تجريم توثيق الانتهاكات في إيران يكشف هلع أجهزة القمع ويمهد لموجة بطش واسعة
في خطوة تعكس تصاعد المخاوف الأمنية لدى دوائر الحكم في طهران، صادق برلمان النظام بالأغلبية على الخطوط العريضة لمشروع قانون شامل تحت لافتة مواجهة نفوذ أجهزة الاستخبارات والحكومات الأجنبية، في مسعى تشريعي يهدف إلى توسيع الصلاحيات القمعية للأجهزة الأمنية وتجريم أي تواصل للمواطنين والنشطاء مع العالم الخارجي. ويؤسس هذا القانون لإطلاق يد أجهزة الاستخبارات وحرس النظام الإيراني لفرض رقابة شاملة على الأنشطة المدنية، والأكاديمية، والإعلامية، وتحويل المعارضة السلمية وتوثيق الاحتجاجات إلى جرائم أمنية كبرى، في محاولة يائسة لمحاصرة الغضب الشعبي المتصاعد وعزل المجتمع عن المحيط الدولي.
يمثل مشروع القانون الجديد تحولاً خطيراً في الترسانة القانونية التي تستخدمها سلطة الولي الفقيه لترهيب الداخل؛ إذ لم يعد مفهوم التسلل والنفوذ مقتصراً على المعايير التقليدية لقوانين التجسس ونقل الوثائق والبيانات السرية المصنفة، بل جرى تمديده عمداً ليشمل كافة أشكال النشاط الإعلامي والثقافي والمدني. وتنص بنود المسودة على حظر إجراء أي مقابلات أو المشاركة في نقاشات أو التواصل مع وسائل الإعلام المصنفة حكومياً بأنها معادية، فضلاً عن اشتراط تسجيل وإخضاع أي تواصل مع وسائل الإعلام الخارجية لرقابة مسبقة من وزارة الاستخبارات، تحت طائلة العقوبات الجنائية وأحكام السجن المشددة.
سجناء سياسيون من داخل زنازين طهران: مشنقة الإعدام لم تعد تنقذ نظاماً يتآكل من الداخل
في رسالة جريئة من داخل السجون الإيرانية، أدانت مجموعة من السجناء السياسيين تصعيد النظام للإعدامات كوسيلة يائسة لقمع المعارضة المتزايدة، مؤكدين أن «حرب الإعدام لم تعد علاجاً لداء ولاية الفقيه المتآكلة»، وأن النظام الذي يدرك قرب انهياره يلجأ إلى حملة مكثفة من الإعدامات لترهيب الشعب الغاضب. وأشارت الرسالة إلى تأييد المحكمة العليا لأحكام الإعدام بحق ثلاثة سجناء سياسيين هم بخشان عزيزي وبهروز إحساني ومهدي حسني، إضافة إلى وجود أكثر من 50 سجيناً سياسياً آخرين ينتظرون التنفيذ، مع تأكيد كُتّابها أن هذه الأداة الأخيرة للقمع لم تعد تحقق أهدافها أمام الروح المعنوية العالية لعائلات الضحايا وصمود المحكومين بالإعدام.
وتستهدف النصوص التشريعية بصورة مباشرة تجريم المواطنين العاديين والنشطاء الميدانيين؛ حيث يُجرّم القانون إرسال الصور ومقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية أو أي بيانات توثيقية إلى وسائل إعلام أو منصات خارج البلاد. وترتفع وتيرة العقوبات وأحكام السجن إلى مستويات مضاعفة في حال تصنيف السلطات للظروف بأنها مرحلة أزمة أو اضطرابات، وهو ما يعني عملياً معاقبة أي مواطن يوثق مظاهرات الشارع، أو إضرابات العمال، أو الانتهاكات الميدانية، لمنع خروج الحقيقة إلى الرأي العام العالمي والتعتيم التام على ما يجري في المدن والميادين.
ولا تقف القيود عند حدود العمل الصحفي، بل تمتد لتضع الجامعات والمؤسسات المدنية والمنظمات غير الحكومية في قلب دائرة الاستهداف الأمني؛ إذ تحظر البنود تزويد المؤسسات الخارجية أو الرعايا الأجانب بأي تقارير أو بيانات أو إحصاءات دون تصريح أمني رسمي، حتى لو كانت أبحاثاً علمية أو مهنية غير مصنفة. كما يمنح التشريع وزارة الاستخبارات سلطة حصرية لتحديد الجامعات والمراكز البحثية الدولية المسموح بالتعاون معها، مهدداً بملاحقة الأكاديميين قضائياً، وحل الجمعيات الأهلية، ومصادرة أصولها، وفرض الحرمان من الأنشطة العامة على إداراتها لسنوات طويلة في حال تلقي أي تمويل أو تعاون خارجي.
