الفقر يتصاعد في إيران وسط انهيار اقتصادي يطال نصف السكان
يدفع التضخم المتسارع وتآكل القدرة الشرائية والاختلالات الاقتصادية البنيوية نحو نصف سكان إيران إلى دائرة الفقر، في وقت بات فيه حتى العاملون بدوام كامل عاجزين عن تغطية نفقاتهم الأساسية. فبعد أن كان الفقر مقتصراً على العاطلين عن العمل والفئات المهمشة، أصبح اليوم واقعاً يومياً لملايين الأسر العاملة التي لا تكفيها وظيفة واحدة، بل حتى وظيفتان أو ثلاث، لتأمين لقمة العيش. ومن سائقي تطبيقات النقل الذين يمضون ساعات إضافية بعد دوامهم الرسمي، إلى الأسر الريفية التي تصارع الجفاف وانهيار الدخل الزراعي، تحوّل التدهور الاقتصادي إلى أزمة وطنية شاملة تطال المدن والأرياف على حد سواء.
تعدد الوظائف لم يعد يضمن الأمان المالي
من أبرز مؤشرات تفاقم الأزمة الاقتصادية الانفجار في أعداد من يعملون في وظيفة ثانية أو ثالثة. فبحسب بيانات رسمية، بلغ عدد السائقين المسجلين في منصة سنپ أكثر من 8.5 ملايين سائق بحلول مطلع تموز/يوليو 2026، بينما سجّلت منصة تبسی نحو 1.4 مليون سائق، ليصل مجموع المسجلين في المنصتين إلى ما يقارب 10 ملايين شخص. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 86 بالمئة منهم يستخدمون هذا العمل كمصدر دخل ثانٍ أو حتى ثالث، ما يعكس واقعاً مؤلماً يضطر فيه ملايين العاملين بدوام كامل إلى العمل ساعات إضافية لتعويض تراجع قدرتهم الشرائية.
التضخم يواصل التهام دخل الأسر
تبقى أزمة التضخم المزمنة المحرك الرئيسي لاتساع رقعة الفقر. فبحسب بيانات البنك المركزي الإيراني، بلغ معدل التضخم السنوي 61.4 بالمئة في تموز/يوليو 2026، فيما قفز التضخم على أساس سنوي إلى نحو 84 بالمئة. وقد أدت هذه الزيادات المستمرة في الأسعار إلى تآكل الأجور والمدخرات، تاركةً الأسر عاجزة بشكل متزايد عن تلبية احتياجاتها الأساسية، لا سيما مع الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية التي تستحوذ على الحصة الأكبر من ميزانيات الأسر محدودة الدخل.
الفقر يقترب من نصف السكان
ترسم تقديرات مركز أبحاث البرلمان الإيراني صورة مقلقة: بلغت نسبة الفقر المطلق نحو 15 بالمئة عام 2006، وارتفعت إلى نحو 30 بالمئة بحلول 2021، ومن المتوقع أن تصل إلى 41 بالمئة في 2026، على أن تبلغ 45.5 بالمئة بحلول 2028 إذا استمرت الاتجاهات الحالية، أي أن واحداً من كل إيرانيَّين تقريباً قد يعجز قريباً عن تغطية الحد الأدنى من نفقات المعيشة. كما تشير بيانات المركز الإحصائي الإيراني إلى أن ستّة من أصل عشرة شرائح دخل في البلاد باتت تعيش دون خط الفقر، فيما تبقى الشريحتان الأكثر ثراءً فقط فوق هذا الخط بوضوح.
الريف الإيراني يواجه أزمة أعمق
بينما يتوسع الفقر الحضري، تبدو الأوضاع في الأرياف أشد قسوة. إذ يتوقع مركز أبحاث البرلمان أن يعيش أكثر من نصف سكان الريف تحت خط الفقر بحلول 2028، فيما قدّر البنك الدولي أن نحو 52 بالمئة من سكان الريف يعيشون بالفعل في فقر مطلق، مع تسارع وتيرة التدهور بفعل التغير البيئي وتراجع الإنتاجية الزراعية. وقد أدت سنوات من الجفاف وشح المياه وهبوط الأراضي إلى إلحاق ضرر بالغ بالإنتاج الزراعي. وفي الوقت ذاته، يواجه سكان الريف تضخماً غذائياً أعلى بكثير من نظرائهم في المدن، إذ بلغ التضخم الشهري لأسعار الغذاء نحو 108 بالمئة في الأرياف، مقابل 85 إلى 90 بالمئة في المدن.
كلفة المعيشة الأساسية في ارتفاع مستمر
أصبح الغذاء والسكن أكبر عبأين ماليين على الأسر الإيرانية. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن متوسط استهلاك السعرات الحرارية اليومي تراجع من نحو 2431 سعرة للفرد عام 2017 إلى 2182 سعرة عام 2021، ما يدل على أن أسراً كثيرة تخفّض استهلاكها الغذائي بدلاً من تحمّل الأسعار المرتفعة. كذلك ارتفعت كلفة السكن بشكل حاد، خصوصاً في المدن الكبرى، ما اضطر الأسر إلى خفض إنفاقها على التعليم والصحة والترفيه، وهو ما يحذر خبراء اقتصاديون من أنه قد يكرّس دائرة فقر متوارثة بين الأجيال.
ملايين يعتمدون على مساعدات الحكومة
يعكس اتساع رقعة الفقر أيضاً تزايد عدد المعتمدين على برامج الرعاية الحكومية؛ إذ تقدّم منظمة الرعاية الإيرانية مساعدات لنحو 8 ملايين شخص، أي نحو 9 بالمئة من السكان، فيما تدعم لجنة إمداد خميني نحو 5.2 ملايين فرد ضمن أكثر من 2.5 مليون أسرة. ورغم الزيادة المستمرة في موازنات الدعم الاجتماعي، ظل التضخم يتفوق باستمرار على هذه البرامج، ما أضعف فاعليتها.
طبقة الفقراء العاملين في تنامٍ مستمر
ربما يكون أبرز تحوّل في المشهد الاجتماعي الإيراني هو بروز طبقة واسعة من الفقراء العاملين، وهم أشخاص يعملون بدوام كامل، وغالباً ما يضيفون إليه وظائف أخرى كقيادة سيارات الأجرة عبر التطبيقات، لكنهم يبقون عاجزين عن الخروج من دائرة الفقر، ما يثبت أن التوظيف وحده لم يعد يضمن الأمان الاقتصادي.
مشكلات بنيوية تغذي الأزمة
يعزو اقتصاديون تفاقم الفقر إلى مزيج من الاختلالات البنيوية طويلة الأمد، أبرزها التضخم المزمن وتراجع الاستثمار والعقوبات الدولية وضعف الإدارة الاقتصادية والأزمات البيئية. كما أضافت التوترات العسكرية الأخيرة ضغوطاً إضافية عبر زيادة حالة عدم اليقين وتثبيط الاستثمار وإرهاق المالية العامة واحتياطيات العملة الأجنبية.
تحوّل الفقر في إيران إلى أزمة وطنية شاملة لم تعد تفرّق بين المدينة والريف أو العامل والعاطل عن العمل. فمع تسارع الهجرة من الأرياف إلى أطراف المدن الكبرى، ينتقل الفقر ولا يُحل، ما يغذي نمو السكن العشوائي وتراجع الإنتاجية وازدياد الضغط على الخدمات العامة، وسط تحذيرات من تصاعد الأزمة أكثر ما لم تُجرَ إصلاحات جذرية.
- الفقر يتصاعد في إيران وسط انهيار اقتصادي يطال نصف السكان

- مؤشر البؤس في إيران يرتفع إلى 96%… و19 محافظة تتجاوز حاجز 100%
- تسريبات تكشف صراع نفوذ داخل النظام في إيران
- هدرٌ يلتهم مليارات الدولارات من الغاز الطبيعي في إيران
- رويترز: تجميد حسابات شركة النفط الوطنية الإيرانية بسبب ديون متراكمة
- إيران تغلي.. فواتير الكهرباء تقفز 300% والسكن يبتلع دخول الأسر
