هدرٌ يلتهم مليارات الدولارات من الغاز الطبيعي في إيران
على الرغم من امتلاكها ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم، لا تزال إيران تحرق كميات هائلة من الغاز المصاحب للنفط عبر الشعلات، في وقت تلوح فيه في الأفق أزمة طاقة جديدة مع اقتراب فصل الشتاء. فحتى قبل أن ينتهي الصيف ويلتقط الإيرانيون أنفاسهم بعد أشهر من انقطاعات الكهرباء المتكررة، بدأ المسؤولون بالتحذير من عجز كبير في الغاز الطبيعي هذا الشتاء، في مفارقة تعكس تناقضاً طويل الأمد بين ثروة البلاد الغازية الهائلة وعجزها المزمن عن تلبية الطلب المحلي. ويرى خبراء أن سنوات من نقص الاستثمار وتدهور البنية التحتية وفشل السياسات تركت البلاد عرضة لأزمات طاقة متكررة، فيما تُحرق مليارات الدولارات من الثروة الوطنية في الهواء كل عام.
تحذيرات رسمية من عجز كبير في الغاز شتاءً
أقرّ محمد جعفر قائممقام، نائب الرئيس مسعود بزشكيان للشؤون التنفيذية، بأن إيران ستواجه خلال الشتاء المقبل عجزاً يومياً في الغاز الطبيعي يقارب 100 مليون متر مكعب، مشيراً إلى أن البلاد ستواجه عجزاً في الطاقة يتوجب إدارته حتى لو لم يكن الشتاء المقبل قارس البرودة. وربط قائممقام جزءاً من العجز المتوقع بأضرار لحقت بالمصافي خلال النزاع العسكري الأخير، إلا أن إيران تعاني من نقص متكرر في الغاز شتاءً منذ سنوات طويلة سبقت هذه الأحداث، ما يشير إلى مشكلات بنيوية أعمق تشمل تقادم البنية التحتية وتراجع الضغط في حقول الغاز الكبرى ونقص الاستثمار المزمن وعجز النظام الإيراني عن تحديث قطاع الطاقة.
تنزيلات النفط الإيراني.. كيف يهدر النظام ثروةً وطنيةً لتأمين السيولة؟
كشفت القرارات الأخيرة الصادرة عن شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) بشأن الخفض الحاد في الأسعار الرسمية لبيع النفط الخام الموجه للمشترين الآسيويين لشهر أغسطس 2026 عن حجم الضغوط المالية الخانقة التي تحاصر نظام الولي الفقيه. وبينما يلجأ النظام إلى التفريط بالقيمة الاستراتيجية للثروة الوطنية الأبرز في البلاد لتأمين السيولة النقدية العاجلة، تؤكد موجة التراجع الحاد في الأسعار—التي وصفتها وسائل إعلام مالية دولية بالانتقال من الشقة الفاخرة إلى القبو—أن خيارات طهران الاقتصادية باتت محدودة للغاية في ظل العقوبات والعزلة وتصاعد الاحتقان الشعبي الداخلي.
كميات ضخمة من الغاز لا تزال تُحرق هدراً
بحسب بيانات شركة النفط الوطنية الإيرانية، يُنتَج نحو 80 مليون متر مكعب من الغاز المصاحب يومياً أثناء استخراج النفط، ويُحرق جزء كبير منه بسبب نقص بنية التجميع والمعالجة. وقدّر مركز أبحاث البرلمان الإيراني أن إيران أحرقت نحو 50.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً عام 2022، وهي كمية تعادل تقريباً الطاقة الإنتاجية لمرحلتين من حقل بارس الجنوبي، وتقارب حجم صادرات إيران اليومية من الغاز الطبيعي في العام نفسه. وقدّر المركز أن حرق الغاز كلّف إيران نحو 33.8 مليار دولار من القيمة الاقتصادية الضائعة خلال العقد الماضي، فيما كان بإمكان الكمية المحروقة عام 2022 وحدها أن تدرّ عائدات تقارب 4.6 مليارات دولار لو جرى تصديرها.
إيران من بين أكبر الدول حرقاً للغاز عالمياً
بحسب “الراصد العالمي لحرق الغاز” التابع للبنك الدولي، جاءت إيران في المرتبة الثانية عالمياً في حرق الغاز عام 2025 بعد روسيا، إذ أحرقت روسيا نحو 30.28 مليار متر مكعب مقابل نحو 29.93 مليار متر مكعب لإيران. ورغم أن إنتاج روسيا النفطي يفوق إنتاج إيران بأكثر من الضعف، لم يتجاوز حجم حرقها لحجم إيران سوى بنحو واحد بالمئة، وهو ما يزداد وضوحاً عند قياس كثافة الحرق: إذ تحرق إيران نحو 19.55 متراً مكعباً لكل برميل نفط منتَج، مقابل 0.69 متر مكعب للسعودية و0.98 متر مكعب للإمارات و2.43 متر مكعب لقطر، ما يضع إيران بين الدول الأقل كفاءة في استغلال الغاز المصاحب.
