لماذا يخشى نظام الملالي الشارع أكثر من الحرب؟
منذ انتهاء الحرب الأخيرة في المنطقة، حرص النظام الإيراني على إظهار مشهد متكرر في شوارع المدن الإيرانية: مواكب ليلية، ومسيرات للدراجات النارية والسيارات، ورفع للأعلام، وشعارات دينية وحربية، وتجمعات يجري تنظيمها عبر مؤسسات الدولة والبسيج وقوات الحرس. وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر وكأنه استعراض لقوة النظام وتماسك قاعدته الاجتماعية، لكن قراءة أعمق لهذا المشهد تكشف حقيقة مختلفة تماماً.
فما يجري في الشوارع الإيرانية ليس تعبيراً عن ثقة السلطة بنفسها، بل عن خوفها العميق من الشارع نفسه. إن النظام يدرك أن أخطر تهديد يواجهه لا يأتي من الخارج، بل من الداخل الإيراني، من مجتمع أثبت خلال السنوات الماضية أنه قادر على تحدي السلطة والنزول إلى الشوارع والمطالبة بالتغيير.
لقد تحولت الشوارع في إيران إلى ساحة الصراع السياسي الحقيقية. فمنذ انتفاضات ديسمبر 2017 ونوفمبر 2019، مروراً بأحداث 2022 وما تلاها من موجات احتجاج، أدركت السلطة أن فقدان السيطرة على الشارع يعني اهتزاز أسس النظام بأكمله. ولهذا السبب، لم يكن الهدف من الحشود الليلية الأخيرة إظهار الشعبية بقدر ما كان محاولة استباقية لمنع عودة الشارع إلى أيدي المحتجين.
إن بعض المراقبين في الخارج أخطأوا في تفسير هذه المشاهد باعتبارها دليلاً على التفاف المجتمع حول النظام في زمن الحرب. غير أن تجاهل آليات الحشد يجعل هذا الاستنتاج مضللاً. فحين تُنقل الجماهير عبر شبكات البسيج وقوات الحرس والمساجد والمؤسسات الحكومية، وتُستخدم الحوافز المادية والضغوط الإدارية والتعبئة الرسمية لتنظيم الحشود، فإن الحديث عن تأييد شعبي حر يصبح موضع شك كبير.
والدليل الأوضح على ذلك أن النظام نفسه لا يتصرف كسلطة تحظى بثقة شعبية واسعة. فبعد الحرب مباشرة، لم يلجأ إلى الانفتاح على المجتمع أو تخفيف القيود، بل اتجه نحو المزيد من الاعتقالات ونقاط التفتيش ومراقبة الهواتف وقطع الإنترنت وتوسيع دائرة الاتهامات الأمنية. ولو كان واثقاً من وقوف المجتمع إلى جانبه، لما احتاج إلى هذا المستوى من الإجراءات القمعية.
وفي هذا السياق، يكتسب إعلان قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان عن اعتقال أكثر من 6500 شخص منذ بداية الحرب أهمية خاصة. فهذه الأرقام لا تعكس فقط حجم القمع، بل تكشف طبيعة المخاوف التي تسيطر على السلطة. والأكثر دلالة هو إشارته إلى مئات المعتقلين المرتبطين بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية وما يسميه النظام «الجماعات المعادية للثورة»، وهو توصيف يشير إلى وحدات المقاومة والشبكات المعارضة الناشطة داخل البلاد.
إن هذا الاعتراف يكشف حقيقة مهمة: النظام لا يرى في الحرب الخارجية تهديده الأكبر، بل يعتبر الانتفاضة الداخلية الخطر الأساسي على بقائه. ولهذا يحاول ربط كل أشكال الاحتجاج بالعمالة أو التجسس أو التدخل الخارجي، سعياً إلى تبرير موجات الاعتقال والتعذيب والإعدام التي تتواصل بوتيرة متصاعدة.
وينطبق الأمر ذاته على الإعدامات السياسية التي شهدتها الفترة الأخيرة. فهذه الإعدامات ليست مجرد عقوبات جنائية، بل رسائل سياسية موجهة إلى المجتمع بأكمله. فالسلطة تريد أن تقول إن كل نشاط منظم، وكل احتجاج، وكل شبكة مقاومة، قد تكون نهايته السجن أو المشنقة. لكن هذه الرسائل تكشف في الوقت نفسه حجم القلق الذي يعيشه النظام، لأنها تؤكد أنه يواجه مجتمعاً ما زال يمتلك قابلية الانفجار والعصيان.
ومن هنا تأتي أهمية وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية في حسابات النظام. فالسلطات تدرك أن الغضب الشعبي وحده لا يكفي لإحداث التغيير، وأن العنصر الحاسم في أي انتفاضة هو التنظيم والاستمرارية والقدرة على تحويل الاحتجاج إلى مشروع سياسي. ولهذا السبب يتكرر ذكر المنظمة ووحدات المقاومة في تصريحات المسؤولين الأمنيين، لأنهم يدركون أنها تمثل حلقة الوصل بين السخط الاجتماعي وبين مشروع التغيير السياسي.
لقد تلحق الحروب أضراراً بالبنية التحتية والمنشآت، لكنها لا تهدد وجود النظام بالقدر الذي تهدده حركة شعبية منظمة في الشارع. ولهذا فإن المعركة الأساسية التي يخوضها النظام اليوم ليست على الحدود، بل داخل المدن الإيرانية، حيث يحاول منع تشكل أي مساحة حرة يمكن أن تتحول إلى شرارة انتفاضة جديدة.
وعلى المجتمع الدولي ألا ينخدع بالمشاهد المصطنعة التي ينظمها النظام ليلاً. فالقضية الحقيقية ليست عدد الأعلام التي تُرفع أو الحشود التي تُجمع، بل حقيقة أن النظام ما زال يعتمد على القمع والخوف والدعاية والحشد الإجباري للحفاظ على حضوره في الشارع. وهذا بحد ذاته دليل على أنه يفتقر إلى الثقة بدعم شعبي حقيقي.
إن الرسالة التي تكشفها الاعتقالات والإعدامات والحملات الأمنية واضحة: النظام حدد عدوه الرئيسي، وهذا العدو ليس قوة خارجية، بل الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. ومن هنا، فإن مستقبل إيران والمنطقة لن يتحدد بعدد الحشود التي تنظمها السلطة، بل بقدرة الشعب الإيراني على استعادة شوارعه وفرض حقه في الحرية والتغيير الديمقراطي.

