جنازةُ خامنئي المليارية: استعراضُ مستفزّ يعري العزلة الداخلية والدولية للنظام
شكلت جنازة الولي الفقيه السابق، علي خامنئي، حدثاً جرى تصميمه لتحقيق أهداف تتجاوز بكثير مجرد وداع زعيم النظام؛ إذ جرى التخطيط لها كاستعراض جرى تنظيمه بدقة لإظهار المشروعية السياسية، والاستمرارية المؤسسية، والأهمية الدولية في واحدة من أكثر اللحظات هشاشة في تاريخ الاستبداد الملالي.
وامتدت المراسم من طهران إلى قم ومشهد، بل ودخلت حتى العتبات في النجف وكربلاء، لتمثل واحدة من أضخم حملات التعبئة التي نظمتها الدولة منذ تأسيس النظام. وبينما زعم المسؤولون مشاركة عشرات الملايين وتوجيه الدعوات لمئات الوفود الأجنبية، ظهرت صورة مغايرة تماماً بعد انقشاع غبار السيرك الحكومي؛ إذ برزت خلف المشهد الاستعراضي تساؤلات حادة حول الأعباء المالية الخيالية المفروضة على بلد مدمر جراء الحرب والانهيار الاقتصادي، بالتزامن مع ردود فعل باهتة ومحدودة من الشركاء الاستراتيجيين لطهران في الخارج ومن قطاعات واسعة من أبناء الشعب الإيراني في الداخل. وبدلاً من إظهار القوة المطلقة، سلّط التشييع الضوء على نقاط الضعف القاتلة التي سعى النظام لإخفائها.
إعلام النظام يعترف: جنازة خامنئي كشفت أزمة النظام وعزلته داخليًا وخارجيًا
اعترف موقع «رويداد 24» المقرب من النظام الإيراني بفشل مراسم تشييع الولي الفقيه علي خامنئي في تحقيق الأهداف السياسية والإعلامية المنشودة، مؤكداً أنها تحولت إلى اختبار حقيقي كشف عن أزمة النظام وعزلته داخلياً وخارجياً بدلاً من استعراض التماسك والقوة. وأشار التقرير إلى فرض إجراءات أمنية مشددة في طهران وإسناد إدارة الأمن لقوات الحرس، مما يعكس حجم المخاوف الأمنية العميقة التي أحاطت بالمراسم.
جنازة لضمان البقاء السياسي واستعراض السيادة
لم يبذل كبار مسؤولي النظام جهداً لإخفاء الأهداف السياسية الكامنة وراء هذه المراسم؛ حيث أعلن رئيس البرلمان الأسبق، غلام علي حداد عادل، أن 32 مليون “موالٍ” قد سجلوا أسماءهم للمشاركة، محاولاً تقديم الحدث كدليل على الولاء المطلق لنظام الولي الفقيه. وبذلك تحولت الجنازة من طقس ديني إلى إنتاج سياسي موجه للداخل والخارج على حد سواء.
وجرى تفعيل كافة أدوات الدولة لخدمة هذا الهدف؛ فأُعلنت العطلات الرسمية الشاملة على مستوى البلاد، وعملت شبكات النقل على مدار الساعة دون مقابل، وخصصت وسائل الإعلام الحكومية بثاً متواصلاً وموجهاً للمراسم، وتولت الأجهزة الأمنية التنسيق الميداني عبر المدن لتعزيز صورة المشروعية الدولية. وكانت الرسالة المستهدفة واضحة: برغم الحرب، وانتقال القيادة، والاضطراب المتزايد، فإن النظام يريد تصوير نفسه كبنية متحدة، وشعبية، وممسكة بزمام الأمور بالكامل.
