تصاعد الصراع في هرم السلطة حول التفاوض مع أمريكا
كشف النزاع الداخلي في قمة الفاشية الدينية، لا سيما حول موضوع المفاوضات المحتملة مع الولايات المتحدة، مرة أخرى عن شروخ عميقة و غير قابلة للترميم في بنية السلطة. وفي قلب هذا الصراع، يبرز الجدل الكلامي بين رئيس النظام مسعود بزشكيان وتيار دعاة الحرب الذي يتزعمه الحرسي حسين شريعتمداري. هذا النزاع لا يعكس أزمات النظام في السياسة الخارجية فحسب، بل هو مظهر من مظاهر الاهتزاز الداخلي العميق وتآكل التماسك الأيديولوجي في نظام ولاية الفقيه.
وبدأت القصة مع مقابلة بزشكيان مع تاكر كارلسون؛ حيث حاول تقديم صورة معتدلة ودبلوماسية وسلمية للنظام. خلال الحوار، وفيما يتعلق بفتوى خامنئي حول اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، قال بزشكيان: “الفتوى التي نُشرت لا تتعلق تحديدًا بالرئيس الأمريكي أو أشخاص آخرين، ولا تحمل أبدًا معنى القتل أو التهديد”.
قوبلت هذه التصريحات على الفور برد فعل عنيف من حسين شريعتمداري، ممثل خامنئي في صحيفة “كيهان”، الذي كتب: “إن معلوماتكم مشوهة وغير واقعية. إن أشخاصًا مثل الرئيس الأمريكي ترامب ونتنياهو مشمولون بهذه الفتوى وعقوبتهم هي الإعدام”. كان هذا الرد يحمل بوضوح رسالة تحذير واضحة للزمر الأخرى في السلطة: التراجع عن سياسة إثارة الحروب وإرهاب النظام، حتى على مستوى المناورات اللفظية، هو أمر لا يمكن التسامح معه وله عواقب مدمرة على نظام خامنئي المتهالك.
ولكن تناقضات بزشكيان لم تقتصر على مسألة الفتوى. ففي المقابلة ذاتها، أشار إلى المفاوضات السابقة مع أمريكا قائلاً: “في الجلسة السادسة للمفاوضات، وبينما كنا على طاولة الحوار، ألقت أمريكا قنبلة على الطاولة ودمرت الدبلوماسية”. ثم أضاف: “مما لا شك فيه، نحن مستعدون للدخول في حوار مرة أخرى”. قوبلت هذه التصريحات أيضًا برد لاذع من الحرسي حسين شريعتمداري: “عندما تُلقى قنبلة على طاولة المفاوضات، فما معنى الحديث عن الحوار بعد ذلك؟”.
هذه الازدواجية، أكثر من كونها مجرد عدم تنسيق تكتيكي، هي علامة على صراع استراتيجي في قمة النظام: شرخ بين جناح يرى الإصرار على الإرهاب وإثارة الحروب شرطًا لبقاء الحكم، وجناح يسعى لإعطاء تنفس اصطناعي لجسد النظام المنهار من خلال التفاوض و”المرونة البطولية”.
وفي غضون ذلك، تزامنت هذه التناقضات السياسية مع موجة من الأزمات الداخلية. فقد أدى انقطاع الكهرباء الواسع النطاق، ونقص المياه، ونقص الأدوية، والضغوط الاقتصادية إلى إطلاق حملة إلكترونية انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي بهاشتاغ “#عزل_بزشكيان”. في هذه الحملة، يشير المستخدمون إلى الوضع المعيشي المتردي ويحملون الحكومة المسؤولية المباشرة. وقد أبرزت بعض المنشورات الأكثر تداولاً عبارات مثل “لا كهرباء، لا ماء، لا دواء”.
ورداً على هذه الموجة، تبادلت وسائل الإعلام التابعة لأجنحة النظام المختلفة الاتهامات. كتبت صحيفة “سازندكي”، التابعة للجناح المسمى بـ”الإصلاحي”، في 7 يوليو: “هناك تيار أطلق حملة لعزل بزشكيان. وهو إجراء لا يتعارض مع الظروف الحساسة للبلاد فحسب، بل يمكن أن يضر بالوحدة الهشة للمجتمع في هذه المرحلة الحرجة”.
ومن ناحية أخرى، شنت صحيفة “تابناك”، التابعة للحرسي محسن رضائي، هجومًا أكثر حدة: “والأكثر خيانة من ذلك، في ظل ظروف الحرب، تطلق هذه المجموعة الخائنة هاشتاغ العزل وتمضي قدمًا في مشروع الفوضى وإسقاط الحكومة”. وتحدثت نفس الوسيلة الإعلامية عن “همسات حكومة غير مكتملة”، معتبرة إياه مشروعًا بدأ منذ اليوم التالي لتنصيب بزشكيان.
كما قال فلاحت بيشه، الرئيس السابق للجنة الأمن القومي في البرلمان: “مشروع الضغط على الرئيس هو برنامج مصمم مسبقًا يتم متابعته الآن بأدوات مثل الرسائل النصية القصيرة وشبكات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام”.
ولعل من علامات هذا المأزق السياسي، كلمات بزشكيان نفسه في اجتماع المجلس الإداري لمحافظة كيلان، حيث قال: “لقد فوضنا جميع الصلاحيات للمحافظين… حتى لو قُتلنا نحن، فلا تتعطل شؤون الناس”. هذه الجملة، على الرغم من أنها تبدو توصية تنفيذية في ظاهرها، إلا أنها تعبر بوضوح عن شعور عميق بانعدام الأمن وعدم الاستقرار والانهيار المحتمل في قمة السلطة.
وفي النهاية، ما يميز هذه النزاعات عن غيرها من الصراعات داخل الحكم في الماضي هو شدتها ونطاقها وعلانيتها. هذه النزاعات تؤكد أكثر من أي وقت مضى حقيقة أن الفاشية الدينية لم تعد قادرة على الحفاظ على تماسكها الداخلي. كل الأدلة تشير إلى أن حرب الزمر قد انتقلت من الصراع الكلامي والإعلامي إلى مرحلة التصفية السياسية وحتى الأمنية.
لقد أكدت المقاومة الإيرانية دائمًا أن “لا للحرب، لا للإسترضاء، بل إسقاط النظام” هو الحل الحقيقي والمستدام الوحيد لإيران. واليوم، تتفاقم تناقضات النظام الداخلية يومًا بعد يوم، وفي مثل هذه الظروف، يصبح دعم الحل الثالث من أجل انتقال ديمقراطي وإسقاط حاسم لهذا الحكم المأزوم، ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
- صحيفة لوفيغارو: آلاف يتظاهرون في باريس تنديداً بالإعدامات وللمطالبة بمحاسبة النظام الإيراني
- ترامب يعلن بدء «حصار مضيق هرمز» ويكشف تفاصيل فشل المفاوضات مع إيران
- تقرير رویترزعن تظاهرة الإيرانيين الأحرار وأنصار المجلس الوطني للمقاومة في باريس
- افتتاحية داغنز نيهيتر السويدية: انتقادات لاذعة لدعوة رضا بهلوي للبرلمان ومواقفه الداعمة للحرب
- ماهان تاراج عبر بي إف إم الفرنسية: النظام الإيراني يرتعب من السلام، والهدنة أسقطت رهان ابن الشاه على الحرب
- مظاهرات الإيرانيين الأحرار في ستوكهولم: تحذير من مجازر جديدة ودعوة لتحرك دولي عاجل لوقف الإعدامات
