تقرير تحليلي عن الوضع الاقتصادي والمعيشي في إيران
مقدمة
لا يمكن تقييم الوضع الاقتصادي في البلاد من خلال دراسة مؤشر واحد فقط، مثل سعر الصرف أو معدل التضخم وللوصول إلى صورة واقعية، ينبغي تحليل مجموعة من المؤشرات الأساسية بصورة متزامنة، تشمل قيمة العملة الوطنية، والتضخم، والأجور، وخط الفقر، وأوضاع سوق العمل.
وتظهر دراسة هذه المؤشرات أنه رغم ارتفاع بعض المتغيرات الاسمية، مثل الأجور، فإن شريحة واسعة من المجتمع لا تزال تواجه تراجعاً في القدرة الشرائية وضغوطاً معيشية متزايدة.
1- سعر الصرف وتراجع قيمة العملة الوطنية
تعد قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية من أهم المؤشرات المستخدمة لقياس الوضع الاقتصادي.
وتظهر بيانات السوق الحرة للعملات أن سعر الدولار ارتفع من نحو 188 ألف تومان في مايو/أيار 2026 إلى نحو 193 ألف تومان في أغسطس/آب 2026، أي بزيادة تقارب 2 في المائة. وبالمقابل، تراجعت قيمة الريال أمام الدولار بالنسبة نفسها تقريباً.
ورغم أن هذا الارتفاع يبدو محدوداً نسبياً خلال الأشهر الأخيرة، فإنه لا ينبغي إغفال أن الجزء الأكبر من الضغوط الاقتصادية الحالية يعود إلى التراجع التراكمي في قيمة العملة الوطنية خلال السنوات الماضية.
وقد أدى انخفاض قيمة الريال إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وزيادة تكاليف الإنتاج، وتصاعد التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
2- الأجور: زيادة اسمية في مواجهة الواقع المعيشي
رفع المجلس الأعلى للعمل الحد الأدنى لأجور العمال خلال العام الجاري بنحو 60 في المائة مقارنة بالعام السابق.
وارتفع الحد الأدنى للأجر الأساسي الشهري من نحو 10.4 ملايين تومان إلى أكثر من 16.6 مليون تومان، فيما وصل إجمالي دخل عدد كبير من العمال الذين يتقاضون الحد الأدنى للأجور إلى ما بين 22 و25 مليون تومان شهرياً.
ويبدو هذا الارتفاع كبيراً للوهلة الأولى، إلا أن مقارنته ببقية المؤشرات الاقتصادية تقدم صورة مختلفة.
ففي علم الاقتصاد، لا يقاس مستوى رفاه الأسرة بـ«الأجر الاسمي»، بل بـ«الأجر الحقيقي». وبعبارة أخرى، لا تكمن المسألة في مقدار ارتفاع الدخل، بل في حجم السلع والخدمات التي يستطيع هذا الدخل تغطيتها.
3- التضخم: العامل الأبرز في إضعاف القدرة الشرائية
وفقاً لبيانات البنك الدولي المستندة إلى إحصاءات صندوق النقد الدولي، قدر معدل التضخم في إيران خلال عام 2025 بنحو 42.2 في المائة.
كما قدر صندوق النقد الدولي، في تقييماته، معدل التضخم في إيران بأكثر من 40 في المائة.
ويعد هذا المستوى من التضخم مرتفعاً جداً مقارنة بالمعايير العالمية. ففي وقت يقل فيه معدل التضخم السنوي في عدد كبير من اقتصادات العالم عن 5 في المائة، يؤدي استمرار التضخم عند مستوى يتجاوز 40 في المائة إلى عجز زيادات الرواتب والأجور عن تعويض التراجع المتراكم في القدرة الشرائية خلال السنوات الماضية.
ويقع العبء الأكبر لهذا التضخم على الأسر التي تعتمد على الرواتب، والمتقاعدين، والشرائح ذات الدخل المنخفض.
4- خط الفقر والفجوة المعيشية للأسر
رغم عدم نشر رقم رسمي موحد ومحدد لخط الفقر، تشير تقديرات اقتصادية مستقلة إلى أن الحد الأدنى لتكاليف المعيشة لأسرة مكونة من أربعة أفراد خلال عام 1405 الإيراني يفوق بصورة ملحوظة مستوى دخل أصحاب الحد الأدنى للأجور.
ووفقاً لهذه التقديرات:
يقدر خط الفقر في المدن المتوسطة في البلاد بما بين 35 و45 مليون تومان شهرياً، فيما يقدر في طهران بما بين 50 و60 مليون تومان شهرياً.
وفي المقابل، يتراوح الحد الأدنى لدخل عدد كبير من العمال بين 22 و25 مليون تومان شهرياً.
وتظهر هذه الأرقام وجود فجوة كبيرة بين الدخل وتكاليف المعيشة الأساسية، ما يعني أن شريحة واسعة من الأسر التي تعتمد على الأجور تواجه صعوبات جدية في تأمين احتياجاتها الأساسية.
5- إلى أي مدى يغطي الحد الأدنى للأجور تكاليف المعيشة؟
لفهم الواقع المعيشي بصورة أوضح، يمكن مقارنة دخل أصحاب الحد الأدنى للأجور بخط الفقر.
فإذا كان دخل الأسرة الشهري يبلغ 22 مليون تومان، بينما يقدر خط الفقر بنحو 40 مليون تومان، فإن هذا الدخل لا يغطي سوى نحو 55 في المائة من الحد الأدنى لتكاليف المعيشة. وبعبارة أخرى، فإن راتب شهر كامل يكفي لتغطية نفقات ما بين 16 و17 يوماً فقط.
أما في طهران، فإذا اعتُمد خط الفقر عند مستوى 60 مليون تومان، فإن الدخل نفسه لا يغطي سوى نحو 37 في المائة من النفقات الأساسية، أي ما يعادل تكاليف نحو 11 يوماً فقط من الشهر.
وحتى في حال بلغ دخل الأسرة 25 مليون تومان شهرياً، فإنه لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة في العديد من مناطق البلاد، إذ لا يؤمن سوى احتياجات تتراوح بين 11 و19 يوماً من متطلبات الشهر.
وتوضح هذه المقارنة أن المشكلة الأساسية التي تواجه الأسر لا تتمثل في مستوى الأجور فحسب، بل في الفجوة المتزايدة بين الدخل الحقيقي وتكاليف المعيشة.
6- البطالة… بين الأرقام الرسمية وواقع سوق العمل
وفقاً لتقديرات البنك الدولي، بلغ معدل البطالة في إيران خلال عام 2025 نحو 8.3 في المائة، فيما توقع صندوق النقد الدولي أن يصل إلى نحو 9.5 في المائة.
وباحتساب حجم القوة العاملة في البلاد، فإن هذه النسب تعادل ما بين 2.5 و3 ملايين عاطل عن العمل.
ومع ذلك، يرى العديد من الخبراء أن هذه المؤشرات لا تعكس الصورة الكاملة لسوق العمل، إذ إن المعايير الدولية تعتبر الشخص الذي يعمل ساعة واحدة فقط في الأسبوع ضمن فئة العاملين. كما أن الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن عمل أو الذين يعانون من البطالة المقنعة والعمل الجزئي القسري لا ينعكس وضعهم بصورة كاملة في معدلات البطالة الرسمية.
وانطلاقاً من ذلك، يعتقد عدد من المحللين الاقتصاديين أنه إذا أُخذت البطالة المقنعة، والعمل الناقص، والأشخاص الذين خرجوا من سوق العمل بعين الاعتبار، فإن العدد الحقيقي لمن يعانون من البطالة أو نقص فرص العمل قد يتراوح بين 5 و8 ملايين شخص، أي ما يعادل نحو 15 إلى 25 في المائة من إجمالي القوة العاملة في البلاد.
الخلاصة
يُظهر التحليل المتزامن لمؤشرات سعر الصرف، والتضخم، والأجور، وخط الفقر، والبطالة أن الاقتصاد الإيراني ما زال يواجه تحديات معيشية كبيرة خلال عام 2026.
وأبرز النتائج التي تكشفها هذه المؤشرات هي:
- ارتفع سعر الدولار خلال الأشهر الثلاثة الماضية بنحو 2 في المائة، فيما تراجعت قيمة الريال بالنسبة نفسها.
- ارتفع الحد الأدنى للأجور بنحو 60 في المائة، إلا أن جانباً كبيراً من هذه الزيادة استُهلك في تعويض آثار التضخم.
- لا يزال معدل التضخم السنوي يتجاوز 40 في المائة.
- يقدَّر خط الفقر لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد بما بين 35 و60 مليون تومان شهرياً، وهو أعلى بكثير من دخل أصحاب الحد الأدنى للأجور.
- لا يغطي الحد الأدنى الحالي للأجور سوى نفقات ما بين 11 و19 يوماً من احتياجات أسرة مكوّنة من أربعة أفراد.
- يتراوح معدل البطالة الرسمي بين 8 و10 في المائة، إلا أن الحجم الحقيقي للمشكلة قد يكون أكبر بكثير إذا أُخذت البطالة المقنعة والعمل الناقص بعين الاعتبار.
وفي المجمل، ورغم الارتفاع الاسمي في بعض المؤشرات، وعلى رأسها الأجور، فإن استمرار التضخم المرتفع، واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، وضعف سوق العمل، تؤشر جميعها إلى أن الضغوط المعيشية على شريحة واسعة من الأسر الإيرانية لا تزال قائمة.
- تقرير تحليلي عن الوضع الاقتصادي والمعيشي في إيران

- إيران: تكلفة سلة المعيشة ترتفع 25% وتضخم الغذاء يتجاوز 100%
- نائب برلماني إيراني: فضيحة الـ94 مليار يورو لدى الوسطاء الماليين تفوح منها رائحة الفساد
- انهيارُ منظومة الضمان واتساعُ القروض الطبية: الرعايةُ الصحيةُ تتحولُ إلى رفاهيةٍ غائبة
- اقتصادي إيراني يحذر: الأوضاع الاقتصادية «بالغة السوء» وارتفاع سعر الصرف قد يدفع البلاد نحو التضخم المفرط
