شلل الأسواق الإيرانية بسبب انقطاع الطاقة
تحولت أزمة انقطاع التيار الكهربائي وشح مياه الشرب في إيران إلى تهديد وجودي مباشر يمس مقومات الحياة الأساسية لملايين المواطنين؛ إذ باتت الخدمات البديهية امتيازاً بعيد المنال في ظل معاناة 12 محافظة تضم نحو 40 مليون نسمة من الإجهاد المائي الحاد خلال صيف 2026. وتتزامن هذه الكارثة مع تقنين مياه الشرب لساعتين فقط في بعض القرى، وتدفق مياه ملوثة وموحلة من صنابير المنازل في الأهواز، فضلاً عن إغراق العاصمة طهران في ظلام دامس وشلل تام للأسواق؛ مما يعري الفشل الهيكلي لـ نظام الولي الفقيه في إدارة البنية التحتية، واستنزافه لثروات البلاد ومقدراتها لصالح تمويل أجهزة حرس النظام الإيراني والإنفاق العسكري على حساب مقومات بقاء المجتمع.
من زجاجات العطر إلى سندات الملكية.. «اقتصاد البقاء» يكشف حجم الفقر في إيران
لم تعد أزمة الفقر في إيران مجرد أرقام صماء تُصدرها مراكز الإحصاء الرسمية، بل أصبحت واقعاً ملموساً يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية للشارع الإيراني. وفي الوقت الذي تصر فيه الأجهزة التابعة لنظام الولي الفقيه على أن الضائقة المعيشية مجرد عارض مؤقت، تكشف المنصات الإلكترونية للمبيعات عن حقيقة اقتصاد جديد يُعرف بـ«اقتصاد البقاء»، اضطرت حتى وسائل إعلام حكومية إلى الاعتراف به، موثقةً انتشار إعلانات غريبة من تأجير الحواسيب المحمولة وبيع زجاجات العطر الفارغة والشعر الطبيعي، وصولاً إلى تأجير سندات الملكية وقسائم الرواتب.
تقنين جائر وعطش يضرب 40 مليون مواطن
تكشف البيانات الصادرة عن وسائل الإعلام الرسمية في طهران عن اتساع غير مسبوق في رقعة أزمة المياه؛ حيث اعترفت وكالة “إرنا” بأن الإجهاد المائي يضرب 12 محافظة إيرانية بشكل مباشر. وتتجسد المأساة بوضوح في قرية “كمر عليا” التابعة لمدينة إسلام آباد غرب، حيث لا يحصل الأهالي على مياه الشرب سوى لمدة ساعتين فقط يومياً، مما يجبر العائلات على تخزين المياه في ظروف قاسية وسط درجات حرارة مرتفعة لتغطية احتياجات 22 ساعة متبقية. وفي مدينة مشهد، أقر مسؤولو المياه بتراجع حصة الفرد اليومية إلى 120 لتراً مقارنة بالمتوسط العام، معترفين بعجز المنظومة الحاكمة عن تمويل المشاريع المائية وتحديث شبكات الإمداد المتهالكة.
ظلام دامس في طهران ومياه موحلة في الأهواز
امتدت تداعيات الأزمة لتضرب كبرى المدن الحضرية عبر انقطاعات متزامنة للكهرباء والمياه؛ ففي العاصمة طهران، أدى انقطاع التيار الكهربائي في أحياء مثل “كيانشهر” إلى توقف مضخات المياه وقطع الإمدادات بالكامل عن المنازل، مما حول الحياة اليومية للمواطنين إلى جحيم في ظل الحر والظلام. وفي مدينة الأهواز، وثق السكان تدفق مياه شديدة التلوث والملوحة تشبه مياه الصرف الصحي من صنابير المنازل، مما يجعلها غير صالحة للاستخدام الآدمي أو الاستحمام لما تسببه من أمراض جلدية والتهابات خطيرة، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين تدفق المياه الشكلي عبر الأنابيب وتوفر مياه نظيفة وصالحة للشرب.
شلل الأسواق وتدمير الأعمال التجارية
تسببت الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي في شلل واسع للأنشطة الاقتصادية وتكبيد أصحاب المتاجر والمشاريع الصغيرة خسائر فادحة؛ حيث شهدت أسواق طهران احتجاجات من قبل التجار وأصحاب المحال الذين تعطلت أعمالهم خلال ساعات الذروة المسائية. وفي ظل الأعباء الناتجة عن ارتفاع الإيجارات، والضرائب الجائرة، وتصاعد التضخم الشهري، يجد الكسبة أنفسهم عاجزين عن تغطية نفقاتهم اليومية، بينما تقابل الأجهزة الأمنية أي اعتراض سلمي باتهامات أمنية جاهزة وتلفيق تهم إثارة الشغب، مما يحول أزمة الطاقة إلى عامل مباشر لتدمير المداخيل وتعميق الفقر.