دول الجوار خفّضت هدر الغاز بشكل ملحوظ
استثمرت دول منتجة في المنطقة بكثافة في تجميع الغاز المصاحب بدلاً من حرقه؛ إذ طوّرت السعودية منظومة الغاز الرئيسية منذ سبعينيات القرن الماضي، فيما وسّعت الإمارات بنيتها التحتية لتجميع الغاز عبر استثمارات قادتها شركة أبوظبي الوطنية للبترول، ما ساهم في خفض كثافة الحرق إلى واحدة من أدنى المستويات عالمياً بحسب تقييم البنك الدولي لعام 2026. وبدلاً من إهدار الغاز المصاحب، تستخدمه هذه الدول لتوليد الكهرباء وتغذية الصناعات البتروكيماوية وإنتاج الغاز الطبيعي المسال وخلق قيمة اقتصادية إضافية.
مليارات الدولارات تُهدر سنوياً
أحرقت إيران نحو 22.8 مليار متر مكعب من الغاز المصاحب عام 2024، وهو أعلى حجم سنوي مسجّل، بخسارة اقتصادية تقدَّر بنحو 9 مليارات دولار وفق أسعار الغاز الأوروبية المرجعية، أي ما يعادل نحو 1.04 مليون دولار من الغاز المحروق كل ساعة طوال العام. وبين عامي 2012 و2024، أحرقت إيران نحو 203 مليارات متر مكعب من الغاز، بقيمة تقدَّر بنحو 85.6 مليار دولار، أي ما يقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي الإيراني المقدَّر بنحو 341 مليار دولار عام 2025.
مسؤولون يقرّون باستمرار المشكلة
في شباط/فبراير 2026، أقرّ الرئيس مسعود بزشكيان بأن إيران لا تزال تحرق نحو 50 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، مقدّراً الخسارة اليومية بنحو 17 مليون دولار، وأن كل مليون متر مكعب محروق يمثّل نحو 330 ألف دولار من القيمة الضائعة.
نائب برلماني إيراني: فضيحة الـ94 مليار يورو لدى الوسطاء الماليين تفوح منها رائحة الفساد
اعتبر غلام رضا دهقان ناصرآبادي، عضو لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، أن ملف عدم عودة 94 مليار يورو من التعهدات المالية المرتبطة بشبكات الوسطاء الماليين«التراستي» يعكس حالة من سوء الإدارة، مؤكداً أن القضية «تثير الكثير من الشبهات» وتقف وراءها عمليات تواطؤ وفساد واسعة. وجاءت تصريحات دهقان بعد أيام من إعلان رئيس منظمة التفتيش العامة في إيران، ذبيح الله خدائيان، أن نحو 94 مليار يورو من التعهدات بالعملة الأجنبية لم تتم تسويتها، مشيراً إلى أن «بعض الوسطاء الماليين خانوا الأمانة» ولم يعيدوا الأموال المستحقة.
يرى مختصون أن استمرار حرق الغاز في إيران ناجم عن اختلالات بنيوية لا عن قصور تقني، أبرزها تقادم البنية التحتية النفطية والغازية، ونقص الاستثمار المزمن، والعقوبات الدولية التي تقيّد الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، وضعف الحوكمة والسياسات التنظيمية. ويشير منتقدون إلى أن النظام الإيراني منح الأولوية للإنفاق العسكري الإقليمي ودعم الجماعات الموالية له على حساب الاستثمار في تحديث البنية التحتية للطاقة. ويؤكد البنك الدولي أن التقنيات اللازمة لتجميع الغاز المصاحب متوفرة عالمياً، وأن العوائق الرئيسية تكمن في ضعف الاستثمار والبنية التحتية التنظيمية والحوكمة.
كان بالإمكان أن يسهم تجميع الغاز المصاحب في تفادي خسائر تقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً، والتخفيف من أزمات الطاقة المتكررة، عبر توليد الكهرباء وتزويد المصانع البتروكيماوية والصناعات المحلية بالوقود، مع خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء في مناطق إنتاج النفط. لكن مع اقتراب شتاء جديد، تجد إيران نفسها مجدداً أمام شبح نقص الغاز، رغم امتلاكها واحداً من أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، في مشهد يجسّد كيف لا يزال سوء الإدارة ونقص الاستثمار وفشل السياسات يقوّضان أمن الطاقة والإمكانات الاقتصادية للبلاد.
- مؤشر البؤس في إيران يرتفع إلى 96%… و19 محافظة تتجاوز حاجز 100%
- تسريبات تكشف صراع نفوذ داخل النظام في إيران
- هدرٌ يلتهم مليارات الدولارات من الغاز الطبيعي في إيران

- رويترز: تجميد حسابات شركة النفط الوطنية الإيرانية بسبب ديون متراكمة
- إيران تغلي.. فواتير الكهرباء تقفز 300% والسكن يبتلع دخول الأسر
- إيران: ارتفاع تكاليف الإنترنت وتراجع جودته يفاقمان أزمة الاقتصاد الرقمي
