من يملك إلزام أجنحة النظام الإيراني بأي اتفاق مع واشنطن؟
في تحليل سياسي نشرته منصة «ريل كلير وورلد» الأمريكية، سلّط الكاتب والباحث في الشأن الإيراني حميد عنايت الضوء على المعضلة الجوهرية التي تقف حائلاً دون التوصل إلى اتفاق مستدام بين واشنطن وطهران؛ مؤكداً أن العقدة الأساسية لا تكمن في الجداول الزمنية لتخفيف العقوبات أو الصياغات الفنية الخاصة بالملاحة في مضيق هرمز، بل في بنية صنع القرار داخل نظام ولاية الفقيه والتصدعات التي أعقبت مقتل علي خامنئي. ورأى التحليل أن التحدي الحقيقي أمام أي مفاوض ليس قدرة الوفد الدبلوماسي على قبول الشروط، بل وجود سلطة مركزية تمتلك النفوذ الكافي لإلزام كافة مراكز القوى المتناحرة—وفي مقدمتها قيادات الحرس والأجهزة الأمنية—بتنفيذ الاتفاق ميدانياً في ظل اشتعال الغضب الشعبي في الداخل.
سلّط وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الضوء مؤخراً على معضلة جوهرية تقف حائلاً دون التوصل إلى اتفاق مستدام بين واشنطن وطهران؛ وهي عقبة لا يمكن تذليلها عبر تعديل جداول تخفيف العقوبات أو صياغة بنود إضافية بشأن الملاحة في مضيق هرمز. وتتلخص هذه الإشكالية في أن واشنطن قادرة على التفاوض مع ممثلي «الدولة» في إيران، لكن أي تفاهم لا بد أن يمر عبر المتمسكين بنهج «الثورة»؛ وهو ما وصفه روبيو بـ«العائق الحقيقي». غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم لا يقتصر على تحديد من يملك سلطة القرار في طهران، بل يمتد إلى معرفة الطرف القادر على إلزام كافة مراكز القوى بتنفيذ الاتفاق وصيانته بعد مغادرة المفاوضين قاعة الاجتماعات.
خلافة مجتبى خامنئي وانحسار سلطة الحسم
منذ مقتل علي خامنئي في فبراير/شباط الماضي، احتفظ النظام بلقب «الولي الفقيه»، لكنه خسر المحكّم التاريخي الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في بناء شبكات نفوذ مكّنته من فرض القرارات المكلفة وتسوية الخلافات بين المؤسسات المتنافسة. ويشغل ابنه مجتبى خامنئي المنصب ذاته اليوم دون أن يمتلك الهيبة الشخصية أو سلطة الحسم التي تمتع بها والده؛ حيث كشفت التقارير أن مركز الثقل في زمن الحرب قد انتقل بوضوح نحو قادة الحرس ومجلس الأمن القومي، بينما يقتصر دور رأس الهرم الحالي على مباركة ما يصوغه الآخرون.
وقد تجلى هذا الضعف البنيوي بوضوح في مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران الماضي؛ حين أعلن مجتبى خامنئي صراحة تبنيه رؤية مغايرة للاتفاق، لكنه سمح بتوقيعه بعدما حمّل الرئيس مسعود بزشكيان، بصفته رئيساً لمجلس الأمن القومي، المسؤولية السياسية الكاملة نيابة عن الأعضاء. ويعكس هذا السلوك آلية القيادة في تفويض المسار الدبلوماسي مع تحصين نفسها مسبقاً من التبعات السياسية لأي فشل محتمل.
شبح الانتفاضة الداخلية وضغوط الانفجار المجتمعي
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في مناخ داخلي بالغ الاحتقان، بعدما وثقت منظمة العفو الدولية إقدام قوات أمن النظام على قتل آلاف المتظاهرين السلميين وعابري السبيل خلال انتفاضة يناير/كانون الثاني الدامية. ورغم لجوء الفاشية الدينية إلى القمع المسلح لإنهاء الوجود في الشوارع، فإن المظالم والأسباب الجذرية التي فجرت الغضب الشعبي لا تزال قائمة، بل تعمقت بفعل وطأة الحرب والأزمة المعيشية الطاحنة.
وأمام الرعب من تجدد الثورة الشعبية، أعلنت السلطات تسجيل أكثر من 600 ألف شخص للتدريب العسكري، مع توظيف ميليشيات الباسيج كأداة قمع داخلية. وتزامن ذلك مع معطيات كشفت عن استنفار أكثر من 51 ألف عنصر من قوات الشرطة والحرس والباسيج للسيطرة على طهران الكبرى وإعلان حالة التأهب القصوى؛ مما يؤكد أن النظام يخوض أي مفاوضات تحت ضغط مزدوج يفرضه الحصار الخارجي والغليان الداخلي.
تضارب الأولويات وتآكل تماسك المنظومة
تتجاذب مؤسسات النظام مصالح وأولويات متناقضة تجعل من الصعب تماسك أي اتفاق؛ فبينما تسعى الرئاسة ووزارة الخارجية لتخفيف حدة التضخم الجامح وحماية ما تبقى من دورة الاقتصاد، يرى قادة الحرس أن بقاءهم وهيمنتهم مرتبطان باستمرار المواجهة الخارجية وتكريس سطوتهم الأمنية، مع استخدام خطاب «العدو الخارجي» لتبرير قمع المحتجين وتصفيتهم. ولذلك، فإن تقديم أي تنازلات جوهرية بموجب اتفاق دائم قد يهدد بتمزيق اللحمة الهشة لتلك القوى القمعية التي يستند إليها النظام في احتواء مجتمع لم يندمل جرحه بعد مجازر يناير.
أربعة أسئلة حاسمة تكشف شلل الضمانات
إن تأكيد مسؤولي طهران امتلاك وفدهم الدبلوماسي «الصلاحيات الكاملة» لا يجيب إلا عن الشق الأول من أربعة أسئلة عملية تفرض نفسها على طاولة المفاوضات:
- من يملك حق التفاوض؟
- من يملك صلاحية قبول الشروط النهائية؟
- من يستطيع إصدار أوامر ملزمة للمؤسسات العسكرية والأمنية لتنفيذها ميدانياً؟
- من يملك القدرة على منع تلك الأجهزة من تقويض الاتفاق عند تغير الظروف؟
قد يتولى بزشكيان المسؤولية السياسية، وقد يصادق مجلس الأمن القومي على الإطار العام، كما يمكن لمجتبى خامنئي إصدار الإذن الشكلي، إلا أن تفاهمات الصواريخ أو الميليشيات الإقليمية تظل رهينة الأجهزة الميدانية التي تدير تلك الأسلحة. لم تعد المشكلة اليوم تكمن في قدرة طهران على قول «نعم»، بل في وجود سلطة مركزية قادرة على تمرير تلك «النعم» عبر مفاصل النظام الممزقة وضمان استمرارها.
- 20 عملية نارية لـ وحدات المقاومة تستهدف مقرات الحرس والأمن في 10 مدن إيرانية
- من يملك إلزام أجنحة النظام الإيراني بأي اتفاق مع واشنطن؟

- إسبانيا تجدد دعمها الكامل لمنظومة العقوبات الأممية ضد النظام الإيراني
- واشنطن تطرد عضوين من وفد النظام الإيراني بالأمم المتحدة
- 8 عمليات لوحدات المقاومة في زاهدان وراسك وإيرانشهر وخاش ضد مراكز الحرس والباسيج وسائر القوات القمعية
- إيران: إعدام تعسفي لسياوش جمشيدي، سجين انتفاضة يناير في شهركرد بتهمة الحرابة
