من جلادي الشاه إلى قمع الملالي.. كيف مهدت استخبارات بهلوي الطريق لـ النظام الإيراني؟
لقد كشف الظهور الأخير لرموز السافاك في التجمعات التي نظمها أنصار رضا بهلوي في أوروبا، عن تساؤل جوهري يحيط بمشروعه السياسي؛ فهل تسعى حركته حقاً إلى مستقبل ديمقراطي لإيران، أم أنها تهدف إلى إعادة تأهيل الإرث الاستبدادي لبهلوي؟
وقد أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً بعد أن رفض بهلوي مؤخراً وبشكل قاطع إدانة التعذيب والإعدامات التي نفذتها السافاك، الشرطة السرية سيئة السمعة في عهد الشاه. واليوم، تجاوزت القضية مجرد الصمت المريب لتتحول إلى ترويج علني وصارخ.
ففي تجمع حاشد نظمه أنصار بهلوي في مدينة ريغنسبورغ في العاشر من مايو، أفادت التقارير بأن المنظمين وزعوا قمصاناً تحمل شعار السافاك، تلك المنظمة الاستخباراتية والأمنية التابعة لمحمد رضا شاه، والتي أصبحت مرادفاً للتعذيب والمراقبة والسجن السياسي والقمع العنيف للمعارضة.
لم تكن هذه الرمزية قابلة للبس أو التأويل؛ فالسافاك لا تمثل الفخر الوطني أو الاستقرار أو التقاليد، بل تمثل الصدمات الكهربائية، والأجساد المحطمة، والأظافر المقتلعة، وغرف الاستجواب، وآلاف الحيوات المدمرة.
وبالنسبة لأجيال من الإيرانيين، أصبحت السافاك التجسيد الحي لإرهاب الدولة في ظل النظام الشاه. ولا يمكن فصل الترويج العام لرموزها اليوم عن الطابع السياسي للحركة التي تتسامح مع هذا الترويج، بل وربما تشجعه في الخفاء والعلن.
إن هذا التطبيع المتزايد مع رموز السافاك بين قطاعات من النشطاء الشاهين يكشف عن شيء أعمق بكثير من مجرد الحنين إلى حقبة ما قبل عام 1979. إنه يشير بوضوح إلى الأسس الأيديولوجية للحركة السياسية الفاشية المتصاعدة لرضا بهلوي.
تلك الحركة التي تمجد في كثير من الأحيان السلطة المركزية، وتكرس عبادة الشخصية، وتتبنى خطاباً قومياً متطرفاً، وتدعو إلى قمع المعارضين السياسيين. وبدلاً من النأي بنفسه بوضوح عن آلة الديكتاتورية التي بناها والده، تجنب بهلوي مراراً وتكراراً الإدانة المباشرة لجهاز أمن الشاه وجرائمه المروعة.
وهذا الصمت له دلالات خطيرة؛ فلا يمكن لأي حركة ديمقراطية تسعى إلى الحرية والتعددية وحقوق الإنسان أن تتعامل بضبابية مع منظمة مرتبطة دولياً بالتعذيب والقمع السياسي. إن رفض مواجهة هذا التاريخ الأسود لا يشير إلى سهو غير مقصود، بل إلى عدم رغبة حقيقية في الانفصال عن الأساليب الاستبدادية للماضي.
ويجادل المنتقدون بشكل متزايد بأن المشروع السياسي لرضا بهلوي يبدو أقل اهتماماً ببناء إيران ديمقراطية، وأكثر تركيزاً على استعادة نسخة محدثة من النظام الاستبدادي المركزي لوالده. والمفارقة أن تاريخ السافاك يكشف أيضاً عن حقيقة مزعجة أخرى غالباً ما تتجاهلها السرديات الشاهة.
تلك الحقيقة هي أن أجزاء من آلة الاستخبارات التابعة للشاه ساهمت بشكل مباشر في إنشاء المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الخاصة بـ النظام الإيراني بعد عام 1979. وقد تناول تقرير نشرته بي بي سي الفارسية في عام 2020 دور مسؤولي السافاك في المساعدة على تشكيل البنية الاستخباراتية للنظام الجديد.
ووفقاً للمذكرات والروايات التاريخية المذكورة في التقرير، تعاون كبار شخصيات السافاك مع حكومة ما بعد الثورة فور سقوط النظام الشاه تقريباً. ومن بينهم الجنرال منوشهر هاشمي، رئيس قسم مكافحة التجسس في السافاك، وعلي أكبر فرازيان، المدير العام للقسم الثاني في السافاك.
وقد أفادت التقارير بأن كليهما توصل إلى اتفاقيات مع أعضاء في حكومة مهدي بازركان المؤقتة للمساعدة في تنظيم مؤسسات الاستخبارات والأمن الجديدة لـ النظام الكهنوتي. وفي وقت لاحق، اعترف مسؤولون سابقون، من بينهم إبراهيم يزدي وعباس أمير انتظام وعبد العلي بازركان، بجوانب من هذا التعاون الوثيق.
كانت التداعيات هائلة وكارثية؛ حيث تشير التقارير إلى أن العديد من أفراد السافاك – خاصة من أقسام الاستخبارات الأجنبية والمراقبة ومكافحة التجسس – عادوا للعمل في ظل النظام الجديد. ووفقاً لمذكرات هاشمي نفسه، استأنف ما يقرب من 90 بالمائة من موظفي قسم مكافحة التجسس في السافاك نشاطهم بعد الثورة.
وقد واصلت هذه الشبكات لاحقاً عملها من خلال كيانات مرتبطة بمكتب استخبارات رئيس الوزراء، وصولاً إلى وزارة المخابرات في النظام الحالي. بل إن حسين فردوست، أحد أقرب الشخصيات الاستخباراتية للشاه، قد تعاون على نطاق واسع مع المؤسسة الأمنية للنظام الجديد بعد انهيار الشاهة.
إن هذه الاستمرارية تثبت أن النظام الجديد لم يدمر ببساطة جهاز أمن الشاه، بل إنه ورث أجزاء كبيرة منه، وقام بتكييفها وتوسيعها. لقد نجت بنية القمع من الثورة، وهذا الاستمرار التاريخي يكتسب أهمية بالغة لأنه يفضح ثنائية زائفة غالباً ما يتم الترويج لها في أجزاء من خطاب المعارضة الإيرانية المزعومة.
تلك الثنائية التي تدعي أن الديكتاتورية في إيران بدأت فقط بعد عام 1979؛ فرغم أن النظام الحالي قد أضفى الطابع المؤسسي على القمع على نطاق هائل، إلا أنه لم ينبثق من فراغ. لقد تطورت العديد من هياكله الاستخباراتية وأساليب الاستجواب وعقائده الأمنية من أنظمة تم تطويرها ورعايتها بالفعل في عهد الشاه.
ولهذا السبب، يرفض العديد من الإيرانيين الذين يعارضون الديكتاتورية الحالية أي محاولة لإعادة تأهيل الإرث الاستبدادي لنظام الشاه. إنهم لا يسعون أبداً إلى عودة السافاك تحت علم مختلف أو مسمى جديد، بل ينشدون جمهورية ديمقراطية تقوم على المساءلة، والتعددية السياسية، وحرية التعبير، واحترام حقوق الإنسان.
هذه القيم تتعارض بشكل أساسي وجذري مع تمجيد منظمات الشرطة السرية. وعندما يحتفل أنصار شخصية سياسية علناً بالسافاك ويوزعون رموزها في المدن الأوروبية، فإن صمت تلك الشخصية يصبح ذا مغزى سياسي عميق ومخيف. فالقائد الديمقراطي الحقيقي سيدين التعذيب بشكل لا لبس فيه، ويرفض رمزية الإرهاب السياسي، وينأى بحركته عن المنظمات المرتبطة بالانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان.
وبدلاً من ذلك، فإن ما نشأ حول رضا بهلوي هو ثقافة سياسية تتسامح بشكل متزايد مع الحنين إلى الاستبداد، وتتبنى خطاباً عدائياً تجاه الأصوات المعارضة داخل المعارضة نفسها. وقد أثار هذا الاتجاه قلق العديد من الإيرانيين الذين يخشون من أن استبدال دكتاتورية بأخرى – حتى تحت شعارات علمانية أو قومية – من شأنه أن يعيد إنتاج دورة القمع التي طاردت التاريخ الإيراني الحديث.
إن درس ماضي إيران واضح وساطع كالشمس: الاستبداد لا يصبح مقبولاً لمجرد أنه يغير ملابسه الأيديولوجية. وسواء كان ذلك في ظل نظام الشاه أو ملالي، فإن الأنظمة المبنية على الخوف والرقابة وعبادة الشخصية والقمع الأمني، تحرم الشعب الإيراني في نهاية المطاف من نفس الحق الأساسي؛ وهو الحق في تقرير مستقبله بحرية وكرامة.
- علي صفوي لشبكة OANN الأمريكية: نظام الولي الفقيه يحتضر، والتغيير الديمقراطي في إيران بات حتمياً

- مجاعة وعطش وعزلة رقمية.. طوفان الغضب الشعبي يحاصر ديكتاتورية طهران

- صراع العصابات وعض الأصابع.. كيف تأكل الديكتاتورية أبناءها قبل السقوط؟

- من جلادي الشاه إلى قمع الملالي.. كيف مهدت استخبارات بهلوي الطريق لـ النظام الإيراني؟

- إيران: إعدام تعسفي للسجين السياسي عبد الجليل شه بخش من المواطنين البلوش في زاهدان

- اعتراف رسمي: 35 مليون إيراني يواجهون مشكلة شح المياه.. وطهران في الصدارة


