اعترافاتٌ من قمة السلطة: جبهةُ داخلية وليس ضغط خارجي ما يهدد بقاء الولي الفقيه
تكشف الاعترافات العلنية الصادرة عن كبار مسؤولي نظام الملالي في طهران أن السلطة ترى في الاضطرابات الداخلية—وليس الضغوط الخارجية—المهدد الأكبر لبقائها واستمرارها، مما يعري الرعب المتنامي داخل أروقة النظام من اندلاع انتفاضة شعبية عارمة جديدة في أنحاء البلاد.
وطالما ركزت التحليلات الدولية لسنوات طويلة على التوترات الجيوسياسية، والمفاوضات النووية، والعقوبات، أو النزاعات الإقليمية؛ إلا أنها غالباً ما تتجاهل الصراع المركزي الحقيقي الذي يحدد ملامح إيران منذ أكثر من أربعة عقود: المواجهة المستمرة بين الشعب الإيراني والديكتاتورية الحاكمة. ويعد هذا التجاهل صارخاً لأن المنظومة الحاكمة نفسها تصنف الشعب الإيراني—وليس الحكومات الأجنبية—باعتباره خصمها الرئيسي والأول، وتأتي التصريحات الأخيرة الصادرة عن كبار قادة السلطة لتقدم لمحة كاشفة عن الهلع الأكبر الذي يعصف بطهران وهو احتمال انفجار انتفاضة وطنية شاملة.
انفجار خلافات بعد سيرك جنازة: انهيار مسودة تفاهم يدفع نظام الولي الفقيه نحو خيارات انتحارية
بمجرد انتهاء مراسم تشييع جثمان الولي الفقيه السابق علي خامنئي، انفتحت مجدداً الجروح الغائرة للأزمات الداخلية وصراعات الأجنحة المتناحرة في عمق النظام حول مصير مسودة التفاهم المعلقة. ويشن تيار متشدد داخل برلمان السلطة هجوماً عنيفاً على رئيسي السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث طالب الملا حميد رسائي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالإنهاء الرسمي والشامل للمسار الدبلوماسي، مما يدفع النظام نحو انسداد سياسي وخيارات انتحارية.
اعترافات علنية بالخوف من الغضب الشعبي
أقر رئيس نظام الملالي نفسه، مسعود بزشكيان، مؤخراً بأن تفاقم الاستياء العام قد يترجم سريعاً إلى احتجاجات حاشدة، قائلاً بصريح العبارة: ما أخشاه هو أن نفشل في خدمة الناس بشكل صحيح، فيصيبهم الاستياء، وينزلون إلى الشوارع للاحتجاج.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية استثنائية لكونها لا تصدر عن قوى المعارضة، بل تأتي من أعلى هرم السلطة التنفيذية في النظام، مما يعكس إدراكاً عميقاً بأن التدهور الاقتصادي الحاد، وتردي مستويات المعيشة، والغليان الشعبي المتصاعد، قد خلقت مجتمعة بيئة خصبة وقابلة للاشتعال في أي لحظة. ولا تقتصر مخاوف المنظومة على التداعيات الاقتصادية وحدها؛ إذ يحذر المحللون السياسيون المرتبطون بالسلطة مراراً من سيناريوهات الاضطرابات الواسعة. وفي هذا الصدد، صرّح المحلل التابع للنظام، فؤاد إيزدي، أن النقاشات حول أعمال الشغب، والاضطرابات، وحتى الانقلاب باتت متوقعة ومطروحة منذ فترة طويلة، مما يوضح مدى تجذر الهواجس الأمنية في الفكر السياسي الرسمي للنظام.
الهوس المركزي بالمقاومة المنظمة
وفي السياق ذاته، يواصل أئمة صلاة الجمعة المعينون من قِبل مكتب الولي الفقيه، إلى جانب بقية الأبواق الدعائية للنظام، توجيه اهتمام مكثف ومرتبك نحو المعارضة المنظمة؛ حيث يكررون اتهام منظمة مجاهدي خلق الإيرانية بلعب الدور المحوري في تحريك وتوجيه الاضطرابات المحلية.
وإن وتيرة تكرار هذه الاتهامات تحمل دلالات سياسية واضحة؛ فبدلاً من تهميش المعارضة أو ترويج عدم فعاليتها، يصر المسؤولون باستمرار على تصوير المقاومة المنظمة كعامل أساسي خلف التظاهرات المناهضة للحكومة. وتكشف هذه الإشارات المتكررة أن طهران ترى في الحراك المنظم تحدياً سياسياً وميدانياً مستداماً يمتلك القدرة على توجيه الأحداث وصياغة المعادلات داخل البلاد.