وعلى الصعيد الفني والتعليمي، يفرض القانون وصاية أمنية مشددة على الإنتاج السينمائي والمسرحي والموسيقي والبرامج الوثائقية والكتب، فضلاً عن ورش العمل والدورات التدريبية المباشرة والرقمية؛ حيث يمنح الأجهزة الأمنية صلاحية إيقاف أي عمل فني أو ملاحقة المشاركين في الدورات بتهم فضفاضة مثل تقديم صورة سلبية عن البلاد أو مخالفة الثقافة السائدة وتقويض الثقة العامة في النظام. وتتيح هذه التوصيفات المبهمة لمحاكم الثورة تفسير أي نقد أو عمل إبداعي كفعل تآمري يستوجب العقاب الرادع.
إن لجوء أركان الحكم في طهران إلى صياغة هذا التشريع الفضفاض، رغم امتلاكها ترسانة واسعة من القوانين العقابية، يكشف عن عمق الأزمة البنيوية وتآكل قدرة النظام على ضبط المجتمع؛ فالسلطة الحاكمة تسعى إلى خلق مظلة قانونية جديدة تبرر حملات الاعتقال العشوائي، وتكميم الأفواه، وفرض حالة طوارئ دائمة تغطي على الإخفاقات الاقتصادية وارتفاع التضخم الشهري وتردي الأوضاع المعيشية. وتؤكد هذه التحركات أن هاجس الولي الفقيه وأجهزته القمعية بات يتمحور حول عزل المجتمع تماماً وقطع شرايين التواصل مع المنظمات الحقوقية الدولية لتسهيل قمع أي انتفاضة شعبية قادمة.
17 إعداماً في أسبوع واحد.. آلة القمع الإيرانية لا تتوقف عن حصد الأرواح
أفادت جمعية حقوق الإنسان الإيرانية (كانون حقوق بشر ايران) بأن الأجهزة القضائية والأمنية للنظام صعّدت خلال أسبوع واحد فقط حملات القمع ضد المواطنين إلى مستويات جديدة، وسط استمرار تنفيذ أحكام الإعدام والاعتقالات الجماعية والعنف داخل السجون وإطلاق النار المباشر على المواطنين، إلى جانب تشديد القيود الاجتماعية والمهنية. وشملت عمليات الإعدام شباناً اعتُقلوا خلال الاحتجاجات، وأشخاصاً كانوا دون سن الثامنة عشرة وقت ارتكاب الجرائم المنسوبة إليهم، فيما طالت موجة الاعتقالات مواطنين أكراداً وبلوشاً وعرباً وبهائيين.
تكشف مساعي تمرير قانون مكافحة النفوذ في طهران عن رعب متجذر لدى نظام الولي الفقيه من قوة الحقيقة وتوثيق الشارع لجرائمه؛ إذ تحاول المنظومة الحاكمة تحويل البلاد إلى زنزانة معزولة عبر تجريم الصحافة الحرة والتعاون العلمي وحرية التعبير. إن تحويل توثيق الاحتجاجات والتواصل مع العالم إلى جرائم أمنية يؤكد إفلاس النظام وفشله في إخماد صوت المجتمع، مما يضع الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان أمام مسؤولية عاجلة لفضح هذا التغول التشريعي ودعم حق الشعب الإيراني في التعبير ومقاومة الاستبداد.
- إضراب السجناء السياسيين عن الطعام في 60 سجناً في الأسبوع الـ 134 لحملة ثلاثاءات لا للإعدام
- تجريم توثيق الانتهاكات في إيران يكشف هلع أجهزة القمع ويمهد لموجة بطش واسعة

- المشانق لن تخمد الثورة: إصرار الشارع الإيراني على الحرية يسقط فاعلية ترهيب أمني
- شمس حركة المقاضاة تسطع في سماء إيران
- إعدام سجين الانتفاضة شهرام صادقي على يد جلادي نظام الملالي في كرج
- إيران.. النظام الإيراني يعدم شهرام صادقي أحد معتقلي انتفاضة كرج
