الرئيسيةأخبار إيرانصراع سلطة متعمق في إيران يؤشر على نظام في طور أفول

صراع سلطة متعمق في إيران يؤشر على نظام في طور أفول

0Shares

صراع سلطة متعمق في إيران يؤشر على نظام في طور أفول

مع تزايد الاستياء الشعبي وتصاعد حالة الغموض المحيطة بملفات الحرب، والدبلوماسية، وقضية الخلافة، تنقلب الأجنحة المتنافسة داخل النظام الإيراني على بعضها البعض في صراع محتدم يعكس أزمة هيكلية أعمق؛ حيث تحولت الخلافات الداخلية من الغرف المغلقة إلى العلن بشكل يهدد تماسك المنظومة برمتها.

وعلى مدى عقود، اعتمد النظام الإيراني على توازن مُدار بدقة بين مراكز القوة المتنافسة، حيث كان الولي الفقيه بمثابة الحكم النهائي القادر على احتواء الصراعات الفئوية وتوجيه الدفة. إلا أن هذا النموذج يظهر اليوم علامات واضحة وجلية على الانهيار؛ إن تزامن عدة أزمات متلاحقة في وقت واحد—مثل المعضلة غير المحسومة بين المواجهة والمفاوضات مع المجتمع الدولي، وتبعات النزاع العسكري الأخير، وتفاقم الضائقة الاقتصادية المعيشية، فضلاً عن وجود مجتمع بات منفصلاً ومغترباً بشكل متزايد عن السلطة—يدفع النظام إلى واحدة من أخطر فتراته السياسية منذ تأسيسه. وبدلاً من تقديم جبهة موحدة في مواجهة هذه التحديات، باتت الأجنحة الراديكالية والمحافظة تتبادل علناً اتهامات الخيانة، وعدم الكفاءة، بل وحتى التآمر والانقلاب، مما يثبت أن النظام بات يلتهمه الصراع الداخلي في نفس اللحظة التي يواجه فيها ضغوطاً غير مسبوقة من الشارع.

«الثأر» و«الموت للمساوم»… شعارات تكشف عمق الانقسام داخل النظام الإيراني

شهد اليوم الثاني من مراسم تشييع الولي الفقيه علي خامنئي تصاعداً ملحوظاً في الصراعات بين أجنحة النظام الإيراني، حيث تحولت المراسم الرسمية إلى ساحة لإبراز الانقسامات الداخلية والتنافس بين مراكز القوى. ورُفعت هتافات فئوية ضد من وصفوا بـ«المتسللين» و«المساومين»، إلى جانب لافتات تدعم مجتبى خامنئي وتدعو إلى العودة لنهج الولي الفقيه، مما يعكس حدة الصراع في هرم السلطة.

صراع الأجنحة | الولي الفقيه | يوليو 2026

نهاية السلطة المطلقة وتحدي مركز القرار

تتمثل الميزة البارزة للمرحلة الحالية في تراجع قدرة مقام الولي الفقيه على فرض سلطة مطلقة لا تقبل النقاش على الأجنحة المتنافسة داخل هرم السلطة. وسواء كان ذلك بسبب المخاوف المتزايدة المتعلقة بالخلافة وتوريث منصب القيادة، أو تآكل المشروعية السياسية، أو التفتت المؤسسي المتزايد، تبدو مراكز القوة المتنافسة مستعدة تماماً لتحدي بعضها البعض علناً أمام وسائل الإعلام بدلاً من تسوية الخلافات خلف الأبواب المغلقة.

ولم يعد التنافس السياسي مقتصراً على الاختلافات التقليدية حول السياسات العامة أو التوجهات الاقتصادية؛ بل تحول إلى صراع كسر عظم للسيطرة على النظام نفسه، وعلى الامتيازات السياسية والاقتصادية الهائلة المرتبطة به. وحتى الإدارة الرمزية لصورة علي خامنئي وإرثه السياسي أصبحت جزءاً من هذا التنافس المحموم؛ إذ تحاول الفصائل المختلفة الاستحواذ على سلطة الولي الفقيه لتعزيز مواقعها الخاصة وضمان حصتها في مواجهة مستقبل يلفه الغموض الشديد.

