تظاهرة برلين.. ضرورة تاريخية لكسر حلقة الاستبداد وترسيم “الطريق الثالث”
هل التاريخ مجرد تكرار ممل للمآسي، أم أن الإرادة الإنسانية قادرة على كسر سلسلة الاستبداد في نقطة حاسمة؟
يأتي تجمع الإيرانيين المرتقب يوم السبت في برلين ليجيب عن هذا السؤال الوجودي. ففي خضم الضجيج الإعلامي ومحاولات إعادة إنتاج أنماط حكم منقرضة، لا تكمن أهمية هذا الحدث في كونه تجمهراً عددياً فحسب، بل في كونه “ضرورة استراتيجية” لتوضيح البوصلة السياسية. إنه لحظة لترسيم الحدود الفاصلة بين “الثورة الأصيلة” وبين “انتهازية ركوب الموجة”، وللإجابة عن سؤال محوري: لماذا لا يعني الخلاص من الاستبداد الديني العودة حتماً إلى الديكتاتورية الملكية السابقة؟
٧ فبراير ٢٠٢٦ — يستعد الإيرانيون للتظاهر في برلين دعماً لانتفاضة الشعب الإيراني، رافعين شعارات ترفض الديكتاتورية بكل أشكالها، سواء كانت نظام الشاه أو نظام الملالي، ومؤكدين على مطلب الجمهورية الديمقراطية.
ولادة وعي جديد من رحم التاريخ
تحمل الذاكرة الجمعية الإيرانية جروحاً عميقة من “سرقة الأحلام”. من الثورة الدستورية التي مُسخت تحت أحذية “رضا خان” العسكرية، وصولاً إلى ثورة 1979 التي اختطفها “خميني” عبر الخداع وشعار “الجميع معاً” ليقودها إلى مسلخ ولاية الفقيه.
لكن اليوم، وما سنشهده في شوارع برلين، هو تجلٍ لـ “وعي جديد”. هذا الوعي يدرك أن طريق الحرية لا يمر عبر التحالفات الغامضة أو إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة، بل يمر عبر القطيعة التامة مع كل ما يمت بصلة لحكم الفرد.
الثورة.. تضحية في الميدان لا وسم في الفضاء الافتراضي
على عكس ما تروجه بعض الاستوديوهات الإعلامية البراقة، فإن الثورة ليست منتجاً معلباً للاستهلاك السريع على شبكات التواصل الاجتماعي. إن “وحدات المقاومة” التي تواجه آلة القمع بصدور عارية في الداخل، هي من تدفع الفاتورة الحقيقية للتغيير.
تأتي تظاهرة برلين لتؤكد حقيقة أن الثورة الديمقراطية في إيران مبنية على أرض صلبة من التضحيات، وليست قائمة على أوهام “التغيير المجاني”. عندما يتم تحدي السلطة بالتنظيم والإرادة الصلبة، لا يبقى مكان لـ “قاطفي الثمار” الذين ينتظرون استلام كراسي الحكم الجاهزة بمساعدة القوى الخارجية أو الإعلام الموجه.
نهاية حقبة “صناعة البدائل الزائفة”
لقد كانت تجربة عام 1979 درساً قاسياً، ولكنه بمثابة “لقاح” للمجتمع الإيراني. في تلك السنوات، سمح غياب البديل الديمقراطي المنظم (بسبب قمع الشاه وسجن القادة الثوريين) للتيار الرجعي بركوب موجة السخط.
اليوم، تواجه محاولات استنساخ ذلك النموذج – هذه المرة عبر تلميع “نجل الشاه” وشعارات فاشية تمجد الديكتاتورية السابقة – سداً منيعاً من الوعي الشعبي. إن الشعار الذي بات لازمة لكل انتفاضة: “الموت للظالم، سواء كان الشاه أو خامنئي”، هو إعلان عن النضج السياسي. إنه ليس خياراً بين السيئ والأسوأ، بل هو رفض قاطع لنموذج “حكم الفرد المطلق” أياً كانت عباءته أو تاجه.
٣١ يناير ٢٠٢٦ — تمثل هذه الخطة خارطة طريق لـ “إيران الغد”، حيث تدعو إلى إقامة جمهورية تعددية تستند إلى فصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة بين الجنسين، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإنهاء الاضطهاد القومي، وضمان إيران خالية من الأسلحة النووية.
الطريق الثالث: الجمهورية الديمقراطية
إن استخدام الضخ الإعلامي لتلميع بقايا النظام السابق هو مشروع محكوم عليه بالفشل، ولا يخدم سوى نظام خامنئي الذي يستغل هذه “الفزاعة” ليصم الانتفاضة المشروعة بأنها “مؤامرة خارجية” أو “رجعية”.
هنا تبرز ضرورة تظاهرة برلين كصوت لـ “الطريق الثالث“.
لقد اختار الإيرانيون الأحرار الخروج من ثنائية “بئر الولاية” و”حفرة الشاه”، نحو أفق الجمهورية الديمقراطية. هذا الخيار يستند إلى بديل سياسي (المجلس الوطني للمقاومة) لم يغادر الميدان منذ 40 عاماً، ويمتلك برنامجاً واضحاً (خطة النقاط العشر للسيدة مريم رجوي) وجذوراً عميقة في نضال النساء والشباب والطبقات الكادحة.
نقطة اللاعودة
إن تظاهرة السبت المقبل ليست مجرد وقفة احتجاجية، بل هي رسالة للعالم بأن الثورة الإيرانية الحديثة ليست حركة عمياء. إنها حركة مسلحة بـ “لا” كبيرة لكل أشكال الاستبداد، وبـ “نعم” قاطعة لسيادة الشعب.
بوجود هذا الوعي، وبدعم من “وحدات المقاومة” في الداخل، وصل تاريخ إيران إلى نقطة اللاعودة؛ النقطة التي لن يُسمح فيها لأي انتهازي بسرقة ثمرة دماء الشهداء، وحيث ستمحو شمس الديمقراطية ظلال الاستبداد والتبعية إلى الأبد.
- مريم رجوي: الحرب الرئيسية هي بين النظام الحاكم والشعب الإيراني

- إيران: إعدام تعسفي لسجينين سياسيين كرديين بتهمة التمرد المسلح واغتيال أحد قادة الحرس

- انهيار الطبقة الوسطى وتمدد الفقر.. مدن إيران تفقد روحها تحت وطأة الفساد والحروب

- نيويورك بوست: النظام الإيراني ينفذ 80% من إعدامات العالم

- في جريمة وحشية أخرى.. النظام الإيراني يعدم سجينين سياسيين كرديين

- استشهاد وحيد بني عامريان ورفاقه: كيف انكسر جدارُ “رقابة القرن”


