مناسبة وطنية سورية: مظاهرات حاشدة في مدن سورية في ذكرى اسقاط حكم بشارالاسد
شهدت المدن السورية يوم الجمعة 28 نوفمبر مظاهرات واسعة احتفاء بذكرى خالدة، هي إسقاط الحكم الأسدي التي لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت نقطة تحول تاريخية أعادت للشعب السوري زمام أمره وأنهت فصلاً مظلماً دام عقوداً من الزمن تحت وطأة حكم عائلة الأسد الاستبدادي. إنها مناسبة وطنية لتجديد العهد على قيم الحرية والكرامة التي ضحى لأجلها السوريون بالغالي والنفيس، وهي لحظة نستلهم منها قوة الإرادة الشعبية التي استطاعت أن تنتصر على آلة القمع والدعم الإقليمي والدولي الذي ساندها.
لتكتمل صورة هذا الانتصار العظيم، يجب أن نتوقف عند المرحلة التاريخية الصعبة التي اجتازها الشعب السوري. إن التحليل المعروض أمامنا يُركز على السؤال الجوهري: كيف استطاع هذا النظام البقاء في السلطة لأكثر من عقد كامل، صامداً في وجه ثورة شعبية لم يشهد لها التاريخ السوري مثيلاً؟
التحليل يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن بقاء نظام بشار الأسد لم يكن ممكناً لولا التدخل المباشر والشامل للنظام الإيراني. هذا التدخل لم يكن مجرد دعم عابر، بل كان عملية إنقاذ استراتيجية ممنهجة، شكلت شريان الحياة الذي ضخ الدماء في جسد نظام كان يحتضر تحت ضغط المطالب الشعبية للكرامة والحرية.
لقد تجسد هذا الدعم في أربعة أركان رئيسية: التدخل العسكري المباشر عبر الميليشيات الطائفية، والدعم الاقتصادي غير المحدود الذي حافظ على قدرة النظام على العمل، ومشروع التغيير الديموغرافي لتأمين مناطق النفوذ، وأخيراً، الغطاء الأيديولوجي والسياسي الذي حول الثورة إلى “مؤامرة”. هذه الأركان هي ما سمح للنظام بارتكاب الفظائع التي سبقت سقوطِه.
إمبراطورية الظل الإيرانية: البنية التحتية العسكرية لحرس النظام الإيراني في سوريا
رويترز: نظام الأسد نقل آلاف الجثث سراً من مقبرة جماعية في سوريا
ممثل خامنئي يندب خسارة سوريا ويخشى على مصير وكلائه في المنطقة
لقد كانت الثورة السورية، التي بدأت في عام 2011، تهدد بإنهاء حكم عائلة الأسد المستمر منذ أكثر
من خمسين عاماً، لكن طهران رأت في سقوط حليفها الاستراتيجي ضربة قاصمة لمشروعها الإقليمي “محور المقاومة”، فقررت التدخل بكل ثقلها لضمان بقائه، بغض النظر عن الكلفة البشرية أو تدمير الدولة السورية
1. التدخل العسكري المباشر: الدرع الواقي للنظام كان التدخل العسكري الإيراني بمثابة شريان الحياة الرئيسي الذي منع الانهيار التام للجيش السوري ودرعته أمام الثورة الشعبية. منذ الأشهر الأولى للانتفاضة، بدأ الحرس الإيراني، وبخاصة فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني، بإرسال الخبراء العسكريين والمستشارين لتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي والتدريب للجيش السوري المنهار. ومع تصاعد حدة الصراع واتساع نطاق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، تحول التدخل الإيراني إلى مشاركة قتالية مباشرة وواسعة النطاق. قامت إيران بتأسيس وتمويل وتدريب وتسليح العشرات من الميليشيات الطائفية من جنسيات مختلفة، أبرزها حزب الله اللبناني، ولواء فاطميون (من أفغانستان)، ولواء زينبيون (من باكستان)، وميليشيات عراقية متعددة (مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق). لعبت هذه الميليشيات، التي بلغ عدد مقاتليها عشرات الآلاف، دوراً حاسماً في استعادة السيطرة على مناطق استراتيجية مثل حمص وحلب والقلمون، وفي منع سقوط دمشق في أوج تقدم المعارضة. هذه القوات البرية، المدعومة بالخبرة الإيرانية في حرب العصابات والتخطيط العسكري، مكنت النظام من الاستمرار في قمع الاحتجاجات والعمليات العسكرية ضد معارضيه، حيث كانت بمثابة جيش موازٍ وفعال عندما كان جيش النظام السوري يعاني من الانشقاقات والتآكل.
