تعليق تسجيل ثلاثة ملايين طالب في إيران يكشف عمق انهيار تعليمي تحت وطأة فقر وسياسات مدمرة
مع اقتراب انطلاق العام الدراسي الجديد، يواجه قطاع التعليم في إيران أزمة بنيوية غير مسبوقة تهدد بحرمان ملايين الأطفال واليافعين من مقاعد الدراسة؛ حيث تشير التقارير إلى تأخر وتعليق إجراءات تسجيل قرابة ثلاثة ملايين طالب، بالتوازي مع بقاء مئات الآلاف خارج المنظومة التعليمية رسمياً نتيجة تفشي الفقر، وانهيار البنية التحتية المدرسية، وتكرار الإغلاقات القسرية. وفي ظل سياسات نظام الولي الفقيه التي تُهمل التنمية البشرية وتستنزف ثروات البلاد لصالح الترسانة العسكرية وأجهزة حرس النظام الإيراني، تتقلص القدرة المالية للأسر على تحمل تكاليف التدريس أمام موجات الغلاء والتضخم الشهري المتصاعد، مما يدفع أعداداً متزايدة من الطلاب نحو التسرب الدراسي وعمالة الأطفال، واضعاً مستقبل الأجيال الصاعدة أمام كارثة اجتماعية واقتصادية محققة.
تكشف الأرقام الصادرة عن الهيئات الرسمية ومراكز الأبحاث في طهران عن اتساع مخيف في رقعة الحرمان من التعليم؛ إذ تؤكد البيانات تصاعد أعداد الأطفال المتسربين والمحرومين من الدراسة بنسبة تتجاوز 17 في المئة خلال بضع سنوات، ليتخطى إجمالي غير الملتحقين بالتعليم حاجز 900 ألف طفل ويافع بين سن السادسة والثامنة عشرة. ولا يمثل الرقم الصادم المتمثل في عدم استكمال نحو ثلاثة ملايين تلميذ لتسجيلهم مجرد تأخير إداري عابر، بل يشكل جرس إنذار حقيقي يعكس عجز ملايين العائلات عن تدبير الرسوم ومستلزمات الدراسة، ويوثق حالة الشلل العام التي تضرب المنظومة التعليمية بعد سنوات من الإهمال والاضطراب المستمر.
ويقف الفقر الاقتصادي وتآكل المداخيل كدافع رئيسي وراء هذا الانهيار التعليمي؛ حيث أظهرت الدراسات تراجعاً حاداً في حصة التعليم من ميزانية الأسرة الإيرانية، لتهوي من نحو 4.72 في المئة إلى قرابة 1.01 في المئة فقط، بعدما اضطرت غالبية العائلات لتوجيه كامل دخلها المحدود لتأمين الغذاء والمأوى والرعاية الصحية في مواجهة التضخم الشهري المرتفع. وأمام الارتفاع الجنوني في أسعار القرطاسية، والملابس، والمواصلات المدرسية، تلجأ الأسر الفقيرة قسراً إلى إخراج أبنائها وبناتها من المدارس، وخاصة في المراحل الإعدادية والثانوية، والدفع بهم مبكراً نحو سوق العمل الهامشي أو تزويج القاصرات، لتتحول الأزمة الاقتصادية إلى حلقة مفرغة تعيد إنتاج الفقر وتكرسه عبر الأجيال.
وتتجسد المأساة بشكل أعمق في الجغرافيا الإيرانية المحرومة، حيث تكشف خريطة الأمية عن تفاوت طبقي وقومي مقلق؛ إذ تسجل محافظات سيستان وبلوشستان، وكردستان، وأذربيجان الغربية أعلى معدلات للأمية في البلاد بنسب تتراوح بين 17 و20 في المئة، وهي ذات المحافظات التي تعاني من مستويات قياسية من “الفقر المطلق” تجاوزت 51 في المئة في بعض المناطق، مع انخفاض حاد في دخل الأسرة الريفية مقارنة بالمتوسط الوطني. ويعكس هذا التوزيع الجغرافي سياسة التمييز والتهميش الممنهج التي تتبعها سلطة الولي الفقيه بحق الأقاليم والمحافظات الحدودية، وحرمانها من المدارس المؤهلة، ووسائل النقل الآمنة، والكوادر التعليمية الكافية.
ولا تقتصر الأزمة على المتسربين من التعليم، بل تمتد لتضرب جودة التحصيل العلمي لمن بقوا داخل الفصول؛ إذ أدت قرارات الإغلاق المتكررة الناتجة عن أزمات انقطاع الكهرباء، وتلوث الهواء، وظروف النزاعات، إلى شلل في المسار الدراسي وتراجع حاد في المعدلات العامة للامتحانات النهائية التي سجلت متوسطاً متدنياً لا يتجاوز 10 إلى 11 درجة من أصل 20. كما أثبت الاعتماد القسري على التعليم الإلكتروني عدم جدواه في ظل غياب العدالة الرقمية، وحرمان أبناء الطبقات المسحوقة من الأجهزة الذكية وشبكات الإنترنت، فضلاً عن حرمانهم من البيئة المدرسية التي تصقل المهارات الاجتماعية والنفسية للأطفال.
تكمن الجريمة الحقيقية في أن هذا التجريف الممنهج للرأسمال البشري الإيراني يجري بالتوازي مع تبديد المليارات من أموال الشعب على تمويل الأذرع الميليشياوية، وتطوير المنظومات الصاروخية، وتعزيز ميزانيات أجهزة القمع التابعة لحرس النظام الإيراني. إن حرمان جيل كامل من حقه الأساسي في التعليم الحديث والمجاني لا يدمر فقط القدرات العلمية والإنتاجية المستقبلية للبلاد، بل يغذي حالة الغضب والاحتقان لدى ملايين الأسر والشباب، مؤكداً أن كسر منظومة التجهيل والإفقار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإنهاء سلطة الاستبداد واستعادة مقدرات الوطن لبناء مستقبل حر وعادل.
يُثبت تفاقم أزمة التعليم وخروج مئات الآلاف من الأطفال من المدارس في إيران أن نظام الولي الفقيه يضحي بمستقبل الأجيال الصاعدة لتأمين بقائه؛ إذ إن تجويع الأسر وتدمير التعليم لصالح تمويل أجهزة حرس النظام وماكينة القمع يمثلان جريمة استراتيجية بحق الهوية الوطنية والتنمية البشرية. إن اتساع دائرة الحرمان الدراسي وتفاقم عمالة الأطفال يحولان المعاناة اليومية إلى محرك إضافي للغضب الشعبي، مؤكدين أن إنقاذ قطاع التعليم وبناء منظومة علمية وإنسانية لائقة يمران حتماً عبر تفكيك ركائز الاستبداد وإقامة دولة قائمة على العدالة وتكافؤ الفرص.
- إيران على حافة الانفجار.. انهيار اقتصادي وتفكك داخلي وغضب شعبي متصاعد
- الانهيار المعيشي في إيران.. إفلاس النظام يسرّع الانفجار الشعبي
- أكسيوس: توسيع ممر بحري تحت حماية أميركية لنقل النفط عبر مضيق هرمز
- واشنطن إكزامينر: مجزرة 1988 لم تنته.. المشانق ما زالت أداة النظام الإيراني
- اعترافات برلمانية تفضح تسجيل 7 آلاف وفاة بالميثادون في إيران وتكشف مافيات التوزيع غير المرخص