ظلال الانتفاضات السابقة
يتغذى ذعر المنظومة الحاكمة من تجاربها الميدانية السابقة؛ فقد أثبتت الانتفاضات الوطنية العارمة التي شهدتها إيران في السنوات الأخيرة أن الاحتجاجات تملك القدرة على الانتشار البرقي والسريع عبر المحافظات المختلفة، وتوحيد الشرائح الاجتماعية المتنوعة، والتحول السريع من المطالب المعيشية والاقتصادية إلى تحدٍ سياسي مباشر يطالب بالإسقاط الكامل لبنية النظام.
ورغم أن كل موجة احتجاجية قوبلت بقمع وحشي مفرط وعنف متصاعد، إلا أن أيّاً من هذه الحملات البوليسية لم تنجح في اجتثاث الأسباب العميقة للاحتجاج؛ حيث يواصل الانهيار الاقتصادي، والتضخم الجامح، والبطالة المستشرية، والفساد البنيوي، والقمع السياسي، تغذية الغليان الشعبي الواسع. وضمن هذا المشهد، لا يمكن قراءة تحذيرات المسؤولين من الغضب الشعبي كتعليقات عابرة، بل كدليل على قيادة أمنية وسياسية تترقب بذعر انطلاق شرارة التحرك القادم.
كيف تُفكك تصدعات ما بعد الحرب هيكل النظام الإيراني؟
سارعت طهران إلى ادعاء النصر بعد الحرب بناءً على مغالطة بقاء النظام، غير أن هذا الصمود المزعوم جاء بكلفة تدميرية باهظة تركت بنية السلطة ممزقة بشكل حرج، لا سيما بعد مقتل الولي الفقيه علي خامنئي وتصفية كبار المسؤولين وقادة حرس النظام. وتحول التناحر الفصائلي الداخلي اليوم من صراع تقليدي على النفوذ والحصص إلى معركة وجودية محتدمة حول بقاء النظام نفسه والنهج القادر على حفظ كيان الدولة.
ساحة المعركة الحقيقية:
تؤكد القراءة التحليلية لأدبيات السلطة أن هواجس عدم الاستقرار الداخلي تصيغ وتوجه معظم القرارات الاستراتيجية الكبرى لنظام الملالي؛ ويرى المراقبون أن طهران طالما سعت إلى فبركة الصدامات الخارجية وافتعال التوترات الإقليمية بهدف صرف الأنظار عن الأزمات الداخلية المتفاقمة وتصديرها للخارج؛ فمن خلال تضخيم ‘التهديد الخارجي’، يحاول النظام حشد أنصاره المنهارين وتبرير تشديد القبضة الأمنية وتوسيع نفقات العسكرة في الداخل. ومع ذلك، تثبت الاعترافات العلنية المتكررة للمسؤولين أن هذه المناورات التصديرية عاجزة عن محو الهاجس اللصيق بالقيادة: وهو المواجهة الحتمية والمؤجلة مع شعبها. إن ساحة المعركة الحقيقية والمصيرية لمستقبل إيران لا تحددها الطاولات الدبلوماسية أو الصفقات الدولية، بل تدور رحاها في الشارع الإيراني؛ بين مجتمع يزداد إصراراً على انتزاع التغيير السياسي الجذري، وبين سلطة متآكلة ومذعورة تستميت لحفظ بقائها. ومع تصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، تؤكد كلمات النظام نفسه أن الانتفاضة القادمة لم تعد احتمالاً بعيداً، بل هي التحدي الوجودي الأكبر الذي يهدد بقاء حكم الولي الفقيه.
- بعد دفن خامنئي.. نظام الملالي يواصل آلة الإعدام: 9 سجناء خلال 3 أيام و32 في شيراز منذ أواخر مايو

- إضراب عن الطعام للسجناء السياسيين في 58 سجناً إيرانياً

- اليوم الثاني لإضراب واعتصام 1500 سجين محكوم عليهم بالإعدام في سجن قزلحصار

- السيدة مريم رجوي ترحب بخطوة الحكومة البريطانية لإدراج قوات حرس النظام الإيراني في قائمة الإرهاب

- من شعارات عديمي الشرف إلى رفض الحرب: كيف استعادت الجماهيرُ الإيرانية صوتها بعد مسرحية التشييع؟

- صحيفة «تايم»: مريم رجوي تصف حظر حرس النظام الإيراني بأنه خطوة ضرورية طال انتظارها لحماية الأمن الدولي


