“الإنترنت الأبيض”في إيران: كيف يخترق النظام الإيراني المنصات التي تثقون بها؟
في الفضاء الرقمي الإيراني، تحول صندوق “نبذة عن هذا الحساب” على منصة “إكس” (تويتر سابقاً) من مجرد تفصيل هامشي في واجهة المستخدم إلى “مسرح جريمة” يكشف النقاب عن تلاعب ممنهج. فبعد تحديث أخير للمنصة، ظهر نمط غريب ومقلق: مؤثرون يرفعون أصواتهم عالياً کأنصار الشاه في المنفى، ويتحدثون بنبرة المغتربين المثالية من “تورونتو” أو “لندن” أو “لوس أنجلوس”، لكن البيانات الوصفية لحساباتهم تهمس بحقيقة مغايرة تماماً: “طهران، إيران – تطبيق أندرويد”.
هذا التناقض الصارخ ليس خللاً فنياً، بل هو دليل دامغ على وجود نظام “إنترنت طبقي” تديره طهران. ففي بلد تُحظر فيه منصة “إكس” رسمياً، ويعتبر الحصول على شبكة افتراضية خاصة (VPN) فعالة رفاهية، ويعاني جزء كبير من سكانه لتأمين قوت يومهم، تعيش فئة من المستخدمين حياة رقمية “عالية الدقة” على مدار الساعة.
أهلاً بكم في عالم “الإنترنت الأبيض” الإيراني، النظام البيئي الذي ترعاه طهران ليس فقط لمواطنيها، بل ولكم أيضاً: مراكز الأبحاث، صناع القرار، والمحللون الذين يراقبون “إكس الفارسي” لفهم “ما يريده الإيرانيون حقاً”.

