرقمية أصبح، منذ تقنينه في إيران، أحد الأعمدة الرئيسية التي يعتمد عليها النظام في الالتفاف على العقوبات الغربية، التي قطعت إلى حد كبير وصول البلاد إلى العملات الصعبة والنظام المصرفي العالمي.

وبحسب رسالة وجهها السناتوران الأمريكيان إليزابيث وارن وأنغوس كينغ عام 2024 إلى كبار المسؤولين في إدارة الرئيس جو بايدن، فإن عملات البيتكوين وغيرها من الأصول الرقمية التي يجري إنتاجها داخل إيران تباع من قبل البنك المركزي الإيراني في الأسواق الدولية للعملات المشفرة.

وأظهرت بيانات البلوك تشين التي راجعتها رويترز، إلى جانب تحليلات شركتين متخصصتين في أبحاث العملات الرقمية، أن ما لا يقل عن 676 مليون دولار من الأصول الرقمية تدفقت من عناوين مرتبطة بمنصة «شيلبيت» إلى منصة باينانس منذ مايو/أيار 2024.

ومن هذا المبلغ، جرى تحويل نحو 540 مليون دولار بعد أن فرضت هيئة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA) غرامة على شيلبيت في العام الماضي بسبب تقديم خدمات تداول العملات الرقمية والترويج لها من دون ترخيص.

وقال الباحث المستقل ريتش ساندرز إنه أبلغ باينانس في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بصلات شيلبيت بإيران. إلا أن البيانات التي اطلعت عليها رويترز أظهرت استمرار تدفق الأموال من شيلبيت إلى باينانس حتى بعد ذلك التحذير.

ولم تجب باينانس عن أسئلة الوكالة بشأن الإجراءات التي اتخذتها، إن كانت قد اتخذت أي إجراء، عقب تلقي هذا البلاغ.

وقالت الشركة في بيانها:

«لم تصنف شركة مستقلة متخصصة في تحليل البلوك تشين التدفقات المالية المرتبطة بشيلبيت إلى باينانس باعتبارها عالية المخاطر

ولم تكشف باينانس اسم المؤسسة التي أجرت هذا التقييم، كما قالت إنها لم تتمكن من مطابقة المبلغ الذي جرى تحويله بعد العقوبة التي فرضتها الهيئة التنظيمية في دبي.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عام 2023 غرامة قدرها 4.3 مليارات دولار على باينانس بسبب انتهاكات لقواعد مكافحة غسل الأموال، شملت معالجة معاملات مرتبطة بإيران.

وفي ديسمبر/كانون الأول، حصلت المنصة على تراخيص تنظيمية مهمة في دولة الإمارات لمنصتها الرئيسية للتداول.

اعتقال بويان مختاري في دبي

وفي أواخر مارس/آذار، اعتقلت شرطة دبي بويان مختاري بتهمة تمويل جماعات إيرانية مصنفة إرهابية ومتهمة بتنفيذ أعمال عدائية ضد دولة الإمارات، وفقاً لشخصين مطلعين على تفاصيل اعتقاله.

وقال المصدران إن مختاري بقي محتجزاً لمدة 35 يوماً، قبل أن يُرحل من البلاد، كما صودرت أصول تابعة له، من بينها أرصدة حساباته المصرفية في الإمارات ومنزل تبلغ قيمته نحو خمسة ملايين دولار.

وتحدث مختاري عن اعتقاله في مقابلة أجراها في مطلع مايو/أيار مع مقدم بودكاست إيراني، نافياً الاتهامات ومؤكداً أنه اتهم كذباً بتمويل هجمات ضد الإمارات.

وبعد ترحيله من دبي، تتبعت رويترز تحركاته عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، ووصلت إلى أنه كان يقيم في جناح فندقي تبلغ كلفة الليلة فيه نحو ألفي دولار ويطل على ميناء فيكتوريا في هونغ كونغ.

واشتكى مختاري من تعامل السلطات الإماراتية معه، قائلاً إنها أخذت منه كل شيء. وذكر في أحد منشوراته أنه اعتقل بعد إرساله 150 ألف دولار إلى أصدقاء له داخل إيران.

والتقت رويترز مختاري في الفندق الذي كان يقيم فيه في هونغ كونغ، قبل وقت قصير من مغادرته متوجهاً إلى إيران.

وفي أواخر يونيو/حزيران، أخبر متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه يعتزم المشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني الذي قتل في الحرب.

هوية مستعارة وتأشيرة ذهبية

وكشف مختاري أيضاً أنه كان يعيش في الإمارات تحت هوية مستعارة.

ونشر صورة لما قال إنها تأشيرته الذهبية الإماراتية لمدة عشر سنوات، الصادرة باسم باتريك فيليب، وهوية شخص يحمل جنسية دولة فانواتو الواقعة في جنوب المحيط الهادئ.

وبعد نحو شهرين من الإقامة في هونغ كونغ، بدا أن مختاري يستعد للعودة إلى إيران وإعادة تقديم نفسه بصورة مختلفة أمام الرأي العام.

وقبل سفره، أجرت معه وسائل إعلام إيرانية مقربة من النظام مقابلات ظهر فيها بوصفه شخصاً نادماً ومتديناً، يقرأ القرآن ويؤدي الصلاة يومياً.

وفي 8 يوليو/تموز، نشر من بانكوك صورة شخصية التقطها عند أسفل سلم طائرة متجهة إلى إيران، وكتب:

«إن شاء الله، سأكون في طهران خلال أقل من 24 ساعة. أرجو أن تدعوا لي كي أكون مفيداً ومرفوع الرأس أمام الله تعالى وأبناء هذا الوطن الطيبين

وكانت مراسم تشييع المرشد الإيراني قد انتهت بحلول ذلك الوقت.

ومنذ ذلك الحين، لم ينشر مختاري أي محتوى جديد على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة