مجاهدو خلق و61 عاما من «كسر سد الزمن» وصناعة شرف المقاومة الإيرانية
في قراءة تاريخية وسياسية نافذة بمناسبة الذكرى الحادية والستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، يستحضر أحد الرواد الأوائل للمنظمة، مهدي خدائي صفت، مساراً كفاحياً ممتداً جسّد المعنى الحقيقي لـ«كسر سد الزمن» والارتقاء بشرف النضال الوطني الإيراني إلى ذرى تاريخية غير مسبوقة. يربط الكاتب في شهادته الوثائقية بين الانطلاقة التأسيسية التي دشنت قطيعة أيديولوجية وتنظيمية مع أوهام المهادنة، وبين الجيل الثائر اليوم الذي يخوض غمار المواجهة في ساحات إيران وأقبية سجونها. إن هذه المسيرة المتواصلة لم تُسقط فحسب محاولات الفاشية المتسترة بعباءة الدين لاحتواء المجتمع بالترهيب والإعدامات، بل عرت أيضاً الابتذال السياسي للبدائل المصطنعة التابعة لبقايا الديكتاتورية البائدة؛ لتؤكد أن خلاص الشعب من قبضة الولي الفقيه تصنعه تضحيات الطليعة المقاومة المنزرعة في وجدان الأمة.
كسر سد الزمن.. ثورة أيديولوجية نسفت تابوهات المهادنة
يستهل مهدي خدائي صفت تحليله بالعودة إلى أواخر الستينيات (عام 1969/1970)، مسترجعاً عبارة خالدة قرأها في أحد كراسات المنظمة التثقيفية حول تجارب الثورة الفلسطينية—نُسبت إلى الزعيم الراحل ياسر عرفات—تقول: «يتزايد باطراد ووضوح كل يوم أولئك الذين كسروا سد الزمن وتجاوزوا موروث الماضي.. ونحن نقول إنهم تبلور شرف شعبنا الراهن». هذه الكلمات التي حُفرت في وعي الرعيل الأول لم تكن مجرد صياغة حماسية، بل أضحت دستور العمل التأسيسي الذي قامت عليه المنظمة لمواجهة ديكتاتورية الشاه.
ويوضح الكاتب أن جوهر كسر سد الزمن لدى المؤسس محمد حنيف نجاد ورفيقيه سعيد محسن وعلي أصغر بديع زادغان لم يقتصر على تبني خيار الكفاح الثوري في وجه نظام لا يفهم إلا لغة القوة، أو الإصرار الصارم على بناء تنظيم حديدي، بل تجلى بالأساس في ثورة فلسفية وأيديولوجية جذرية؛ حيث أقدم حنيف نجاد بشجاعة تاريخية على تفكيك التمايز الشكلي والسطحي بين المؤمن والملحد، واضعاً الخط الفاصل الحقيقي والعميق بين «المُستغِل والمُستغَل». وبهذا الطرح المتقدم، حطم المؤسس التابوهات السائدة ووجه صفعة فكرية لنهج الاسترخاء والمساومة، منتقداً رموز المعارضة التقليدية المصطنعة وحلقات النقاش البرجوازية بالقول الصريح: «إن هذا النمط من الحياة والمآدب واللقاءات الترفيهية ليس نضالاً إطلاقاً». وقد خُتمت هذه السابقة النضالية بدم المؤسسين في 25 مايو 1972 ، حين رفضوا التضحية بالمبادئ أو المساومة لحماية رقابهم، معلنين أن بذل الدماء الطاهرة هو سر ديمومة الحركة الثورية.
مجاهدي خلق: انتخاب مهناز ميمنت… رسالة الاستمرارية والجاهزية لمرحلة جديدة من المواجهة
تزامنت بداية العام الـ 62 لمسيرة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية مع انتخاب السيدة مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة في تجمع كبير ومتزامن لأعضاء المنظمة في 7 دول أوروبية، في تطور يتجاوز الانتقال الدوري للمسؤولية ليجسد قدرة التنظيم على تجديد قيادته ودخوله مرحلة حاسمة من الصراع لمواجهة نظام الولي الفقيه الغارق في أزماته السياسية والمعيشية والاجتماعية المتفاقمة.
قافلة الفداء وسقوط أسطورة الجلاد في مسالخ التعذيب
لقد فتحت تلك التضحية التأسيسية الباب أمام سلالة متصلة من الأبطال الذين واصلوا تحطيم سدود الخوف ونقل راية الصمود من محطة إلى أخرى:
- في 1 فبراير 1972، سطر أحمد رضائي بدمه أول ملاحم الشهادة ليدشن فصلاً جديداً من التضحية الميدانية.
- في 16 أغسطس 1975، ارتقت فاطمة أميني كأول شهيدة للمنظمة بعد أن قهرت سياط الجلادين وصمدت تحت أقسى صنوف التعذيب، لتسجل نموذجاً ثورياً فاق الموروث الكفاحي السابق.
- وتوالت القوافل متجاوزة طاقة التحمل البشري؛ من صمود سيمين هزبر التي أبكت المحقق من فرط عجز أدواته، إلى حميراء إشراق التي كانت تصدح بنشيد الحرية في أذن جلادها وهي في ذروة التعذيب، إلى كوكبة الشهداء في همدان ومختلف المدن كـمريم بروين، ومجتبى نيكو، ومحسن شمس، وروح الله ناظمي.
- وبلغت الملحمة ذروتها في مواجهة وسائل التعذيب المستحدثة في سجن قزل حصار، من قبيل زنازين القبر والقفص وما عُرف بـالوحدات السكنية، وصولاً إلى ملحمة صيف عام 1988 حين واجه ثلاثون ألف سجين سياسي لجان الموت بجباه مرفوعة؛ مجسدين صرخة يوسف عماد زاده أمام مقاصل الإعدام: «تهمتي أنني مجاهد وأنني أفتخر بذلك.. وكما قال حنيف الكبير، دماؤنا هي شرط حرية الشعب».
وبعد أربعة عقود من تلك المجزرة المروعة، برز جيل جديد من عمق الزنازين ليرفع الراية ذاتها، كما أعلنها أكبر دانشواركار: «الراية التي كانت بيد محمد حنيف نجاد أصبحت اليوم بيدي»، مؤكداً ولادة جيل لا يرهب الموت بل يسخر منه، متسلحاً بفلسفة الشاعر:
«أنتَ لا تعلم أيّ جبلٍ ذاك ——الذي لا يئن تحت وطأة التعذيب والانكسار!
أنتَ لا تعلم أيّ بحرٍ تلك النظرة الواثقة للمحكوم —— حين تحدّق بيقين في عيني حاكمٍ يرتعد ذعراً!
أنتَ لا تعلم أيّ حياةٍ تلك —— حين يهزم الإنسانُ الموت!»
ريادة المرأة ومعارك التحرير.. من «حسن آباد» إلى حصار أشرف
يشير خدائي صفت إلى أن كسر سد الزمن تجاوز جدران المعتقلات ليحدث تحولاً نوعياً في بنية القيادة والاشتباك الميداني؛ حيث تصدرت المرأة الإيرانية صفوف المعركة متجاوزة الصور النمطية التاريخية. وتجلى هذا الحضور في العمليات العسكرية الكبرى (الشمس الساطعة، والثريا، والضياء الخالد)، حيث قادت المناضلات كتائب الاشتباك وسط أطواق النيران، وبرزت القائدة طاهرة طلوع (سارا) التي تحولت بعد استشهادها البطولي على صخور مرتفعات حسن آباد إلى منارة تاريخية أرست معايير جديدة لدور المرأة في الثورات التحررية.
كما امتد هذا الإرث الفدائي عبر ملحمة الصمود الأسطوري لأربعة عشر عاماً في معسكري أشرف وليبرتي؛ حيث واجه المجاهدون الهجمات الصاروخية والدبابات بصدور عارية وإرادات صلبة، وتجسد في الكلمات الأخيرة للشهيدة الشابة صبا هفت برادران وهي تنزف حتى الموت: «سنصمد حتى النهاية»، لتثبت تدفق الروح التأسيسية ذاتها في عروق أجيال لم تعايش العقود الأولى للانطلاقة.
أصالة الفداء في مواجهة ابتذال التيارات المصطنعة
يعقد الكاتب مقارنة سياسية وأخلاقية صارمة تعكس طبيعة الصراع في اللحظة الراهنة: فبينما يرزح الشعب الإيراني تحت وطأة الجوع، والتنكيل، وسياسات التدمير الشامل التي ينفذها نظام الولي الفقيه في آخر محاولاته لإنقاذ سلطته المترنحة؛ تطل في المقابل جماعات فاقدة للجذور مرتبطة عضوياً بتسويق الديكتاتورية السابقة، من قبيل حاشية ابن الشاه الغارقة في الابتذال السياسي، والأخلاقي، والمالي، والتي تقف عاجزة تنتظر قدوم الحرية على أجنحة القاذفات الأجنبية، متوهمة إمكانية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
انتخاب السيدة مهناز ميمنت أمينة عامة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في مطلع عامها الـ 62
انتخب مجاهدو خلق في تجمع حاشد عبر 7 دول السيدة مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة للمنظمة بنيلها أغلبية الأصوات عبر 3 جولات متتالية، تزامناً مع مطلع العام الـ 62 لتأسيس المنظمة. وتمتلك ميمنت مسيرة قيادية ونضالية تمتد لعقود وقدمت والدتها وشقيقيها شهداء في مقارعة الاستبداد، فيما أكدت السيدة مريم رجوي أن هذا الاختيار يجسد الالتزام الثوري والعزم الراسخ على إسقاط نظام الولي الفقيه وتحقيق حرية الشعب الإيراني.
وأمام هذا التردي، يتساءل خدائي صفت: أين يكمن الشرف الحقيقي والرمزية الوطنية الإيرانية الأصيلة؟ أليست في تلك النماذج الاستثنائية التي تضحي بالروح وكل ما تملك من أجل شعبها؟ إنه الخط الذي يجسده اليوم القائد وحيد بني عامريان ورفاقه الخمسة وهم يقفون على حافة المشنقة ليعلنوا ببيان تاريخي من موقع القوة: «لن نساومكم على أرواحنا»، والشهيد مهدي خانكي الذي خطّ عهده قائلاً: «أقسم أن أبقى مجاهداً في هذا الطريق بروح مقاتلة، وأن أموت مجاهداً». إنه العهد الأخلاقي الناصع الذي اختصره وحيد بني عامريان في صرخته الإنسانية: «حرامٌ عليّ حياةٌ يكون ثمنها الدوس على الضمير وتجاهل آلام شعبي».
إن هؤلاء الأبطال، ومعهم أكثر من ألف شاب أعلنوا في 26 مايو 2026 التحاقهم الصريح بنهج المقاومة الرافض للاستبداد والتبعية، هم من يشكلون اليوم النواة الصلبة لـ«وحدات المقاومة» التي تذيق أجهزة النظام الأمرين في مدن إيران وتجسد تبلور شرف هذا الشعب.
إن التشريح التاريخي والفكري الذي قدمه مهدي خدائي صفت لمسيرة ستة عقود من الصمود يبرهن على أن نهر الفداء المتدفق في وجدان المجتمع الإيراني يستعصي على الاحتواء أو التجفيف؛ إذ لم تكن مسيرة مجاهدي خلق مجرد سجل تنظيمي، بل هي المعيار الأخلاقي الحاسم لكرامة وطن يرفض الركوع. واليوم، في وقت يترنح فيه عرش الولي الفقيه تحت ضربات الأزمات الهيكلية وتنامي سخط جيش الجياع المحروم بفعل نهب مافيات النهب المنظم، تتقدم وحدات المقاومة في الميدان لتشعل الأرض تحت أقدام حرس النظام الإيراني وتقود الحراك الشعبي نحو الحسم الثوري. لقد حسم الشعب الإيراني هويته النضالية وبوصلته التاريخية، طاوياً عهود التضليل والنظام الكهنوتي الحاكم في إيران، ورافضاً بحزم أي بدائل وهمية تسعى لإعادة إنتاج الاستبداد البائد، ليؤكد بدم شهدائه ووحدة صفوفه تحت الشعار الإستراتيجي الراسخ: «لا للشاه ولا للولي الفقيه»، أن فجر الخلاص آتٍ لا محالة لإسقاط منظومة الملالي وتشييد صرح جمهورية ديمقراطية، تعددية، ومستقلة، تسود فيها السيادة الوطنية وتُصان فيها حقوق الإنسان وكرامته.
- الاحتجاجات في إيران تزامناً مع قفزة جنونية للدولار إلى 235 ألف تومان

- سنتكوم: إيران عاجزة عن حماية ناقلاتها النفطية

- وحدات المقاومة تكرّم مؤسسي وشهداء مجاهدي خلق في مدن إيرانية

- مؤتمر الجرائم المستمرة ضد الإنسانية: الإعدامات السياسية في إيران وواجب التحرك

- تصدع في قمة الهرم بطهران: حرب الأجنحة تنفجر باتهامات الخيانة والمطالبة بإعدام حسن روحاني

- مجاهدو خلق و61 عاما من «كسر سد الزمن» وصناعة شرف المقاومة الإيرانية


