إيران: كيف تحولَ الدعمُ الحكوميُّ إلى أزمةٍ تُنهِكُ التجارَ والمواطنين؟
كان يُفترض بمشروع البطاقة التموينية الإلكترونية أن يخفف جزءاً من أعباء التضخم الشهري والمعيشي القاسي عن كاهل العائلات الإيرانية، لكنه سرعان ما تحول إلى مأزق معقد ألقى بظلاله الثقيلة على المتاجر والمستهلكين على حد سواء. إن التأخير المتمادي في تسديد مستحقات المتاجر المشاركة، وتوقف العديد من المحال التجارية عن قبول البطاقة، إلى جانب تبادل الاتهامات بين المؤسسات الحكومية، وضع هذا البرنامج في دائرة الفشل، ليتحول الدعم المُعلن إلى عبء إضافي أضر بالقطاع التجاري وتسبب في إرباك المواطنين المشمولين.
ورغم التعهدات الرسمية بتسديد مستحقات المتاجر خلال 72 ساعة كحد أقصى، كشف الواقع الميداني عن تأخيرات تتجاوز الشهر الكامل دون صرف الأموال المترتبة على البضائع المباعة. هذا الانقطاع المالي تسبب في أزمة سيولة حادة لدى أصحاب السوبرماركت والمحلات التجارية، مما أدى إلى ارتجاع الشيكات المباشرة وتجميد الحسابات المصرفية للكثير من التجار، وسط رد حكومي مقتضب يتلخص في عبارة «انتظروا». ومع ارتفاع معدلات التضخم الشهري، أدت هذه المماطلة إلى تآكل رؤوس أموال التجار وفقدان اعتبارهم لدى الموردين، ما دفع العديد منهم إلى اتخاذ قرار بإيقاف التعامل ببطاقات الدعم، وهو ما حَرَم الأسر الضعيفة من الحصول على السلع الأساسية.
تحليل اقتصادي: التضخم في إيران وحدود ما يمكن أن يحققه الاتفاق مع الولايات المتحدة
يناقش التقرير الجذور البنيوية للأزمة الاقتصادية والتضخم المفرط في إيران، معتبراً أن النظام السياسي الديكتاتوري ينتج حتماً اقتصاداً مشوهاً ومريضاً. ويشير التحليل إلى أن توجيه موارد البلاد لخدمة بقاء السلطة الحاكمة وتفكيك المؤسسات المستقلة على مدى خمسة عقود جعلا من شبه المستحيل بناء اقتصاد تنموي شفاف، مؤكداً أن الأزمة أعمق من مجرد عقوبات أو قرارات عابرة بل ترتبط بشكل مباشر بهيكل الحكم التوتاليتاري.
وفي خضم التصاعد الميداني للاحتجاجات، تجلت حالة التخبط الإداري وتنصل الأجهزة التنفيذية من المسؤولية؛ إذ أعلن البنك المركزي أنه يقتصر على إجراء العمليات المصرفية دون تحمل أعباء الميزانية، مشيراً إلى أن مسؤولية التمويل انتقلت مع ميزانية العام الجديد إلى منظمة التخطيط والميزانية. وفي المقابل، ألقت هيئة التخطيط بالكرة في ملعب الإيرادات العامة، مؤكدة أن صرف المستحقات يرتبط بتحصيل الإيرادات الحكومية لتغذية حسابات وزارة التعاون والرفاه الاجتماعي. هذا التضارب الإداري ترك التجار في مهب الريح دون جهة محددة تتحمل الالتزامات المترتبة على المشروع.
ولم تتوقف تداعيات هذا الخلل عند حدود الخسائر التجارية، بل امتدت لتلمس الفئات الأكثر هشاشة مثل العمال، والمتقاعدين، وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين باتوا يجوبون الأسواق بحثاً عن منافذ تقبل بطاقاتهم دون جدوى. وقد دفع هذا التخبط نائباً في لجنة الأمن القومي بالبرلمان إلى إرسال تحذير مباشر إلى النائب الأول لرئيس الحكومة، مؤكداً أن ارتباك المنظومة الإلكترونية وتأخر التسويات المالية أديا إلى إرباك الشارع الإيراني وتعميق حالة السخط الشامل.
يُثبت التعثر الراهن لمشروع البطاقة التموينية أن إطلاق البرامج الخدمية دون ضمان موارد مالية مستدامة يعكس أزمة إدارة بنيوية عميقة لدى نظام الولي الفقيه. إن التغاضي عن حقوق التجار وتغذية المواطنين بالوعود الخاوية لا يساهمان فقط في تدمير ثقة القطاع الخاص بالمبادرات الحكومية، بل يحولان برامج الدعم المفترضة إلى بؤر جديدة للاحتجاج والغضب الاجتماعي في طهران ومختلف المحافظات.
- إيران: كيف تحولَ الدعمُ الحكومي إلى أزمة تُنهِك التجارَ والمواطنين؟

- الفقر يتصاعد في إيران وسط انهيار اقتصادي يطال نصف السكان
- مؤشر البؤس في إيران يرتفع إلى 96%… و19 محافظة تتجاوز حاجز 100%
- تسريبات تكشف صراع نفوذ داخل النظام في إيران
- هدرٌ يلتهم مليارات الدولارات من الغاز الطبيعي في إيران
- رويترز: تجميد حسابات شركة النفط الوطنية الإيرانية بسبب ديون متراكمة
