تكرار مجزرة خاوران 1988.. نظام الملالي يلاحق جثامين الشهداء في السجلات الرقمية
بعد أشهر من تراجع زخم الاحتجاجات في الشوارع، تشير التقارير إلى أن الأجهزة الأمنية فتحت جبهة جديدة؛ جبهة لا تستهدف الأحياء، بل تسعى لمحو الآثار المادية والرقمية للشهداء الذين قضوا خلال الاحتجاجات.
بعد أشهر من الانكفاء الظاهري للاحتجاجات في شوارع إيران، يبدو أن الجهاز الأمني التابع لـنظام الملالي قد فتح جبهة جديدة؛ جبهة خفية تدار داخل خوادم الكمبيوتر البلدية وفي القطاعات الهادئة من المقابر. هذه المرة، ليس المستهدف هم الأحياء، بل الإزالة النظامية لأي أثر مادي أو رقمي لأولئك الذين فقدوا حياتهم خلال الانتفاضات الأخيرة.
وتشير التقارير الميدانية، والوثائق المسربة، والشهادات المكتوبة من عائلات الضحايا المطالبة بالعدالة، إلى أن السلطة تتبع استراتيجية مزدوجة: التدمير المادي لشواهد القبور في العالم الواقعي، ومحو الهويات المسجلة في العالم الرقمي.
تقرير العفو الدولية: النظام الإيراني يصعد الإعدامات السياسية والاعتقالات الجماعية
أطلقت منظمة العفو الدولية تحذيرات صارمة في تقرير حقوقي يفضح تصاعد الانتهاكات داخل إيران، مؤكدة أن السلطات تستغل غطاء “ظروف الحرب” لتكثيف القمع. ووثق التقرير تصاعداً هستيرياً في الاعتقالات الجماعية التعسفية، المحاكمات الجائرة، والإعدامات السياسية، إلى جانب فرض أحكام سجن خيالية، في محاولة يائسة من النظام لتطويق الغضب الشعبي ومنع الانتفاضات.
عندما تختفي الهوية الوطنية: الحذف من مقبرة بهشت زهراء
تحولت مقبرة بهشت زهراء في طهران ــ وهي أكبر مقبرة في الشرق الأوسط ــ في الأسابيع الأخيرة إلى ساحة لما يمكن تسميته بـ المحو الإداري. ولسنوات طويلة، دأبت هذه المؤسسة على إتاحة قاعدة بيانات عامة عبر الإنترنت يمكن للمواطنين من خلالها تحديد موقع الدفن الدقيق لأقاربهم المتوفين عبر إدخال الاسم أو الرقم الوطني. لكن في الأسابيع الأخيرة، أسفرت عمليات البحث عن العديد من ضحايا الاحتجاجات عن نفس النتيجة الصادمة: لم يتم العثور على سجل يطابق هذه البيانات.
ووصف أحد أقارب الضحايا المدفونين في القطاع 300 بمقبرة بهشت زهراء الوضع قائلاً: ذهبنا إلى مكتب القبول لتجديد سند القبر واستكمال بعض الأوراق الإدارية. وعندما قام الموظف بمسح الرمز الشريطي الخاص بوثيقة المتوفى، أظهر النظام خطأً. وبدت عليه المفاجأة وقال إن هذا الرمز غير موجود في الشبكة. وعندما أريته الوثيقة الورقية المختومة من العام الماضي، فحص النظام مجدداً، ثم ابتعد وقال بصوت خافت: ‘النظام ليس معطلاً، هذا ملف أمني.. اذهب إلى مكتب الأمن’.
ويرى خبراء قانونيون مستقلون داخل إيران أنه بموجب المادة 581 من قانون العقوبات، فإن حذف أو تلاعب السجلات الرسمية للبلدية دون أمر قضائي صريح يعد جريمة جنائية. ومع ذلك، يبدو أن التوجيهات السرية الصادرة عن وزارة الداخلية قد تجاوزت اللوائح البلدية لمنع هذه القبور من التحول إلى نقاط تجمّع للاحتجاجات أو علامات موقع لانتفاضات المستقبل.
صب الخرسانة فوق الحقيقة
بالتوازي مع جهود التطهير الرقمي، تكثفت عمليات التدمير المادي للقبور في مدن عدة مثل طهران، وكرج، وشيراز، وسنندج. وتفاجأ العديد من العائلات عند وصولهم إلى قبور أبنائهم بوجود شواهد مكسورة، أو طلاء أسود لطخ صورهم، أو حتى تغطية القبور بأكملها بالخرسانة والأسمنت.
وفي بعض الحالات، منعت الأجهزة الأمنية تركيب شواهد قبور مخصصة تحتوي على أشعار رمزية، أو مصطلحات مثل شهيد الوطن، أو صور بدون الحجاب الإلزامي، وأُجبرت العائلات بدلاً من ذلك على استخدام شواهد موحدة تخلو تماماً من ذكر سبب الوفاة.