منصة محظورة.. لكنها ليست صامتة
رغم الحظر الرسمي لـ “إكس” منذ احتجاجات 2009، إلا أن الوصول إليها يتم عبر ثلاث طرق:
- روليت الـ VPN: غير مستقر، بطيء، ومكلف بشكل متزايد.
- حلول المؤسسات: متاحة لنخبة مدنية ومهنية ضيقة.
- الحصول على ثقة النظام: طريق “الشريحة البيضاء” (White-SIM).
يضاف إلى ذلك واقع اقتصادي غالباً ما يغيب عن القارئ : نسبة كبيرة من الإيرانيين يعيشون عند خط الفقر أو تحته (تشير التقديرات إلى 40-60%). في هذه البيئة، لا يعد الاستخدام المستمر للـ VPN والنشر السياسي المكثف هواية للمعلم أو العامل العادي، بل هو امتياز.
لذلك، عندما تتصفح “إكس الفارسي”، فأنت لا ترى “إيران” الحقيقية، بل ترى شريحة رقيقة من الطبقات الوسطى والعليا في المدن، وشخصيات مرتبطة بالنظام، ومشغلين سيبرانيين محترفين، بالإضافة إلى الشتات. هذا لا يجعل المنصة عديمة الفائدة، بل يجعلها منظمة وجذابة جداً لنظام يدرك تماماً مدى اعتماد التحليل الغربي على إشارات وسائل التواصل الاجتماعي.
الاتصال الطبقي كسياسة رسمية
اخترع الإيرانيون مصطلحات لهذا التسلسل الهرمي: “الإنترنت الأبيض”و”الإنترنت الطبقي” . وقد وثقت التحقيقات ما يعنيه ذلك عملياً: مستخدمون معينون (سياسيون، صحفيون موالون للنظام، مؤثرون مفضلون) يحصلون على شرائح اتصال واتصالات مدرجة في “القائمة البيضاء”، حيث يتم تخفيف المرشحات (فلاتر)، وتختفي القيود على السرعة، وتعمل المنصات المحظورة وكأنها لم تُحظر قط.
انفجرت القضية عندما كشفت أدوات الشفافية الجديدة في “إكس” أن بعض الشخصيات العامة التي ادعت طويلاً أنها تستخدم الـ VPN “مثل الجميع”، كانت في الواقع تتصل مباشرة عبر البنية التحتية للنظام.
معارضة مصنوعة في طهران؟
يعيدنا هذا إلى “الإحياء” الرقمي المفاجئ لابن الشاه. إذا نظرت فقط إلى أعداد المتابعين وعواصف إعادة التغريد، قد تستنتج أن رضا بهلوي (ابن الشاه المنفي) يتمتع بعودة شعبية هائلة. لكن نظرة فاحصة على لوحة “نبذة عن هذا الحساب” تكشف عن خلل: بعض أعلى الأصوات المؤيدة للشاه، والتي تنشر محتوى عدوانياً ضد النظام يومياً، تتصل بوضوح عبر “تطبيق إيران أندرويد”.
في بلد تقوم فيه شرطة الإنترنت (FATA) باعتقال وحتى تصفية المعارضين الحقيقيين(أنصار مجاهدي خلق)، فإن حقيقة بقاء هذه الحسابات موثقة ونشطة وآمنة هي في حد ذاتها معلومة. سلامتهم هي جزء من القصة.
تتزامن هذه الظاهرة مع كشف تحقيق مشترك لـ “هآرتس” و”سيتزن لاب” عن عملية تأثير مدعومة إسرائيلياً استخدمت شبكة من الحسابات المزيفة والمولدة بالذكاء الاصطناعي للترويج لرضا بهلوي كبديل مفضل للديكتاتورية الدينية.
عند وضع هاتين الحقيقتين جنباً إلى جنب، يظهر شيء مثير للاهتمام: المحتوى الأعلى صوتاً في خلاصتك هو منتج هجين (جزء من الشتات، جزء من حسابات داخلية ذات وصول مميز، وجزء تضخيم خارجي). بالنسبة لطهران، المنافس الضعيف هو أفضل منافس. الحفاظ على علامة تجارية شاهية صاخبة ومضخمة رقمياً ليس خطأً، بل هو ميزة استراتيجية.
الواقع خارج الشاشة: ثمن المقاومة الحقيقية
يتناقض التباهي الرقمي بشكل حاد مع ما يحدث لمن يخرج عن الخط في الواقع. خذوا مثال رويا ذاكري، شابة من تبريز، انتشر لها مقطع قصير وهي تهتف ضد خامنئي، فتم اعتقالها وضربها ونقلها قسراً إلى منشأة نفسية، ومكانها غير معلوم. أو زهراء شهباز طبري، مهندسة تبلغ من العمر 67 عاماً، داهمت قوات الأمن منزلها وعثرت على لافتة قماشية مكتوب عليها “امرأة، مقاومة، حرية”، وحُكم عليها بالإعدام بعد جلسة استماع دامت عشر دقائق.
هذا هو ثمن المعارضة الذي يخشاه النظام حقاً. قارنوه بالحصانة الكاملة للحسابات الكبيرة التي تنشر ليلاً ونهاراً من داخل إيران، بأسماء مستعارة، مهاجمة حركات معارضة أخرى أكثر مما تهاجم الدولة. لو كانت الثورات تُحسم بأعداد “الريتويت”، لكان هؤلاء في السلطة الآن، لكن النظام يبدو مرتاحاً جداً لوجودهم.
مقاولون سيبرانيون وصناعة الرواية
لا تكتفي طهران بالسماح بحدوث ذلك، بل تستثمر فيه. منظمات شبه رسمية مثل “معهد مصاف” توصف بأنها مراكز قيادة لـ “كتائب سيبرانية” منظمة. مهمتهم ليست فقط الهتاف، بل شن هجمات منسقة، وإدارة حملات تشويه ضد المنتقدين والمنافسين، وإغراق النقاشات بنقاط تحول اللوم بعيداً عن هياكل السلطة الأساسية.
لوحة قيادة، وليست استطلاع رأي
لن تخبرك وسائل التواصل الاجتماعي الفارسية أبداً، بنقاء إحصائي، بما يريده “الإيرانيون”. إنها ليست استطلاع رأي، بل هي لوحة قيادة من داخل بيئة خاضعة للرقابة حيث الوصول مسيّس، والروايات مزروعة ومضخمة، وبعض أنواع “المعارضة” يتم الحفاظ عليها بعناية لأنها آمنة.
إن تجاهل هذه اللوحة خطأ، لكن التعامل معها كصوت خام ومباشر للشعب خطأ أكبر. في نظام حول الوصول إلى الإنترنت إلى برنامج ولاء، فإن الطريقة التي يظهر بها الناس عبر الإنترنت هي حقيقة سياسية، لكنها مجرد نقطة بيانات واحدة. إذا كنت تعمل في مجال فهم إيران، فلا يمكنك السماح لخلاصة متلاعب بها أن تحل محل الواقع نفسه.
- مريم رجوي: السلام الدائم لن يتحقق إلا بإسقاط ديكتاتورية ولاية الفقيه

- كازاكا: إعدامات النظام الإيراني تفشل في كسر المقاومة وتُشعل ثورة الشارع

- نوفيل أوبسرفاتور الفرنسية: مصنع صناعة الشاه رضا بهلوي

- برلماني بريطاني يفضح واجهات النظام الإيراني ويطالب بإغلاق سفارته ومصادرة أصوله في لندن

- صحيفة مونشنر ميركورالألمانية: استعراض لجلادي السافاك في ألمانيا يثير الغضب

- دعم أعضاء في مجلس النواب الأمريكي لتظاهرة «إيران الحرة» في واشنطن وإدانة الإعدامات والقمع في إيران