الاتهامات العلنية بالانقلاب تحل محل الانضباط الداخلي

توضح السجالات الأخيرة بين أقطاب النظام مدى التدهور الحاد الذي أصاب الخطاب السياسي الداخلي؛ حيث اتهم كامران غضنفري، وهو عضو في البرلمان محسوب على معسكر التشدد، شخصيات بارزة في رأس السلطة تشمل رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بالمشاركة فيما وصفه بـ انقلاب عبر المفاوضات. وذهب غضنفري إلى أبعد من ذلك باتهامهم بالسعي الممنهج لقمع التجمعات الحاشدة المؤيدة للنظام، موجهاً لهم تهمة صريحة بخيانة الولي الفقيه.

مثل هذه الاتهامات الثقيلة كانت في السابق تقتصر على الاجتماعات الأمنية الداخلية المغلقة لـ حرس النظام والمؤسسات الاستخباراتية الشديدة السرية، أما اليوم فباتت تُطرح علناً عبر مقاطع الفيديو المصورة والمنصات الإعلامية. وكان رد صحيفة جوان المتحدثة باسم حرس النظام لافتاً وصادماً بالقدر نفسه؛ إذ نشر الكاتب عبد الله غنجي دحضاً عنيفاً وغير معتاد، وصف فيه تصريحات غضنفري بأنها:

مقززة، وغير منطقية، ومهينة، وتهم متبادلة بعيدة كل البعد عن البنية السياسية المستقرة للجمهورية الإسلامية، لدرجة أنني ظننت في البداية أن المقطع صُنع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. إن هذا السجال العنيف لا يظهر عمق الخلاف فحسب، بل يثبت انهيار حد أدنى من الانضباط الداخلي الذي كان يمنع الحروب العلنية والتصفيات الإعلامية بين الموالين للنظام.

قلق الخلافة والتوريث يعيد تشكيل المشهد السياسي

لعل التصريحات الأكثر كشفاً للأوراق والأشد خطورة هي تلك الصادرة عن محمد جعفر قائم بناه، مساعد رئيس الجمهورية؛ حيث تساءل علناً وبجرأة غير معهودة عن جدوى وجود مؤسسات سيادية مثل الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي إذا كان كل حرف ينطق به الولي الفقيه يجب أن يُنفذ ببساطة دون أي نقاش، أو تداول، أو مراجعة من الأجهزة التنفيذية.

إن مثل هذه التصريحات كانت تعتبر قبل فترة وجيزة خطاً أحمر تصفوياً لا يمكن التفكير فيه سياسياً. والأهم من ذلك، أنها تكشف عن مقاومة صامتة وتتنامى بسرعة داخل أجزاء واسعة من المؤسسة السياسية الحاكمة حيال فكرة الترويج لـ مجتبى خامنئي كبديل لخلافة والده؛ وبينما لا يجرؤ أي مسؤول رفيع على تحدي مبدأ ولاية الفقيه كبنية عقائدية، يبدو أن أعداداً متزايدة ترفض القبول بالقيادة الوراثية والتوريث العائلي للمنصب، مما يمثل تحولاً عميقاً ومحتملاً داخل بنية القوة والتوازنات الخاصة بالنظام.

امتداد التفتت إلى أروقة الحوزات الدينية

لم يعد هذا التفتت والتشظي محصوراً في النخبة السياسية والعسكرية؛ إذ سلطت النقاشات الأخيرة المحيطة بزيارة بزشكيان إلى مدينة قم ولقائه ببعض التيارات الضوء على توترات مماثلة تعصف بداخل المؤسسة الحوزوية نفسها. ووفقاً لما ذكره الأستاذ في جامعة مفيد بقم، محمد رضا يوسفي، فإن هناك أقلية منظمة ونافذة للغاية داخل الحوزات العلمية باتت تهيمن بشكل متزايد على الخطاب العام بقوة السلاح والدعم المالي، في وقت تستمر فيه الانقسامات الأوسع في التعمق بين ملالي الحوزات، محذراً من اتساع رقعة الاستقطاب الاجتماعي الذي يمتد الآن إلى داخل أعماق المؤسسات الدينية التقليدية؛ ويعزز هذا الملاحظة واقعاً حرجاً: وهو أن الأزمة الداخلية للنظام باتت تضرب وتفتت تقريباً كل ركيزة استندت إليها سلطته تاريخياً لشرعنة وجوده.