وفي بيان علني لها، أشارت مهسا بيرائي، ابنة مينو مجيدي ــ إحدى السيدات اللواتي قُتلن خلال احتجاجات عام 2022 والتي تعرض قبرها للتخريب مراراً ــ إلى هذا النهج بالقول: إنهم يكسرون الحجارة لأنهم يخافون من الحقيقة المحفورة عليها. يظنون أنهم بكسر الشاهد يمكنهم كسر إرادتنا. لكن القبر ليس مجرد قطعة رخام؛ إنه وثيقة تاريخية.
التاريخ يعيد نفسه: من خاوران إلى الخوادم البلدية
ليست هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها السلطة جغرافيا الموت كأداة للقمع الممنهج؛ إذ تعيد هذه الممارسات إلى الذاكرة طريقة التعامل مع جثامين الشهداء الذين أُعدموا خارج نطاق القضاء عام 1988 ودُفنوا في مقابر جماعية بموقع خاوران، حيث جرفت الجرافات الأرض مراراً في محاولة لتسوية الذاكرة التاريخية لجيل كامل.
ومع ذلك، يرى محللون للشأن الإيراني أن انتقال هذه العملية إلى الفضاء الرقمي يمثل تطوراً خطيراً في آليات القمع؛ إذ يسعى نظام الملالي من خلال إزالة الأسماء من الأنظمة البلدية الرسمية إلى تحقيق أهداف محددة. الهدف الأول هو عرقلة جهود التوثيق التي تقوم بها منظمات حقوق الإنسان الدولية التي تحاول مطابقة أعداد الضحايا مع بيانات السجل المدني والبلديات. والهدف الثاني هو خلق شعور بالعزلة التامة لدى العائلات الثكلى، لإيهامهم بأن أبناءهم لم يولدوا ولم يموتوا في هذا البلد أصلاً.
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية تنشر أسماء شهداء الانتفاضة الشعبية الشاملة لعام 2026
نشرت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية القائمة الأولى لأسماء شهداء الانتفاضة الشعبية الشاملة التي اندلعت في يناير 2026 ضد الفاشية الدينية الحاكمة في إيران. وأكدت المنظمة استمرار عمليات التدقيق والتحقق من الهويات، على أن يتم تحديث القائمة دورياً وإضافة أسماء جديدة فور التأكد من صحتها وتوثيقها.
صمت بيروقراطي وتبريرات تقنية
داخل الهيكل الإداري، نُسبت التفسيرات كالعادة إلى مشاكل تقنية. ورداً على استفسارات بعض الصحفيين المحليين بشأن اختفاء هذه الأسماء، ربط مكتب العلاقات العامة في مقبرة بهشت زهراء القضية بـ تحديث البنية التحتية للخوادم ونقل البيانات إلى نظام جديد.
بيد أن مصدراً مطلعاً في إدارة تكنولوجيا المعلومات ببلدية طهران كشف لناشطين حقوقيين أن حقول المعلومات المرتبطة بالأفراد الذين تحمل ملفاتهم تصنيف وفاة مرتبطة بالأمن قد حُذفت تماماً من النظام العام، وتم تقييد الوصول إليها حصرياً لـقسم الأمن التابع للمؤسسة.
لقد لفتت حملة المحو هذه انتباه المراقبين الدوليين؛ حيث يؤكد ناشطون دوليون أن حرمان العائلات من حق الحداد والتدمير المتعمد للقبور يشكل نوعاً صارخاً من المضايقة النفسية والتعذيب. وبعيداً عن القوانين المحلية، يمثل هذا السلوك انتهاكاً مباشراً للمواثيق الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية.
وفي بلد تستمر فيه الأزمات الاقتصادية والسياسية في التعمق تحت وطأة النظام الكهنوتي، بات واضحاً أن الصراع من أجل المستقبل لم يعد مقتصراً على الشوارع والميادين، بل امتد ليتغلغل داخل خوادم الكمبيوتر البلدية وصمت المقابر. والمفارقة الكبرى هي أن جهود السلطة لمحو هذه الأسماء تحولت بذاتها إلى أقوى دليل على أن الموتى، في نظر سلطة الاستبداد، ما زالوا يشكلون تهديداً حقيقياً يرعب عهد الولي الفقيه.
- إعدام تعسفي لشابين من الثوار الشجعان بذريعة قيادة انتفاضة يناير
- تكرار مجزرة خاوران 1988.. نظام الملالي يلاحق جثامين الشهداء في السجلات الرقمية

- تجمعات شبابية إيرانية في أوروبا تطالب الاتحاد الأوروبي بوقف المقاصل وضمان أمن المعارضين ضد إرهاب النظام
- إعدام الثائرين الشجاعين مهرداد محمدي نيا وأشكان مالكي في طهران
- إيران: محكمة الثورة الجائرة في رشت تحكم مجدداً بالإعدام على زهرا طبري بتهمة العضوية في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية
- لماذا سيُذكر البطل الإيراني وحيد بني عامريان باعتباره نيلسون مانديلا بلاده – ستروان ستيفنسون