نضوب المياه الجوفية وتمييز صارخ لصالح أجهزة القمع
تدخل الأزمة مرحلة بيئية بالغة الخطورة مع استنزاف الخزانات الجوفية؛ إذ حذر مسؤولو شركة المياه الإقليمية في يزد من وصول المياه الجوفية إلى نقطة حرجة غير قابلة للتعويض بسبب السحب الجائر وسوء الإدارة المزمن لسنوات طويلة. وتترافق هذه الكارثة البيئية مع تمييز مؤسسي صارخ؛ حيث كشفت شهادات لمجندين في المعسكرات العسكرية الحكومية عن إصابتهم بالتسمم نتيجة تلوث مياه الشرب واضطرارهم لشراء المياه المعبأة على نفقتهم الخاصة، في حين يتم توفير المياه النظيفة والمعبأة بسخاء للمراكز والمنشآت التابعة لـ حرس النظام الإيراني، مما يبرز الازدواجية في توزيع أبسط مقومات العيش بناءً على الولاء الأمني.
انهيار سوق العمل في إيران يدفع الملايين نحو هوامش الاقتصاد غير الرسمي
تكشف المؤشرات الاقتصادية والواقع المعيشي في إيران عن انهيار بنيوي شامل يطال سوق العمل وقطاع الإنتاج، متجاوزاً بكثير الأرقام المضللة التي تروّج لها الدوائر الرسمية للنظام؛ إذ أدى خروج أكثر من مليون شخص من سوق العمل وتبخر مئات الآلاف من الوظائف الصناعية إلى تفاقم ظاهرة العاملين الفقراء وارتفاع مؤشر البؤس إلى مستويات قياسية. وفي ظل هيمنة مؤسسات الولي الفقيه وشركات حرس النظام على مفاصل الاقتصاد وتوجيه مقدرات البلاد نحو المغامرات العسكرية، تتآكل القوة الشرائية للأجور أمام التضخم الشهري المتصاعد، ما يدفع ملايين المواطنين نحو هوامش الاقتصاد غير الرسمي ويضع المجتمع على حافة انفجار شعبي وشيك.
تبديد الثروات وأكذوبة دعوات الصبر والتحمل
تثبت المعطيات أن رمي أسباب الأزمة على الجفاف والتغير المناخي لا يعدو كونه محاولة للهروب من المسؤولية؛ فالبلاد تمتلك موارد طاقة ومصادر طبيعية ضخمة، إلا أن عقوداً من الفساد الهيكلي وسوء التخطيط حوّلت هذه الموارد إلى مشاريع لخدمة التوسع العسكري والأجهزة الأمنية، مع حرمان قطاعات المياه والكهرباء من الاستثمارات الضرورية. وأمام هذا الواقع، لم يعد لخطابات المسؤولين الداعية إلى “التحمل والصبر” أي صدى لدى المواطنين الذين باتوا يدركون أن حرمانهم من المياه والكهرباء هو النتيجة المباشرة لسياسات الاستبداد والنهب التي تقودها الفاشية المتسترة بعباءة الدين.
يُمثل تحول مياه الشرب والكهرباء إلى سلع نادرة في إيران الوجه الأكثر وضوحاً لانهيار منظومة الحكم وإفلاس نظام الولي الفقيه؛ إذ لم يعد التردي المعيشي مجرد ضائقة اقتصادية عابرة، بل غدا صراعاً يومياً من أجل البقاء في وجه التلوث والعطش والظلام. إن استنزاف ثروات الشعب لصالح أجهزة حرس النظام وتجاهل الاحتياجات الحيوية يراكمان أسباب الغضب الشعبي، مؤكدين أن إنقاذ البنية التحتية والبيئة واستعادة الخدمات الأساسية باتا يرتبطان بصورة حتمية بإسقاط الاستبداد وتفكيك شبكات النهب المنظم.
- رسالة السيدة مريم رجوي إلى مؤتمر في البرلمان الأسترالي
- شلل الأسواق الإيرانية بسبب انقطاع الطاقة

- إيران على حافة الانفجار.. انهيار اقتصادي وتفكك داخلي وغضب شعبي متصاعد
- الانهيار المعيشي في إيران.. إفلاس النظام يسرّع الانفجار الشعبي
- أكسيوس: توسيع ممر بحري تحت حماية أميركية لنقل النفط عبر مضيق هرمز
- واشنطن إكزامينر: مجزرة 1988 لم تنته.. المشانق ما زالت أداة النظام الإيراني