2. الدعم الاقتصادي غير المحدود: الرئة التي تنفس منها النظام في ظل العقوبات الدولية المفروضة على نظام الأسد والحرب التي دمرت البنية التحتية والموارد الاقتصادية للبلاد، كان الاقتصاد السوري على وشك الانهيار التام. هنا جاء دور إيران كمنقذ اقتصادي رئيسي. قدمت طهران للنظام السوري خطوط ائتمان ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، وشحنات نفط وغاز منتظمة، ومساعدات غذائية، لدعم موازنته المنكوبة. هذا الدعم الاقتصادي غير المحدود كان حيوياً للنظام لدفع رواتب جيشه وميليشياته وموظفي الدولة، مما مكنه من الاستمرار في عملياته العسكرية ضد شعبه، والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات التي تمنع الانهيار الكامل للدولة. بدون هذه المساعدات، كان النظام سيعجز عن تمويل آلة الحرب وقمع الثورة، مما كان سيؤدي إلى سقوطه حتماً بسبب الإفلاس. كما أن إيران استغلت هذا الدعم لبناء شبكات اقتصادية خاصة بها داخل سوريا، مما عزز نفوذها على المدى الطويل
3. مشروع التغيير الديموغرافي: هندسة سوريا جديدة لم يقتصر التدخل الإيراني على الجانب العسكري والاقتصادي، بل امتد ليشمل مشروعاً استراتيجياً خطيراً يهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية لمناطق سورية حساسة. عملت إيران وميليشياتها على تهجير السوريين من مناطقهم الأصلية، خاصة في محيط دمشق وحمص ومناطق أخرى تعتبر استراتيجية لمشروعها الإقليمي (مثل الشريط الحدودي مع لبنان والعراق). تم ذلك من خلال عمليات حصار وتجويع وقصف عنيف، تلاها “مصالحات” قسرية أجبرت السكان على النزوح، ليحل محلهم موالون للنظام ولإيران، أو عائلات المقاتلين الموالين. هذا المشروع كان له هدفان رئيسيان: تأمين مناطق نفوذ إيراني استراتيجية، وتحويل الصراع من ثورة شعبية ضد استبداد إلى صراع طائفي، مما يسهل على إيران تبرير تدخلها كـ “حماية للأقليات”. لقد أدت هذه السياسات إلى تمزيق النسيج الاجتماعي السوري وتعميق الشرخ الطائفي بشكل لم يسبق له مثيل.
4. الغطاء الأيديولوجي والسياسي: تحويل الثورة إلى مؤامرة قدمت إيران غطاءً أيديولوجياً وسياسياً حاسماً لتبرير تدخلها ولجرائم نظام الأسد. لقد روجت طهران لسردية “محور المقاومة” ضد الإمبريالية الغربية والصهيونية، مصورةً نظام الأسد كجزء لا يتجزأ من هذا المحور، وبالتالي فإن سقوطه سيشكل ضربة للمقاومة. في المقابل، وصفت الثورة السورية بأنها “مؤامرة كونية” مدعومة من الغرب وإسرائيل وبعض الدول العربية، تهدف إلى تقسيم المنطقة وتدمير محور المقاومة، وأن المشاركين فيها هم “إرهابيون تكفيريون”. هذه السردية أتاحت لإيران حشد الدعم لميليشياتها الطائفية، وتوفير غطاء سياسي لانتهاكات النظام، كما أنها أثرت في الرأي العام الإقليمي والدولي، وساهمت في تحويل تركيز الخطاب العالمي بعيداً عن مطالب الشعب السوري بالحرية والكرامة نحو حرب على الإرهاب. هذا الغطاء الأيديولوجي مكن النظام من الاستمرار في قمع شعبه تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، بمباركة إيرانية.
في الختام، إن بقاء نظام بشار الأسد لم يكن معجزة سياسية، بل نتيجة مباشرة لتدخل إيراني شامل ومخطط له بعناية، شمل الجوانب العسكرية والاقتصادية والديموغرافية والأيديولوجية. هذا التدخل لم ينقذ نظام الأسد مؤقتاً من السقوط فحسب، بل دمر سوريا كدولة ومجتمع لعقود قادمة، عبر تمزيق نسيجها الاجتماعي، وتهجير ملايين من أبنائها، وتدمير بنيتها التحتية، ورهن قرارها الوطني لمصالح إقليمية، مما خلف إرثاً من الدمار وعدم الاستقرار لا يمكن جبره بسهولة.
- صحيفة لوفيغارو: آلاف يتظاهرون في باريس تنديداً بالإعدامات وللمطالبة بمحاسبة النظام الإيراني

- ترامب يعلن بدء «حصار مضيق هرمز» ويكشف تفاصيل فشل المفاوضات مع إيران

- تقرير رویترزعن تظاهرة الإيرانيين الأحرار وأنصار المجلس الوطني للمقاومة في باريس

- افتتاحية داغنز نيهيتر السويدية: انتقادات لاذعة لدعوة رضا بهلوي للبرلمان ومواقفه الداعمة للحرب

- ماهان تاراج عبر بي إف إم الفرنسية: النظام الإيراني يرتعب من السلام، والهدنة أسقطت رهان ابن الشاه على الحرب


