أوليغارشية الفساد والنهب الممنهج في إيران: اعترافات متأخرة وقرع لأجراس التاريخ
ألا يبدو أن التاريخ قد وضع آثار خيانة خميني لثقة الشعب الإيراني، والفساد المستمر الناتج عنها، مباشرة على لسان أحد مسؤولي النظام اليوم؟ ففي اعترافات صادمة نشرتها صحيفة “جمهوري إسلامي” الحكومية في عددها الصادر بتاريخ 23 نوفمبر 2025 ، يقول هذا المسؤول: «لم نكن أمناء جيدين. لنعترف بأننا ظلمنا».
إن هذا الاعتراف المتأخر ليس مجرد تصريح عابر، بل هو طرق عنيف على باب التاريخ. فالتاريخ يصل دائماً في اللحظة التي يُظن فيها أن كل شيء قد خمد ودُفن، ليستخرج الخفايا من حناجر القائمين على الظلمة والفساد. تشهد إيران اليوم، في النصف الثاني من عام 1404 (وفق التقويم الإيراني)، إزاحة الستار المستمرة من قبل التاريخ عن أكثر من أربعة عقود من الجرائم المروعة للسلالة “الولائية – الملالي” المعادية للإنسان؛ جرائم بقيت مخفية بإرادة جهاز السلطة، لكنها الآن، وفي هيئة اعترافات لا مفر منها، تعود لتكشف عن نفسها من جديد.
كشفت حرائق الغابات الواسعة التي اندلعت مؤخراً في غابات هيركاني الأثرية شمال إيران، مرة أخرى، عن حقيقة مؤلمة مفادها أن هذه النيران ليست إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الفساد، والنهب، والجرائم البيئية التي يرتكبها نظام ولاية الفقيه
هيكلية الظلام: من خميني إلى خامنئي
لقد نشر خميني الظلام وأسس هيكلاً كان استمرار الظلام شرطاً أساسياً لبقائه. وواصل علي خامنئي هذا المسار، و لإرواء عطش النظام في هذا الظلام، روج للفساد الاقتصادي والطبقي كركيزة للحفاظ على السلطة. ويعترف المسؤول نفسه في هذا الجهاز عبر الصحيفة ذاتها قائلاً: «لقد دُسنا العدالة بأقدامنا. شللنا الاقتصاد. سلبنا الرفاهية من غالبية الشعب. وأججنا الفجوة الطبقية».
هذه الجمل ليست بياناً بسيطاً، بل هي تقرير عارٍ عن أربعة عقود من النهب وفرض الفقر الممنهج؛ فقر ولا عدالة لم يكونا وليدَي الصدفة، بل جزءاً لا يتجزأ من آلية بقاء السلطة.
حماية الأوليغارشية وإطلاق أخطبوط الفساد
لقد أمّن خامنئي حماية أوليغارشية الفساد تحت عباءة ودعم السلطة القضائية، وربى أخطبوطه وأطلقه لينهش في أجساد الناس العزل، كما يقر المسؤول في اعترافاته المنشورة: «أعفينا الأفراد الفاسدين ومنتفعي الريع [أمثال بابك زنجاني]. سمحنا لـ “بنك آينده” بالتضخم لدرجة أنه أصبح أحد العوامل الرئيسية لارتفاع التضخم في البلاد. وفي كل عام، خصصنا في الميزانية العامة للدولة عشرات الآلاف من المليارات من التومان لأجهزة عديمة الفائدة تدعي تقديم خدمات ثقافية».
هذا الوصف يرسم صورة لشبكة لم تؤدِ فقط إلى انهيار أسس الاقتصاد عبر نشر الفساد، بل دمرت أيضاً الثقافة ومعنى “الخدمة العامة”. إن ما تم تدميره ليس فقط معيشة الناس؛ بل الثقة، والأمل، وإمكانية العيش الاجتماعي السليم قد دُمرت أيضاً.
كشفت القراءة المتفحصة للصحف الحكومية في طهران ليوم الاثنين 17 نوفمبر، عن مشهد سياسي واقتصادي شديد الاضطراب. لم تعد الصحف تكتفي بالتلميح، بل انتقلت إلى “التصريح” بحجم الكوارث، بدءاً من انهيار مشروع “الوفاق” السياسي، مروراً بفضائح فساد مصرفي هائلة، وصولاً إلى العجز عن تأمين الدواء والمياه
المجتمع الأورويلّي: تدمير الأخلاق والثقة
يصور جورج أورويل في روايته “1984” تأثير التدمير النفسي للاستبداد وفرض الإكراهات السياسية والعقائدية على ردود فعل الضحايا: مجتمع ينجر بشكل هستيري، أمام حجم الإكراهات المفروضة ونفي الاختيار الحر، نحو تدمير القيم والقتل الاجتماعي للأخلاق والثقافة. ويكشف اعتراف المسؤول ذاته عن هذا الوضع بدقة: «مع انقضاء السنين، نشهد تراجعاً للدين في المجتمع، وابتعاداً عن الأخلاق والثقافة».
هذا التراجع هو نتيجة مباشرة لفقدان مصداقية كل ما أطلقت عليه السلطة اسم الدين والأخلاق؛ فالناس يبتعدون عما فُرض عليهم لأنهم لم يختبروه كحقيقة، بل كأداة للقمع.
ما الذي يجب على الإيرانيين فعله؟
إن طريق خلاص إيران والإيرانيين لا يكمن أبداً في «مراجعة أساسية من قبل المسؤولين للتعويض عن هذا الظلم» كما اقترح صاحب الاعترافات؛ فمثل هذه المراجعة داخل هيكل ولاية الفقيه لا تعني سوى تجميل لطريق مسدود.
الخطوة الأولى هي اختيار دفع الثمن الجماعي للخلاص من هذه الإكراهات المستعبِدة لنظام الملالي صانع البؤس. إن اتحاد الفئات والشرائح الاجتماعية والحضور في قلب الشوارع بمطلب «لا للإعدام» ورفض نظام ولاية الفقيه، هو أحد هذه الحلول؛ إنه سلاح شامل وفعال لجميع الشرائح الاجتماعية والمهنية؛ سلاح للارتقاء بالاصطفاف في مواجهة الإملاءات الاقتصادية والسياسية، وكذلك لتطهير أرض إيران من دنس نظام ولاية الفقيه.
إن طريق الخلاص لا يمر عبر الإصلاح من داخل الهيكل، بل عبر قرار جماعي بإنهائه.
- هُزم في كافة الجبهات.. النظام الإيراني يتمسك بحرب نفسية يائسة لتأجيل سقوطه
- انهيار سوق العمل.. إحصاءات صادمة تكشف حجم الكارثة الاقتصادية في إيران
- اقتصاد رقمي في إيران يواجه انهيار تحت وطأة قيود الإنترنت والضغوط المالية
- هجرة الكفاءات وإغلاق الشركات.. كيف دمرت العزلة الرقمية والحروب قطاع السياحة في إيران؟
- ظلام دامس يلف اقتصاد النظام الإيراني: أزمة كهرباء هيكلية وعجز يلامس 30 ألف ميغاواط
- إيران: تضخم يتجاوز 50%، شلل صناعي تام، ورعب من انتفاضة جياع وشيكة