من تحمّل كلفة الاستعراض الملياري؟
في وقت فرض فيه النظام تعتيماً كاملاً على الحسابات الرسمية لتكاليف الجنازة، فإن النطاق اللوجستي الضخم يشير إلى عمليات استهلكت موارد عامة هائلة، جرى تمويلها عبر عدة قنوات رئيسية:
- الأموال والخزينة العامة: تحملت الدولة مباشرة الكلفة الأكبر؛ وشمل ذلك العطلات الرسمية التي شلت الحركة الاقتصادية، وتشغيل المترو والحافلات مجاناً على مدار الساعة، ونشر ما يقرب من 150 ألفاً من قوات الشرطة والأجهزة الأمنية، فضلاً عن نفقات الإقامة والإطعام لآلاف الحشود المستقدمة من المحافظات ومن دول الجوار. وجاءت هذه النفقات من الإيرادات العامة في وقت تتذرع فيه الحكومة بعجز الميزانية لتبرير تقليص الإنفاق الاجتماعي.
- المؤسسات الخاضعة للسيطرة المباشرة : لعبت الشبكة الواسعة من المؤسسات الدينية والاقتصادية العاملة تحت سلطة الولي الفقيه دوراً مالياً مركزياً؛ وهي كتل مالية ضخمة تعمل دون أي شفافية أو رقابة عامة مستقلة، وجرى الاعتماد عليها بالكامل لتمويل هذه البنية التحتية الغامضة للتشييع.
- التعبئة القسرية للموارد: أكدت تقارير عديدة تعرض موظفي الحكومات، والشركات، والمؤسسات التعليمية، والفنادق لضغوط شديدة لتقديم خدمات أو منشأات مجانية، حيث جرى تحويل المدارس والمساجد إلى مراكز إيواء مؤقتة، مما يلغي التمييز بين المشاركة الطوعية والإجبار الصارم.
ثمن الرموز الأيديولوجية في ظل الانهيار
توضح الأبعاد اللوجستية وحدها الحجم الخيالي للعملية؛ حيث شارك فيها نحو 150 ألف كادر أمني، ووُفرت مئات الآلاف من الخيام والمرافق الإغاثية، وجرى نقل جثمان خامنئي عبر مدن وعتبات متعددة شملت مواقع خارج إيران. وإلى جانب هذه النفقات المباشرة، تضمنت الكلفة الاقتصادية الأوسع شللاً تجارياً وخسائر إنتاجية فادحة جراء الإغلاقات الشاملة.
مفارقة الإنفاق الباذخ:
“قدرت وسائل إعلام ومحللون التكلفة الإجمالية بمليارات الدولارات؛ وبينما لا يمكن تأكيد رقم دقيق بغياب التدقيق المستقل، فلا شك أن الجنازة تصنف كأحد أكثر الاحتفالات الحكومية تكلفة وبهرجة في تاريخ النظام. وجاء هذا الإنفاق الاستفزازي بعد أسابيع قليلة من حرب مدمرة، وفي ظل تضخم جامح، وبطالة مستشرية، وبنية تحتية محطمة، واقتصاد تعيش فيه الأغلبية الساحقة من الإيرانيين عند خط الفقر أو دونه، مما جعل التناقض الصارخ محط انتقاد شعبي لا يمكن تجاهله.”
صراع سلطة متعمق في إيران يؤشر على نظام في طور أفول
يسلط التقرير الضوء على الصراع الاحتدامي المتصاعد علناً بين الأجنحة المتنافسة داخل النظام الإيراني، مبرزاً الأزمة الهيكلية العميقة بالتزامن مع تزايد الاستياء الشعبي وتفاقم الضائقة الاقتصادية. ومع اهتزاز نموذج التوازن الذي كان يقوده الولي الفقيه سابقاً، تتبادل الفصائل الراديكالية والمحافظة اتهامات الخيانة والتآمر علناً، مما يضع النظام في واحدة من أخطر فتراته السياسية التي تؤشر على تفكك المنظومة وأفولها.
الرد الدولي.. رسالة باردة صدمت طهران
إذا كان الهدف من الجنازة هو إظهار النفوذ الإقليمي والدولي، فإن مستوى تمثيل الوفود الأجنبية قدّم صورة باهتة ومخيبة لآمال طهران؛ إذ أقرت حتى وسائل الإعلام التابعة للنظام بهذا الإخفاق الملموس. حيث أشارت منصة “رويداد 24” المحسوبة على النظام، في مقال حمل عنوان “دبلوماسية خافتة والرسالة الباردة للشركاء الاستراتيجيين”، إلى أنه من بين دول الجوار الخمس عشرة لإيران، لم يرسل سوى باكستان وأرمينيا والعراق أعلى مسؤوليهم التنفيذيين.