المجتمع والشارع الانفجاري.. الرعب الأكبر المشترك

برغم المنافسات الفئوية الحادة والاتهامات المتبادلة بالخيانة، تشترك قيادة النظام بأكملها في قلق واحد مهيمن ويتقدم على كل اعتبار: الشعب الإيراني. إن القوة الرئيسية الحقيقية الداعمة لتفتت النخبة الحاكمة ليست مجرد خلاف تقني حول السياسة الخارجية أو الخلافة، بل هي التآكل الدراماتيكي والكامل للمشروعية الاجتماعية للنظام في الشارع.

لقد أدت سنوات من التدهور الاقتصادي، والفساد الهيكلي، والقمع السياسي، والإعدامات المستمرة، والأزمات البيئية، والاحتجاجات والانتفاضات المتكررة على مستوى البلاد، إلى سحق القاعدة الاجتماعية للنظام بشكل مطرد؛ ومع انحسار الدعم الشعبي، اشتدت المنافسة بين الأجنحة الحاكمة على الموارد والنفوذ لأن النظام السياسي لم يعد يمتلك الاستقرار الكافي لاستيعاب المصالح المتضاربة سلمياً. وحصيلة ذلك واضحة:

طبيعة الأولويات الأمنية للنظام:

حتى خلال فترات المواجهات العسكرية الخارجية والحروب الإقليمية، تعاملت القيادة العليا باستمرار مع الاضطرابات الداخلية باعتبارها التهديد الوجودي الأكبر؛ فمن منظورها، يمكن إدارة الصراعات الخارجية عبر المؤسسات الأمنية أو الدبلوماسية، أما الانتفاضة الشعبية الشاملة فلا يمكن احتواؤها أو التنبؤ بمسارها الحتمي لإسقاط السلطة. وهذا ما يفسر لماذا ظل القمع في الداخل أولوية استراتيجية قصوى حتى في ذروة التحديات الدولية الجسيمة.

إعلام النظام يعترف: جنازة خامنئي كشفت أزمة النظام وعزلته داخليًا وخارجيًا

اعترف موقع «رويداد 24» المقرب من النظام الإيراني بفشل مراسم تشييع الولي الفقيه علي خامنئي في تحقيق الأهداف السياسية والإعلامية المنشودة، مؤكداً أنها تحولت إلى اختبار حقيقي كشف عن أزمة النظام وعزلته داخلياً وخارجياً بدلاً من استعراض التماسك والقوة. وأشار التقرير إلى فرض إجراءات أمنية مشددة في طهران وإسناد إدارة الأمن لقوات الحرس، مما يعكس حجم المخاوف الأمنية العميقة التي أحاطت بالمراسم.

اعترافات الإعلام | الولي الفقيه | يوليو 2026
منظومة مأزومة تتحرك نحو التشظي النهائي

تظل الأجنحة المتنافسة متحدة في جانب أناني واحد فقط: يعتمد كل منها على بقاء أصل النظام لضمان مصالحه السياسية والاقتصادية الخاصة وثرواته المنهوبة. ومع ذلك، فإن هذه المصلحة المشتركة لم تعد كافية لمنع تصاعد منافسة تدميرية متبادلة لتصفية الآخر؛ ومع تزايد الغموض المحيط بالخلافة الحتمية، فإن الصراع السياسي الحالي مرشح لمزيد من الاشتعال والانفجار، وقد لا تمثل السجالات الراهنة سوى المرحلة الافتتاحية لصراع أوسع بكثير على التوزيع المستقبلي للقوة والنفوذ داخل أروقة النظام.

وسواء حافظت المنظومة في النهاية على قشرة تماسكها أو دخلت في مرحلة تشظٍّ أعمق، فإن الحسم لن يعتمد فقط على مناورات النخبة السياسية والعسكرية، بل على الضغط المستمر والمكثف الذي يفرضه المجتمع الإيراني؛ ونقاط الضعف الكبرى والقاتلة للنظام لم تعد موجودة في العواصم الأجنبية أو ساحات المعارك الإقليمية بالوكالة، بل تكمن في الفجوة السحيقة و الآخذة في الاتساع بين شعب يطالب بالتغيير الجذري الشامل ومؤسسة سياسية يلتهمها صراعها الداخلي من أجل البقاء. ومع تداخل هذين الديناميكيتين، تبدو آليات النظام القديمة لإدارة الصراعات الفئوية قد بلغت حدودها القصوى وعجزها التام، لتسارع من وتيرة عدم الاستقرار الذي يخشاه النظام ويسعى لتجنبه.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة