قام نظام الملالي بتنسيق جهاز سلطته الهش ظنًا منه أنه سيجلس بتعبئة كل قوته على مائدة المفاوضات مع الدول الأعضاء في الاتفاق النووي. وكان سقف مطالب خامنئي في هذه المفاوضات هو إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 واستعادة التنازلات التي مُنحت لولي فقيه النظام الفاشي في ذروة تبني سياسة الاسترضاء المخزية. حتى أنه كان من الواضح لأبسط قوى الزمرة المغلوبة على أمرها في نظام الملالي وأكثرها تفاؤلاً أيضًا أن مثل هذا الشيء لن يحدث على الإطلاق.
لماذا مات الاتفاق النووي لعام 2015؟
عندما تسأل أي شخص على دراية نسبية بعالم السياسة، فإنه سيجيب بأن العودة إلى ذلك الوقت لیست ممکنة ولا منطقیة. فلماذ؟ الإجابة في غاية البساطة ومختصرة في عدة محاور بدون تفصيل، وهي كالتالي:
– جلس نظام الملالي على مائدة المفاوضات تحت وطأة ضغط شديد بسبب العقوبات التي فرضت عليه في عهد ترامب، وفقد مكانته السابقة في توازن القوى والقدرة على الابتزاز.
– كبحت الضربات الاقتصادية التي تلقاها نظام الملالي وحرمانه من المزاد السخي للنفط جماحه إلى حد كبير في الحصول على الأموال غير المشروعة من الهواء فجأة.
– أصبح الغرب له اليد العليا في الحصول على تنازلات من خامنئي بعد العقوبات التي فُرضت على نظام الملالي في عهد ترامب.
– أثرت مؤامرة نظام الملالي المجرم الإرهابية الفاضحة على الأراضي الأوروبية، والتهديد الذي كان من شأنه أن يتسبب في سقوط آلاف الضحايا من البلدان الأوروبية في فرنسا بتفجير الاحتفال السنوي لتجمع المقاومة الإيرانية في باريس؛ على الطاولة السياسية أيضًا وزادت من كبح جماح جشع نظام الملالي.
– والأهم من ذلك كله، هو أن التغيير الخطير للغاية في ميزان القوى في إيران الناجم عن انتفاضات الشعب الإيراني البطولية ضد سلطة الملالي أثناء انتفاضات 2017 و 2018 والانتفاضة الدموية في نوفمبر 2019 جعل الغرب أكثر واقعية في نظرته لمكانة الولي الفقيه الهشة لدى الإيرانيين.
لا يكرر تنازلات لصالح نظام الملالي
وهكذا، فإن الدول الأوروبية، التي لم تكن في زمن ترامب مؤيدة لسياسة "الضغط الأقصى"، ليست مستعدة في هذه الجولة من المفاوضات لقبول مطالب الملالي الغبية. ويمكن اعتبار الإعلان عن القائمة الجديدة من عقوبات الاتحاد الأوروبي على أفراد قوات حرس نظام الملالي المتورطين في مذبحة نوفمبر الدموية في عام 2019 كأحد الأضواء التحذيرية ضد نظام الملالي.
ومن ناحية أخرى، كبح خبر الانفجار في موقع نطنز جماح سلطة الملالي في الابتزاز النووي في المفاوضات، وجعل قادة نظام الملالي والمتطفلين في مجلس شوري الملالي يصرخون.
وأدت هذه الأحداث والمواقف إلى الإخلال بتوازن نظام الملالي واستعراضه الأول بعضلاته. ونتيجة لذلك، فإن التكتيك الذي اعتمد عليه خامنئي حسب ظنه في الحصول على تنازلات في التفاوض مع الغرب قد تلاشى أدراج الرياح، وأعيد الآن تنظيم مائدة المفاوضات من جديد، وتجري الرياح بما لا تشتهي السفن بالنسبة لخامنئي.
خامنئي في مفترق طرق الذل والخوف
بعد انتشار الأنباء المتعلقة بفرض الحظر على 8 أشخاص من القادة المتورطين في قمع انتفاضة نوفمبر 2019، وما تلاها من تفجير موقع نطنز النووي، ارتبك وضع خامنئي وفقد أحد أخطر نقاط ارتكاز الضغط للابتزاز.
وقد تم توجيه هذه الضربة لدرجة أن خامنئي ما زال لا يعرف ماذا يفعل في مائدة المفاوضات المتوترة.
الاتجاهات المتاحة أمام خامنئي
وغني عن البيان أن الجلوس المهين على مائدة المفاوضات بدون الورقة الذهبية "التخصيب النووي" لن يسفر عن نتيجة لمطالب خامنئي الطموحة في الوقت القريب على الإطلاق. وسوف يتسبب مثل هذا النهج في حدوث الكثير من الانتكاسات والتوترات داخل زمرة خامنئي والمزيد من تشويه سمعته لدى قوات حرس نظام الملالي والباسيج بشكل غير مسبوق، وسيفقد خامنئي هيمنته على أرض الواقع، وهذا هو أهم الخطوط الحمراء بالنسبة لنظام ولاية الفقيه. وفي الوقت نفسه، سيكون لهذه الانتكاسات والتوترات تأثير مباشر في ثلامة سيف خامنئي لقمع الشعب.
ولكن على الجانب الآخر، لن يسفر انسحاب خامنئي من المفاوضات ومواجهة الأطراف الغربية عن عدم جنيِّه للأرباح فحسب، بل سيمهد الطريق إلى إحالة الملف النووي لنظام الملالي إلى مجلس الأمن الدولي، وتنزل عصا المادة 7 من ميثاق الأمم المتحدة على رأس الولي الفقيه ونظامه الفاشي كالصاعقة.
والكرة الآن في مقر عنكبوت ولاية الفقيه مثل الكرة النارية. ويبدو أن خامنئي في اختيار الاتجاه الممكن يفكر في اختيار الاتجاه الأقل ضررًا أكثر من التفكير في ربح محتمل. ولا شك في أن خامنئي في هذا المأزق منحصر في الاختيار بين الموت أو الانتحار، نظرًا لأن نهاية كل من الاتجاهين ستفضي إلى سقوط نظام الملالي.

