الخطيئة التي رسمت مصير إيران
في الثالث عشر من أغسطس عام 2018، وقف الولي الفقیة علي خامنئي أمام جمهور منتقى بعناية، ليطلق عبارة أصبحت لاحقاً المرتكز الأساسي لعقيدته الاستراتيجية، قائلاً: لن تكون هناك حرب، ولن تكون هناك مفاوضات. لقد كانت تلك العبارة بمثابة إعلان لليقين المطلق، الخالي من أي لبس، والذي كشف في وقت لاحق عن دلالات عميقة للغاية.
وبعد مرور سنوات، وتحديداً في صبيحة الثامن والعشرين من فبراير 2026، جمع خامنئي كبار قادته العسكريين والأمنيين داخل أحد أكثر المجمعات تحصيناً في طهران. ولم يكن السؤال المطروح أمامه حينها يتعلق بالتحدي المبدئي، بل بكيفية ترسيخ نتائج المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن.
ولكن بحلول نهاية ذلك اليوم، كانت الأحداث قد تجاوزت كل المداولات؛ حيث اندلعت الحرب، ومع مقتله، انهار ذلك اليقين الذي طالما حاول تصديره للعالم.
غير أن هذا لم يكن خطأه الحسابي الأول. فقبل ذلك بثلاث سنوات، ومع اقتراب الذكرى السنوية للانتفاضة العارمة التي اجتاحت إيران في عام 2022، أقدم الولي الفقیة على مقامرة من نوع آخر.
ففي السابع من أكتوبر 2023، ساهم في إشعال مواجهة إقليمية أوسع نطاقاً، ربما ظناً منه أن هذا التصعيد سيغير ميزان القوى في الخارج ويخفف من حدة الضغوط الداخلية.
ولكن بدلاً من ذلك، أدت هذه الخطوة إلى إضعاف الأدوات ذاتها التي أمضى عقوداً في بنائها، لتتآكل شبكته الإقليمية التي كانت يوماً حجر الزاوية في استراتيجيته للردع، وتتلقى ضربات قاصمة على جبهات متعددة.
إيران بعد خامنئي: نظام مأزوم ومجتمع على حافة الانفجار تحت حكم مجتبى الولي الفقیة
تؤكد التطورات المتسارعة منذ موت علي خامنئي وتنصيب نجله مجتبى أن نظام الولي الفقیة دخل أخطر مراحله. يحلل التقرير هشاشة النظام البنيوية وتصاعد التوتر الداخلي، مؤكداً أن المجتمع الإيراني بات اليوم على حافة انفجار جديد يهدد بقاء السلطة رغم محاولات التوريث القسرية.
ورغم ذلك، لم يكن هذا هو الخطأ الجوهري. فلفهم طبيعة ذلك الخطأ، يجب ألا ننظر إلى الخارج، بل إلى الداخل الإيراني.
لسنوات طويلة، كانت هناك قوة مختلفة تماماً ترسم مسار إيران، قوة أكثر حسماً من الصواريخ والميليشيات والدبلوماسية. ففي مختلف المدن والمحافظات، وعبر موجات من الغضب كانت تعلو وتهبط لكنها لم تتلاشَ أبداً، تحدى الإيرانيون العاديون سلطة النظام الإيراني مراراً وتكراراً.
لم تكن تلك التحركات مجرد اضطرابات عابرة، بل كانت تعبيراً وطنياً شاملاً عن الرفض الدائم واللامركزي، وبمطالب تزداد صراحة يوماً بعد يوم. وقد كشفت هذه التحركات عن حقيقة عجزت كل التقييمات وقنوات التفاوض عن إخفائها: لقد كان النظام الإيراني يفتقر إلى أي قاعدة اجتماعية صلبة.
ولطالما أشار المحللون إلى أن هذه الاحتجاجات تعكس أزمة شرعية عميقة داخل بنية النظام، لا يمكن حلها بالقمع وحده. فقد طالب المتظاهرون علانية بإسقاط النظام السياسي، وأحرقوا رموز السلطة، وواصلوا صمودهم رغم الاعتقالات والقوة المميتة ضدهم.
لقد كان لهذا الأمر أهمية كبرى على الصعيدين المحلي والدولي. فهذه الانتفاضات هي التي جردت النظام من أثمن أصوله المزعومة: صورة الاستقرار الوهمية.
فطوال سنوات، استغلت دكتاتورية الملالي نفوذها الإقليمي وجهازها الأمني لإبراز قوتها. ولكن بمجرد أن تجلى للعالم أن هذا النظام يحكم مجتمعاً في حالة عصيان مفتوح، بدأت تلك الصورة في التصدع. ولم يكن الضغط الأجنبي هو من خلق هذا الضعف، بل كان مجرد استجابة طبيعية له.
