الصعود الصاعق للدولار مرآة أزمة إيران الاقتصادية
مع تفعيل آلية «الزناد»، وعودة عقوبات مشلٍّة، ارتفع سعر الدولار في إيران ــ المقهورة بنظام الملالي ــ إلى مستوى غير مسبوق بلغ ١١٦ ألف تومان، فوصلت هزّة جديدة إلى اقتصادٍ منهكٍ لم يبرح منذ سنوات التداعي. هذه القفزة الجامحة ليست مجرد تقلب عملة؛ إنها مرآة صافية للأزمة الاقتصادية التي تتفاقم يومًا بعد يوم. فالدولار مؤشر حيوي لصحة الاقتصاد الإيراني، وله أثر مباشر على التضخّم الجامح، وغلاء السلع، وتآكل القدرة الشرائية لملايين الأسر. كلما ارتفع الدولار، غاص المزيد من الإيرانيين تحت خط الفقر، وتكرّرت تلك الدورة المدمّرة التي يكون نظام الملالي هو السبب الرئيسي فيها.
وضوح مسؤولية سياسات النظام المخربة بات يتردّد حتى داخل أروقة السلطة نفسها. في ٢٨ سبتمبر أعرب النائب صمصامي عن قلقه قائلاً: «أخشى من مجموعة الزناد التي نفعلها بسياسات خاطئة ونقود بها بلدنا إلى الهاوية». ومهاجراني، المتحدثة باسم حكومة بزشکیان، ألقت بدموع التماسيح تحذيرًا من غضب الشارع: «للناس الحق في أن يقلقوا!» ثم كشفت مواقع مقرّبة من النظام مثل «دیدارنیوز» في ٣٠ سبتمبر أن المسؤولين يتعاملون مع الموضوع بلا مبالاة وينكرون تأثير ألية الزناد، بينما وصل الدولار إلى ۱۱۳ ألف تومان مع توقعات بتقلبات أشد في الأسابيع المقبلة. وفي اليوم نفسه عنونت صفيحة تابناک المرتبطة بمحسن رضايی: «المصرف المركزي يعالج المشاكل بالكلام بينما الدولار لا يفهم لغة».
وكشف النائب دستجردي ما يثبت فداحة السياسات: خلال خمسين عامًا تضخّمت كتلة النقد في إيران «٢٢٠ ألف مرة» مقارنةً ببلد مثل الولايات المتحدة حيث زادت «٢٦ مرة» فقط. والسبب المباشر لتكدّس النقد هو طباعة النقود من دون غطاء، وما يترتب عليها من هبوط قيمة الريال وارتفاع جنوني في التضخّم.
ويمكن تلخيص عاملَي الصعود المتكرر للدولار في إيران على النحو الآتي:
أولًا: دور المافيا في تلاعب سعر الصرف لنهب جيوب الناس وتحويلها إلى خزائن «بيت خامنئي» والنظام. حتى موقع حكومي مثل «إيران جيب» أقرّ في ٢٠ أغسطس بأن وزارة الصناعة في حكومة بزشکیان فتحت بوابة ارتفاع الدولار.
ثانيًا: اقتصاد المزارع والامتيازات الذي يقوم عليه هذا النظام، المبني على استيراد مفرط، وتهريب منظّم، وريع، قد أزال كل البنى التحتية للاقتصاد الحقيقي في البلاد. تلك البنية الفاسدة تجعل الدولار ينفجر مع كل صدمة سياسية-اقتصادية ــ مثل تفعيل آلیة الزناد ــ فتسحق قيمة الريال وتدفنها في الوحل.
كل ارتفاع جديد للدولار يدفع حياة الأسر الفقيرة في إيران أقرب إلى الانهيار. لنأخذ مثالًا عمليًا: موظف حكومي يتقاضى راتبًا شهريًا متوسطًا يقارب ۱۸ مليون تومان. عندما كان الدولار ۱۰۰ ألف تومان، كان راتبه يعادل نحو ۱۸۰ دولارًا. أما الآن، مع دولارٍ يبلغ ۱۱۶ ألف تومان، فقد صار المبلغ يساوي نحو ۱۵۵ دولارًا — أي هبوط يزيد على ۲۵ دولارًا من قيمة راتبٍ خلقته ظروف العمل والإنتاج المحلي، خلال قفزة قصيرة لم تتجاوز أسبوعين.
فإلى أين تذهب هذه الخسارة التي تساوي ۲۵ دولارًا؟ الجواب واضح: من جيوب الموظف وشرائح الشعب إلى خزائن المافيا الحاكمة، لتُستخدم لتمويل الإرهاب، وإثارة الحروب، وقمع المواطنين.
لذلك، ما دامت هذه السلطة السارقة على رأس الحكم، فلن نرى انخفاضًا أو استقرارًا حقيقيين في سعر الدولار. بل سنشهد قفزاتٍ جديدة وتضخّمًا منفلتًا يفاقم غضب واحتقان الملايين من الفقراء والعمّال حتى يتجهوا نحو مقاومةٍ واعتصامٍ وربما ثورة تُطيح بهذه العصابة الحاكمة.
- وقف الإعدامات شرط لأي مسار نحو الاستقرار في إيران والمنطقة
- إعدامات مجاهدي خلق… استراتيجية رعب في مواجهة مجتمع يغلي
- إيران وإعدامات سياسية في ظل الحرب
- نظام الملالي يهرب إلى المشنقة لتأجيل سقوطه
- إعدام مجاهدي خلق… محاولة يائسة لإخماد نار التغيير
- لا عودة إلى الوراء: إيران بين سقوط النظام وصعود البديل الديمقراطي
