دروس الانتفاضة
كرست الانتفاضة الديمقراطية للشعب الايراني، التي اندلعت في 16 سبتمبر 2022، مع استشهاد مهسا أميني، وامتدت إلى 282 مدينة في 31 محافظة، وشارك فيها 131 سوقًا و 124 جامعة وكلية ومدرسة فنية على مدى 6 أشهر تجربة نضالية جديدة للشعب الايراني، تحولت الى شاهد على امكانية التغيير الجذري في البلاد، وعبرت عن ارادة الايرانيين في الاطاحة بنظام الملالي، لتصبح رغبتهم في التغيير حقيقة واضحة امام المجتمع الدولي، رغم مساومات اصحاب النفوذ والمصالح الاقتصادية، وتجاهلهم تلاشي اسطورة استقرار النظام.
اهم سمات الانتفاضة استمرارها وعدم رجوعها الى الوراء، لتضيف جديدا الى التجارب الكفاحية للشعب الايراني، في مقدمته حضور الشهداء في التفاعلات اليومية للاحداث، ومكانتهم لدى الايرانيين.
ظل الاحتفال بعيد ميلاد شهيد الانتفاضة ذريعة ودافعا للاحتجاجات، مراسم جنائز الشهداء وذكراهم السنوية أساسا للتجمعات والمواجهات، وباتت التظاهرات امام السجون عند تسرب اخبار عن قرب اعدام سجين، ورشق السجانين بالحجارة ظاهرة لافتة للنظر، مما زاد من كلفة اعدام السجناء على خامنئي.
حاولت دعاية النظام اظهار الشبان المشاركين في الاحتجاجات بصورة الجهلة غير المسيسين، لكن نزولهم الى الشارع، استشهاد واصابة المئات منهم، ابطل مفعول رواية حكم ولاية الفقيه، وتحول الحضور النشط للمرأة الى سمة بارزة في الانتفاضة، حيث تولت النساء مسؤولية المسيرات واستشهد العديد منهن، كما أصبح الوجود النشط والموجه لوحدات المقاومة أكثر حضورا مع بروز هتاف “الموت للطاغية سواء كان الشاه أو خامنئي” باعتباره أحد الشعارات الرئيسية للانتفاضة.
كان لافتا للنظر استناد الانتفاضة الى تجربة نضالية ثرية تمتد الى اربعة عقود، فقد بدأت انتفاضات الشعب الإيراني في 20 حزيران 1981، لا تزال دماء جيل الأبطال في مجزرة عام 1988 و 120 ألف شهيد ومقاتل من مجاهدي خلق والمناضلين تغلي في عروق المجتمع، وتواصلت الاحتجاجات من تسعينيات القرن الماضي في أراك ومشهد وقزوين وإسلام شهر إلى انتفاضات 1999 و 2009 و 2017 و 2019، لتشكل علامات على الطريق.
قطعت الانتفاضات التي تناقلت شعلة الاطاحة بالنظام خطوات هامة للوصول الى هدفها، وواجهت ادعاءات وقف الاحتجاجات بـ “صفعة” التي اطلقها خامنئي فشلا ذريعا في اثبات مصداقيتها، مع استمرار الولي الفقيه في عزل وتنصيب قادة القوى القمعية، وتوفر الشروط اللازمة للوصول إلى مربع الاطاحة بحكم الولي الفقيه.
لم تنتقل من المرحلة الأولى للاحتجاج إلى “العنف” و “النيران المنظمة” مع استفادة خامنئي من امدادات الاستعمار والتوأمه مع ابن الشاه ونشر التيارات المنحرفة وتركيز جهوده على منع انضمام عناصر الانتفاضة الى المقاومة الوطنية باعتبارها حامل راية الكفاح العنيف للإطاحة بالحكم.
هرع التيار الاستعماري الرجعي الغادر بكل قوته، مسنودا بوسائل الاعلام والموارد لمساعدة النظام، صب الماء على نار الانتفاضة، لتصاب بفايروس “الملكية” من خلال الترويج لنهج “الانهيار الذاتي” بدلا من إسقاط النظام، و”اللاعنف” بدلاً من الغضب والنار و”الانتقال السلمي” بدلاً من الثورة، استعاضوا عن التضحية بعدم دفع الثمن والبقاء في البيوت، وترك اسقاط النظام للقوى العظمى بدلا من النزول الى الميدان.
حالت هذه الالتفافات والمؤامرات دون وصول الايرانيين الى هدفهم النهائي، لكنها لم تمنع توجيه الانتفاضة الديموقراطية للشعب الايراني ضربة قوية للنظام والمنحرفين، الوصول الى مرحلة النضج السياسي مع انتشار شعار الموت للظالم سواء كان الشاه أو خامنئي، من كردستان إلى بلوشستان.
التجربة التي قدمتها الانتفاضة بمثابة راس مال للمرحلة التالية من نضالات الايرانيين، طبقة اخرى من اساسات متينة يراكم عليها الايرانيون انجازاتهم، يطلون من منصاتها على المستقبل، فقد بات الشباب على قناعة بان المقاومة الوطنية والرد بالنار طريق الخلاص من العذابات التي يسببها بقاء حكم ولاية الفقيه.