ومع كل ذلك، لم يقم خامنئي بتعديل مساره. والمفارقة الأعمق هنا هي أن هذا الدرس التاريخي كان مدوناً بالفعل في تاريخ إيران الحديث. فالدكتاتور الشاه المطاح به، محمد رضا بهلوي، كان يقود يوماً ما أحد أقوى الجيوش في المنطقة، مدعوماً بموارد هائلة وحلفاء أقوياء.
ولكن عندما واجه ذلك الدكتاتور شعباً سحب منه الشرعية، أثبتت تلك الآلة العسكرية الضخمة أنها بلا جدوى. ومع ذلك، كان خامنئي يعتقد واهماً أنه قد وجد الحل لهذه المعضلة.
فبينما اعتمد الشاه على جيش تقليدي، قام خامنئي ببناء منظومة قمع متكاملة شملت قوات الحرس، والباسيج، ووزارة المخابرات، وشبكة كثيفة من المؤسسات المصممة لمراقبة المعارضة وسحقها. لقد كانت بنية قمعية أكثر تعقيداً وعمقاً ومرونة.
لكن هذه المنظومة استندت إلى نفس الفرضية الخاطئة؛ وهي أن القوة قادرة على حفظ النظام، وأنها يمكن أن تكون بديلاً للشرعية الشعبية.
غير أن الانتفاضات المتكررة أثبتت عكس ذلك تماماً. فقد برهنت على أن حتى أكثر الأجهزة الأمنية اتساعاً لا يمكنها احتواء مجتمع لم يعد يعترف بالسلطة المفروضة عليه. كما فضحت هذه الانتفاضات الانتخابات باعتبارها طقوساً شكلية، والإصلاح كطريق مسدود تماماً.
إعلام أمريكي: تنصيب مجتبى الولي الفقیة هو توريث بائس للدكتاتورية مرفوض شعبياً
في إطلالات عبر “فوكس نيوز” و”OAN”، أكدت شخصيات قيادية في الجالية الإيرانية أن الشعب يرفض قاطعاً مسرحية توريث السلطة لمجتبى خامنئي. وشددت د. رامش سبهراد وحُميرا حسامي على أن الإيرانيين مصممون على إنهاء الاستبداد وإسقاط النظام بالكامل.
لقد أدرك خامنئي حجم الخطر، لكنه لم يدرك الحل. فالتراجع الخارجي يشجع المعارضة الداخلية، وتقديم التنازلات يهدد تماسك القوات المكلفة بالحفاظ على السيطرة. ولذلك، اختار التصعيد الإقليمي والعسكري، ليس لأنه يضمن النجاح، بل لأن أي بديل كان يهدد بتآكل قاعدته.
قاده هذا المنطق المعوج من أزمة إلى أخرى: من تصعيد عام 2022، إلى حرب الاثني عشر يوماً في 2025، وصولاً إلى رفضه الرضوخ في أوائل عام 2026. لكن كل ذلك لم يحل التناقض الجوهري.
لم تكن خطيئة خامنئي الكبرى إعلانه في أغسطس 2018 بأنه لن تكون هناك حرب ولا مفاوضات، بل تجلت خطيئته في فشله في إدراك ما أوضحته شوارع إيران بشكل لا لبس فيه: وهو أن الشعب الإيراني، في نهاية المطاف، هو من سيقرر مصيره.
ففي صبيحة الثامن والعشرين من فبراير، ومع اتجاه الأحداث نحو الانهيار الحاسم، لم يجتمع هو ودائرته في حالة تراجع، بل في حالة من الثقة الزائفة. كانوا يراجعون قمعهم لانتفاضة يناير ويتشاورون لمواجهة الضغط الأمريكي، معتقدين أنهم في لحظة إحكام السيطرة.
وكما حدث مع الشاه من قبله، فإن ما أدى في النهاية إلى الإطاحة بخامنئي هو فشله الذريع في استيعاب حقيقة بسيطة وحتمية: أن الشعب الإيراني، بطريقة أو بأخرى، هو من يملك الكلمة الفصل، وهو من سيقرر مصيره بيده.
- نهاية الحرب.. الضربة القاضية لنظام الملالي
- ناشطة إيرانية: التغيير في إيران ممكن ونطالب الغرب بالاعتراف بحقنا في الدفاع عن النفس
- علي صفوي عبر أرايز نيوز: وقف إطلاق النار نافذة للانتفاضة، ولا بديل عن إسقاط ديكتاتورية الولي الفقيه
- جعفر زاده على نيوز نيشن: الشعب الإيراني يستأنف معركته ضد الولي الفقيه لإنهاء الاستبداد
- تلفزيون إل تورو: انتهاء الحرب يعرّي النظام والسلام الفعلي رهن بإسقاط الولي الفقيه
- الحرب داخل الحرب: كيف تستغل سلطة الولي الفقيه الصراع لتمرير المشانق؟