وكان موقف الشركاء الاستراتيجيين الرئيسيين لطهران أكثر صدمة؛ إذ اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عدم الحضور، مرسلاً الرئيس الأسبق ديمتري ميدفيديف بدلاً منه، في حين قصرت الصين تمثيلها على نائب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب بدلاً من إرسال مسؤول رفيع من مجلس الوزراء، وامتنعت الهند كذلك عن إرسال وزير خارجيتها. وخلصت المنصة الحكومية إلى أن هذه القوى قدمت في نهاية المطاف مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع على الحضور الرمزي للتضامن مع طهران، مما يحمل دلالة سياسية واضحة لنظام طالما صوّر موسكو وبكين كركائز لنظام دولي جديد يدعمه.
الغياب الذي لاحظه الجميع
لم يكن مستوى التمثيل الخارجي هو الغياب الوحيد المثير للجدل؛ بل إن الغياب الأبرز كان داخلياً وموجهاً لقلب سلطة القرار. فقد غذت وسائل الإعلام الحكومية التوقعات بأن مجتبى خامنئي، الولي الفقيه الجديد للنظام، سيظهر بشكل علني وبارز لإدارة المراسم وتثبيت شرعيته.
إلا أن استمرار غيابه واحتجابه عن الأنظار تحول إلى المادة الأكثر نقاشاً وجدلاً طوال أيام التشييع؛ واعترفت منصة “رويداد 24” بأن المراقبين في الداخل والخارج كانوا ينتظرون هذا الحدث لإنهاء أسابيع من التكهنات عبر تقديم الزعيم الجديد علناً للجمهور والمجتمع الدولي، لكن تلك اللحظة لم تأتِ أبداً، مما أثار مزيداً من علامات الاستفهام حول كواليس عملية الخلافة، وثبت أن النظام لا يزال يدير حساسية وصراعات داخلية عميقة تعوق الظهور العلني للوريث الجديد.
ضخ النظام الإيراني رأسمالاً سياسياً، ومالياً، ومؤسساتياً هائلاً لتحويل جنازة علي خامنئي إلى عرض يوحي بالديمومة والسيطرة، غير أن الحدث فجّر تناقضات عجز المشهد المصطنع عن حجبها؛ إذ كشف عن حجم الموارد العامة المسخرة للدعاية الأيديولوجية في وقت يتباكى فيه المسؤولون بالفقر أمام مطالبات المواطنين بالرواتب، والرعاية الصحية، وإعادة الإعمار. كما عكس الموقف الحذر للدول التي يصنفها النظام كحلفاء استراتيجيين، وبرهن على أن أضخم حملات التعبئة الحكومية عاجزة عن طمس الأسئلة المصيرية المحيطة بالشرعية، والخلافة، والانقسام البنيوي الشامل. لقد تحولت الجنازة إلى لقطة عفوية ومنظور واقعي لمنظومة تحاول تصنيع الثقة بينما تواجه مجهولاً داخلياً متفجراً وعزلة دولية متنامية.
- التحية لرجوي: وحدات المقاومة تبث صور قيادة المقاومة في طهران وعشرات المدن الإيرانية
- أوهامٌ دبلوماسية حول استقرار طهران: لماذا تعجز المفاوضات عن ترميم أزمة الشرعية؟
- جنازةُ خامنئي المليارية: استعراضُ مستفزّ يعري العزلة الداخلية والدولية للنظام

- مارغوت كيسمان: صمود السجناء يثبت أن لا مستقبل لنظام الولي الفقيه
- مجلة إيطالية: ضجيج إعلامي حول رضا بهلوي يصطدم بالواقع السياسي لإيران
- رفع صور كبيرة لمسعود ومريم رجوي في طهران وعشرات المدن الإيرانية
