هناك أحداث مفصلية تلتحم بعصب المجتمع وتتحول إلى نبض سياسي وأخلاقي لا يمكن محوه من وجدان الشعوب. ومن بين هذه المحطات التاريخية، تبرز مجزرة يومي 7 و8 يناير 2026، التي نُفذت تحت الإشراف المباشر والمصادقة الفورية من الولي الفقيه. واليوم، يحاول نظام الملالي في ظل أجواء الحرب والمفاوضات تصفية من تبقى من شهود تلك الجناية عبر مقصلة الإعدامات، مستنداً إلى حجب الإنترنت الدولي لأكثر من 80 يوماً بهدف فرض مناخ من الرعب الممنهج، لكن العودة الناجزة للشبكة نسفت كل ما غزلته سلطة الاستبداد.
شهدت الأيام القليلة الماضية، بالتزامن مع الاضطرار الحكومي لإعادة تفعيل شبكة الإنترنت الدولي، تدفقاً هائلاً لموجة سياسية واجتماعية عارمة استهدفت تعرية نظام مجازر الإبادة. ورغم محاولات التعتيم واستغلال ظروف الحرب وصناعة الأكاذيب الرامية لدمج مفهوم إيران الوطن بـبنية السلطة المستبدة، غلت الساحات الرقمية بالرفض إلى حد دفع صحيفة جهان صنعت الحكومية، في عددها الصادر بتاريخ 2 يونيو 2026 ، إلى الإعراب علناً عن المخاوف العميقة المحيطة بالأحكام الثقيلة الصادرة بحق معتقلي احتجاجات يناير، موجهة تحذيرات وإنذارات واضحة لأجهزة النظام القضائية، ومؤكدة لأول مرة منذ ثلاثة أشهر على تصاعد المطالبات بإجراءات دوق عادلة وحق الوصول إلى محامين.
المقاعد الفارغة: آلة الموت في نظام الملالي تبتلع أجيال إيران من إعدام القاصرين إلى مجزرة يناير
بعد مرور ثلاثة عقود على تصنيف منظمة العفو الدولية لإيران كأكبر مُنفذ لإعدام القاصرين في العالم، تطل المأساة برأسها من جديد. وتكشف تقارير حديثة سُربت من داخل أروقة النظام عن مقتل مئات الطلاب خلال انتفاضة يناير، مما يؤكد أن استهداف الطفولة والشباب يمثل نهجاً دموياً متأصلاً وعقيدة راسخة في بنية نظام الملالي لقمع الأجيال الصاعدة.
إن الحركة الواسعة التي قادها المواطنون في الداخل لكشف وفضح أبعاد الجرائم التي ارتكبتها السلطة الكهنوتية خلال تلك الانتفاضة، أجبرت الصحيفة المذكورة على عكس هذا الغليان من خلال الاعتراف صراحة بـأنه: مع عودة تدفق الإنترنت، فإن التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والمعلومات المبثوثة في الفضاء الافتراضي من قبل عائلات ومقربي المعتقلين تشير إلى صدور أحكام قاسية وإعدامات… وإن الانتقادات الموجهة لبعض الثغرات القانونية، وتقييد الوصول إلى الدفاع، والغموض الشديد المحيط بآلية البت في هذه الملفات، ضاعفت من حساسية الرأي العام وغضبه.
إن ما يثير فزع أقطاب سلطة الاستبداد في هذه اللحظة هو العودة الهادرة للذاكرة الاجتماعية إلى قلب المشهد السياسي؛ تلك الذاكرة الحية التي ثبت أن قطع الاتصالات، وحملات الاعتقال الواسعة، والإعدامات المتلاحقة، وحتى طبول الحرب، لم تنجح في إخمادها أو تزييفها. واليوم، مع انفتاح قنوات التواصل مجدداً، انتصبت روايات عائلات الشهداء، والشهود العيان، والمعتقلين في مواجهة الرواية الرسمية الكاذبة؛ مما اضطر الأبواق الإعلامية التابعة للبنية الحاكمة إلى تدوير هذه المخاوف والتحذير من التداعيات الكارثية للأحكام القضائية الانتقامية وغير الشفافة.
وفي سياق القراءة السياسية العامة، يسعى نظام الملالي عبر تفعيل أحكام الإعدام والسجون الطويلة إلى إغلاق ملف جناية يناير وإنهائه أمنياً؛ غير أن تجارب العقود الأربعة الماضية أثبتت أن استسهال القمع لا يدفن الجريمة، بل ينشر ذاكرة الضحايا والناجين في عمق النسيج المجتمعي لتتحول إلى ذاكرة وطنية وتاريخية عابرة للأجيال. إن كل إعدام جديد وكل حكم جائر يصدره القضاء الكهنوتي يتحول فوراً إلى منصة لتوسيع دائرة المساءلة والمطالبة بالعدالة، مما جعل من انتفاضة يناير رمزاً وطنياً جامعاً للرفض، وواحدة من أكثر نقاط التحول حسماً في مصير المواجهة المستمرة بين المجتمع والسلطة.
المقررة الأممية ماي ساتو تطالب بوقف الهجمات العسكرية والتحقيق في قمع انتفاضة يناير في إيران
طالبت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، بضرورة الوقف الفوري للهجمات العسكرية الجارية في البلاد. وشددت ساتو، خلال جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، على الأهمية البالغة لإجراء تحقيق شامل ومستقل في القمع العنيف الممنهج الذي طال الاحتجاجات والانتفاضة الشعبية الإيرانية في شهر يناير الماضي.
وتأسيساً على هذا الواقع المتآكل، يتبين بالدليل القاطع أن أزمة النظام لم تعد تتعلق باحتواء خلل أمني عابر أو السيطرة على ممر اتصالات رقمي؛ بل هي مواجهة هيكلية مع مجتمع حي يرفض النسيان ويرفض تقديم أي تنازل عن دماء شهدائه. إن الانسداد العام الذي يواجهه نظام الملالي يثبت أن سوء الإدارة والقمع المنظم يحولان الأزمات السياسية والنقابية مباشرة إلى معركة وجودية شاملة؛ حيث لم تعد سياسة الحجب كافية لترميم الشروخ العميقة في بنية النظام، لتبقى المطالبة بالقصاص العادل والمحاسبة محركاً أساسياً لا يمكن لترسانة حرس الولي الفقيه كبته، طالما أن الذاكرة الاجتماعية قد تحولت إلى أرشيف وطني عصي على المحو والاندثار.
