الحرب الخارجية لا تحجب الحرب الحقيقية داخل إيران
في الوقت الذي لا تتوقف فيه آلة الإعدامات في إيران، تتأكد حقيقة باتت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: المعركة الرئيسية التي يخوضها النظام ليست مع الخارج، وإنما مع المجتمع الإيراني نفسه. فاستمرار تنفيذ أحكام الإعدام بصورة شبه يومية يعكس أن السلطة تعتبر الاحتجاج الداخلي والتململ الشعبي التهديد الأكبر لبقائها، وأن كل الأزمات الخارجية لا تعدو كونها غطاءً سياسياً وإعلامياً لتأجيل مواجهة هذا الواقع.
لقد كشفت الأحداث التي رافقت تنفيذ الإعدام العلني في ميدان عليخاني بمدينة أصفهان عن جانب مهم من المزاج العام داخل إيران. فبدلاً من أن تحقق الإعدامات العلنية هدفها التقليدي المتمثل في بث الرعب بين المواطنين، واجهها الأهالي بالتجمع والاحتجاج والهتافات المناهضة لمنفذي الإعدام. وكانت تلك المشاهد دليلاً على أن سياسة التخويف لم تعد تحقق النتائج التي يراهن عليها النظام.
ولم يكن ما جرى في أصفهان حدثاً معزولاً، فقد شهدت مدينة رشت أيضاً تجمعاً احتجاجياً ضد سياسة الإعدام، ردد خلاله المشاركون شعاراً لافتاً:
«سنبقى صامدين حتى إلغاء حكم الإعدام».
وقد انتشر هذا الشعار على نطاق واسع داخل الفضاء السياسي والاجتماعي الإيراني، ليعكس تحولاً متزايداً في النظرة الشعبية إلى الإعدام، من كونه مجرد عقوبة جنائية إلى كونه رمزاً لسياسة القمع التي يعتمدها النظام في إدارة أزماته الداخلية.
إن استمرار الإعدامات، في مثل هذه الظروف، لا يُقرأ بوصفه دليلاً على قوة الدولة، بل باعتباره مؤشراً على اعتمادها المتزايد على أدوات القسر للحفاظ على الوضع القائم. فعندما تصبح المشانق وسيلة دائمة لمواجهة المطالب الاجتماعية والسياسية، فإن ذلك يعكس اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويؤكد أن أدوات الردع التقليدية لم تعد كافية لإعادة إنتاج حالة الخوف التي سادت في مراحل سابقة.
ومن هذا المنطلق، لم تعد الاحتجاجات ضد الإعدام مجرد اعتراض على أحكام قضائية، وإنما تحولت إلى تعبير أوسع عن رفض نهج يقوم على الترهيب واستخدام العقوبات القصوى كوسيلة لإدارة الشأن الداخلي. ولهذا، فإن كل عملية إعدام جديدة لا تؤدي بالضرورة إلى إخماد الاحتجاجات، بل قد تساهم في توسيع دائرة الغضب الشعبي وتعزيز المطالب المرتبطة بالعدالة وحقوق الإنسان.
كما أن استمرار الاحتجاجات داخل المدن، واتساع حملة «ثلاثاءات لا للإعدام» داخل السجون الإيرانية، يعكس أن المعارضة لسياسة الإعدام لم تعد تقتصر على النخب السياسية أو الحقوقية، بل أصبحت تمتد إلى شرائح مختلفة من المجتمع، داخل السجون وخارجها.
وفي هذا السياق، تبدو محاولات السلطة لاستعادة هيبة الردع عبر الإعدامات أقل تأثيراً مما كانت عليه في السابق. فالمجتمع الذي خاض موجات متتالية من الاحتجاجات، وراكم خبرات سياسية واجتماعية واسعة، لم يعد يتعامل مع الإعدام باعتباره وسيلة كافية لإعادته إلى حالة الصمت والخوف.
تشير الوقائع المتلاحقة إلى أن المواجهة الأساسية داخل إيران ما زالت تدور بين المجتمع والسلطة، وأن التطورات الخارجية، مهما بلغت أهميتها، لم تغير طبيعة هذا الصراع الداخلي. فالإعدامات اليومية، والاحتجاجات الشعبية المتكررة، واتساع الرفض المجتمعي لسياسة القمع، كلها تؤكد أن الأزمة الرئيسية التي يواجهها النظام تكمن في الداخل.
ومن ثم، فإن مستقبل المشهد الإيراني لن تحدده التطورات العسكرية أو الإقليمية وحدها، بل ستحدده بالدرجة الأولى طبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة، ومدى قدرة النظام على التعامل مع المطالب الداخلية بعيداً عن الاعتماد المستمر على أدوات القمع والإعدام. وفي ظل استمرار هذه السياسة، تبدو المشانق أقل قدرة على صناعة الخوف، وأكثر تعبيراً عن عمق الأزمة التي يعيشها النظام في مواجهة مجتمع يواصل المطالبة بالتغيير.
- الحرب الخارجية لا تحجب الحرب الحقيقية داخل إيران

- مقومات البديل المؤهل لتحقيق التغيير الديمقراطي في إيران
- النظام الإيراني يواجه أزمة وجودية لا مخرج منها
- تجرّعُ كأس السم قبل 38 عاماً: المفتاحُ التاريخي لفهم نزاعات نظام الملالي في يوليو 2026
- إيران ما بعد حرب واسترضاء: فشلُ استراتيجي لمقاربات خارجية وحتميةُ بديل ديمقراطي داخلي
