ما بعد القمع الشامل في إيران
لم يعد القمع في إيران مجرّد ردّ فعلٍ أمنيٍّ على احتجاجات عابرة، بل تحوّل إلى سياسة دولة مكتوبة، موقَّعة، ومُخطَّط لها سلفاً. ما كُشف عنه في واشنطن هذا الأسبوع لم يكن مجرّد مؤتمر صحفي آخر للمقاومة الإيرانية، بل كان لحظة إدانة موثّقة تضع رأس النظام، علي خامنئي، في قلب ماكينة القتل الجماعي التي واجهت انتفاضة يناير 2026.
الوثائق السرّية والتسجيلات الصوتية التي عرضها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تُسقِط آخر أوراق التوت عن رواية النظام. فـ«القمع الشامل» لم يكن انزلاقاً اضطرارياً أو قراراً ميدانياً، بل خطة مؤسساتية صادرة من مكتب خامنئي، أُقِرّت ضمن منظومة قانونية–أمنية تُحوِّل الحرس من قوة ردع إلى سلطة قتل مطلقة.
المعطيات المسربة تُظهر بوضوح أن النظام رسم منذ سنوات سيناريو التعامل مع أي انفجار اجتماعي محتمل، وحدّد مسبقاً متى ينتقل من «الوضع الانتظامي» إلى «الأمن المسلّح». ومع انتقال انتفاضة يناير من الشارع المحلي إلى الفضاء الوطني، لم يتردّد النظام في إعطاء الضوء الأخضر للرصاص الحي، وقطع الإنترنت، وفتح السجون والمشارح معاً.
الأخطر أن ما سُمّي بمقرّ «ثارالله» لم يعد مجرد غرفة عمليات أمنية، بل تحوّل إلى عقل مركزي لإدارة المجتمع بالقمع: تصنيف المواطنين، مراقبة العائلات، اقتحام البيوت، وتجريم الصِلات الإنسانية قبل السياسية. هكذا تُدار طهران… وهكذا تُحكم إيران.
للمرة الأولى، توثّق المقاومة الإيرانية الاستخدام المنهجي لميليشيات عابرة للحدود في قمع الشعب الإيراني. أن يستعين النظام بعناصر من العراق ولبنان واليمن وأفغانستان وباكستان لإطلاق النار على الإيرانيين، فذلك ليس فقط دليلاً على عجزه الداخلي، بل إعلان صريح بأن هذا النظام لم يعد وطنياً حتى في قمعه.
إيران، وفق هذه الوقائع، لم تعد دولة تواجه احتجاجاً، بل ساحة حرب داخلية جُيّشت فيها ميليشيات خارجية لضمان بقاء سلطة مأزومة.
التقارير التي تتحدث عن آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين ليست أرقاماً في بيان، بل نتيجة منطقية لمسار مقصود. حين يُدار الاحتجاج بوصفه «تهديداً وجودياً»، يصبح القتل أداة حكم، ويغدو إنكار الجثث وتزوير أسباب الوفاة جزءاً من العقيدة الأمنية.
لكنّ المفارقة التي يخشاها النظام أن هذا العنف لم يُعد الخوف إلى الشارع، بل كسر الحاجز الأخير. فانتفاضة يناير، كما تؤكد الوقائع، لم تتراجع بعد الرصاص، بل أعادت إنتاج نفسها بوصفها صراعاً مفتوحاً على مستقبل البلاد.
بعكس ما يروّج له النظام، فإن ما يقف في مواجهته ليس فراغاً، بل بديل منظّم بخارطة انتقال واضحة: حكومة مؤقتة، انتخابات تأسيسية، دستور جديد، ودولة تقوم على فصل الدين عن السلطة، والمساواة، وسيادة القانون. هذا ما يجعل الانتفاضة خطيرة في نظر النظام: لأنها لا تهدده بالاحتجاج فقط، بل تُسقط احتكاره لفكرة الدولة.
ما كُشف في واشنطن ليس وثائق عن الماضي، بل ملف اتهام للحاضر. نظامٌ يخطّط للمجازر، يستورد ميليشياته، ويحوّل الدولة إلى جهاز أمني شامل، لا يواجه أزمة عابرة، بل يقف على حافة النهاية السياسية.
إيران اليوم ليست على شفا انفجار…
إنها دخلت زمن المواجهة المفتوحة،
وزمن الإفلات من العقاب يشارف نهايته.
