إيران على حافة الانفجار.. انهيار اقتصادي وتفكك داخلي وغضب شعبي متصاعد
ينزلق نظام طهران بسرعة لافتة من مرحلة الأزمة الاقتصادية المزمنة إلى حالة من التفكك الإداري والتآكل الهيكلي الشامل؛ حيث بات كبار المسؤولين في المنظومة الحاكمة يقرون علناً بفقدان السيطرة على مفاصل الدولة وتصاعد التضخم الشهري. وفي ظل احتدام الصراعات الداخلية والانقسامات الحادة داخل حكومة مسعود بزشكيان، تتزايد تحذيرات أركان السلطة من شبح الانهيار الاجتماعي واندلاع انتفاضات شعبية جديدة، بالتوازي مع خروج تظاهرات وإضرابات عمالية حاشدة وجهت هتافاتها الميدانية بصورة مباشرة ضد نهب وسطوة قوات حرس النظام الإيراني.
تتجسد مظاهر الارتباك والوهن السياسي في الاعترافات المتتالية الصادرة عن قمة الهرم التنفيذي؛ إذ أقر النائب الأول للرئيس، محمد رضا عارف، بأن التضخم والغلاء يمثلان واقعاً خانقاً، محذراً من أن البلاد تعيش مرحلة لا حرب ولا سلم في ظل مخاطر حقيقية تقود إلى تصدع النسيج الاجتماعي وتكرار موجات الانتفاضة الشعبية. ويتزامن هذا التحذير مع شلل إداري يعصف بالفريق الحكومي، تجلى بوضوح في الإقالة الفجائية التي نفذها وزير العمل أحمد ميدري بحق رئيس منظمة الضمان الاجتماعي مصطفى سالاري خلال عطلة رسمية ودون إذن رئاسي مسبق، وهي الخطوة التي أثارت توبيخاً رئاسياً ودعوات نيابية متصاعدة داخل البرلمان لسحب الثقة من الوزير، مما يعري عجز حكومة النظام عن ضبط التنسيق الإداري الأساسي.
ولم تتوقف الانقسامات عند الملفات الإدارية، بل امتدت لتشمل التمرد الداخلي ضد القوانين والتشريعات القمعية؛ حيث انتقدت شخصيات ومسؤولون إعلاميون مقربون من دوائر الحكم، وفي مقدمتهم غلام حسين كرباسجي، مشروع القانون الأمني الجديد الذي يسعى لتجريم التواصل مع وسائل الإعلام الخارجية تحت ذريعة مكافحة النفوذ والتسلل. وأكدت تلك الانتقادات أن الثغرات والاختراقات الأمنية الكبرى تعود إلى الخيانات البشرية والتنصت والخلل التقني داخل الأجهزة ذاتها وليس إلى النشاط الإعلامي، محذرة من أن إغلاق النوافذ لمنع التسريبات سيؤدي في النهاية إلى خنق صوت النظام ذاته وحرمانه من إيصال رسائله.
وعلى صعيد النهب المؤسسي وتآكل الموارد، تلجأ المنظومة الحاكمة إلى سياسات جباية تعتمد على استنزاف المواطنين والقطاعات الإنتاجية عبر فرض ضرائب جائرة تستهدف امتصاص التضخم ذاته؛ حيث سجلت العائدات الضريبية قفزة تجاوزت 140 في المئة على حساب تصفية وإغلاق أكثر من نصف المنشآت الإنتاجية والحرفية التقليدية. وفي المقابل، اعترف النائب التنفيذي للرئيس، جعفر قائم بناه، بارتماء النظام في أحضان شبكات السماسرة والوسطاء السريين لبيع النفط، وهي التجارة المظلمة التي تدر أرباحاً خيالية لصالح مافيات العقوبات والجهات المتنفذة، بينما تحرم الخزينة الوطنية والشعب الإيراني من العائدات الأساسية.
وقد انعكس هذا الانهيار الاقتصادي، الذي سجل فيه التضخم الصناعي قفزة تاريخية بلغت 109 في المئة، على الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. وتكشف البيانات الميدانية عن فجوة هائلة بين الحد الأدنى للأجور ومتطلبات المعيشة، حيث تحتاج الأسرة الحضرية إلى أكثر من 90 مليون تومان شهرياً للبقاء، بينما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور 26 مليون تومان؛ وهو دخل هزيل لا يغطي تكاليف الغذاء لأكثر من 19 يوماً، مما يغرق ملايين العمال والموظفين في مستنقع الفقر المدقع.
وقد تحول هذا الاحتقان المعيشي إلى غضب عمالي وشعبي جارف يستهدف مباشرة مراكز النفوذ التابعة لسلطة الولي الفقيه؛ حيث خرج متقاعدو قطاع الاتصالات في مدينة أصفهان بتظاهرات حاشدة منددين بنهب شركاتهم، ورافعين شعارات صريحة تفضح استيلاء شركات ومؤسسات حرس النظام الإيراني على مقدرات قطاع الاتصالات وإهدار حقوق العاملين. وتزامن ذلك مع إضرابات شاملة نفذها عمال الطاقة في منصات مجمع حقل غاز بارس الجنوبي احتجاجاً على تدني الرواتب وظروف العمل القاسية، واضعين النظام أمام مأزق قاتل بين خياري رفع أسعار الوقود وتحمل انفجار الشارع الفوري، أو مواصلة النزيف المالي الذي يستنزف أجهزته القمعية.
تكشف الانقسامات المتسارعة داخل حكومة طهران وتصاعد الغضب العمالي عن وصول نظام الولي الفقيه إلى طريق مسدود في إدارة أزماته الهيكلية؛ إذ تثبت هتافات الشارع وإضرابات حقول الطاقة أن المجتمع الإيراني بات يُحمّل قوات حرس النظام الإيراني والشبكات المافيوزية الحاكمة المسؤولية المباشرة عن نهب ثرواته وإفقاره. إن حالة الشلل الإداري والخوف من رفع أسعار المحروقات تؤكدان أن المنظومة الحاكمة باتت محاصرة بتبعات فسادها، وأن الشارع الثائر يتأهب لجولة حاسمة من الانتفاضات الشعبية لاقتلاع الاستبداد واستعادة مقدرات الوطن.
- إيران على حافة الانفجار.. انهيار اقتصادي وتفكك داخلي وغضب شعبي متصاعد

- الانهيار المعيشي في إيران.. إفلاس النظام يسرّع الانفجار الشعبي
- رويترز: مخاوف متزايدة لدى قادة إيران من اندلاع احتجاجات واسعة
- تجارة الحجب بمليارات الدولارات.. كيف تحول قمع الإنترنت إلى منجم أرباح لشبكات الفساد في طهران؟
- إيران.. راتب العامل لا يكفي سوى 9 أيام وتضخم الغذاء يتجاوز 128 في المئة
