الجمهورية الديمقراطية؛ المطلب الواضح لشعب إيران الواعي
تمضي في هذه الأيام انتفاضةُ إيران الديمقراطية قُدُمًا بتضحيات الشعب والشباب الثوار. وهذه الثورة ليست حادثةً مفاجئة ولا ردّ فعلٍ عابر، بل هي نتاجٌ تاريخيٌّ لأمّةٍ دفعت على مدى أكثر من قرن أثمانًا باهظة في سبيل الحرية والعدالة وسيادة الشعب.
من الثورة الدستورية إلى يومنا هذا، تتكرر حقيقة واحدة باستمرار: لم يستطع أيُّ دكتاتور، لا في الماضي ولا في الحاضر، ولن يستطيع، أن يسرق أو يُحرّف الإرادة الواعية للشعب. فقد سعت الدكتاتوريات دائمًا إلى تصوير نفسها على أنها «حتميّة التاريخ»، لكن تاريخ إيران يشهد بأن هذه «الحتمية» ليست سوى وهم.
لقد سقط نظام استبداد الشاه، والاستبداد الديني أيضًا، بكل ما مارسه من عنف وقمع، مآله إلى الزوال. ما يبقى هو إرادة الشعب؛ إرادة قد تُقمع، لكنها لا تُدمَّر.
إن انتفاضة الشعب الإيراني اليوم ليست فورةً عمياء بلا قيادة. إنها نهوضٌ يمتلك القيادة، كما يمتلك القوة الدافعة على الأرض. إنها حركة منظَّمة وليست انفجارًا عابرًا. فقد أثبتت التجربة التاريخية أن الثورات تفشل حين تفتقر إما إلى الوعي أو إلى التنظيم. وفي مسار تطوّر الانتفاضات السابقة، فإن الانتفاضة الراهنة في إيران تخلو من هاتين النقطتين الضعيفتين.
لقد اتسع الوعي السياسي في مختلف طبقات المجتمع، وربطت شبكاتُ المقاومة بين مطالب الشعب والممارسة الجماعية في ميدان الانتفاضة.
وفي عام 2013، شرح قائد المقاومة مسعود رجوي بوضوح نظرية «وحدات المقاومة» باعتبارها امتدادًا لجيش التحرير، وقال:
«نظرًا لتغيّر ميزان القوى على الصعيدين الداخلي والدولي، أصبح بمقدورنا من الآن فصاعدًا أن تكون لنا وحدات من جيش التحرير داخل الوطن، حتى لو كانت هذه الوحدات في بدايتها صغيرة، محدودة العدد، ولا تمتلك أسلحة خفيفة أو ثقيلة؛ وهذا ما نعنيه بوحدات المقاومة».
وهكذا تشكّلت وحدات المقاومة داخل إيران لدفع الانتفاضة المنظَّمة قدمًا، إلى أن نرى اليوم كيف بثّت الرعب في أركان النظام.
وعلى أي حال، فإن ما يبعث على الاطمئنان هو أن ثقافة المقاومة في إيران ليست ثقافةً مستوردة. فمن كاوه الحداد الذي ثار على سفاح زمانه، إلى ستارخان وباقرخان في تبريز، وصولًا إلى النساء والرجال المجاهدين والمناضلين الذين وقفوا في العقود الأخيرة بوجه التعذيب والسجون والإعدامات، نرى خطًا واضحًا وممتدًا: الصمود من أجل الحرية وكرامة الإنسان.
لقد علّمتنا هذه الثقافة أن الحرية لا تُمنَح هديةً، وليست مجانية. يجب انتزاعها، بدفع الثمن، ولكن بفخر.
ويقول البعض إن كل ثورة قد «تُسرق». غير أن التاريخ يقدّم جوابًا واضحًا: تُسرق الثورات عندما يُقصى «القادة الواعون والمنظِّمون» و«الشعب الواعي» عن الساحة. أمّا حين يبقى الشعب منظَّمًا، واعيًا، مثابرًا في الميدان، فلا تستطيع أي قوة — لا دكتاتور عسكري، ولا رجال الدين الحاكمون، ولا حتى القوى الخارجية — أن تغيّر مسارها أو تصادرها.
والنماذج العالمية عديدة: ففي جنوب أفريقيا، تمكّن الشعب، بفضل قيادة واضحة وحضور دائم، من إسقاط نظام الفصل العنصري واستبداله. وفي أوروبا الشرقية، انهارت الدكتاتوريات حين تلاقى المجتمع المدني مع القوى الشعبية المنظَّمة. وانتفاضة إيران اليوم تقوم بالضبط على هذا المنطق نفسه.
إن هذه الحركة ليست رفضًا أعمى للماضي دون استخلاص الدروس، ولا تكرارًا لأخطاء التاريخ. إنها ردٌّ واعٍ على عقود من القمع والفساد وإذلال الشعب الإيراني. فقد دخلت إلى الميدان جيلٌ ثائر تجاوز الخوف، ويعرف ما لا يريده، والأهم من ذلك، ما الذي يريده:
الحرية، المساواة، فصل الدين عن الدولة، وسيادة الشعب على مصيره.
وهي المطالب المشروعة نفسها التي أكدت عليها السيدة مريم رجوي في خطتها ذات النقاط العشر. إن هذه النقاط العشر ترسم صورةً واضحة للأفق الذي ينتظر إيران الحرة: جمهورية ديمقراطية.
في الجمهورية الديمقراطية، يكون الشعب هو المصدر الأساسي للسلطة، وتكون الانتخابات حرّة ونزيهة، وتُكفَل حرية الفكر والتعبير والإعلام، وحرية الأحزاب والتجمعات.
والحقيقة الثابتة أن الثورة الديمقراطية للشعب الإيراني ليست بلا صاحب، ولا بلا جذور، ولا بلا أفق. إنها انتفاضة منظَّمة، نابعة من عمق تاريخ المقاومة، وتمضي مع جيش تحرير الشعب الإيراني نحو مستقبل ديمقراطي وإقامة جمهورية ديمقراطية.
قد يأتي الدكتاتوريون ويذهبون، لكن الشعوب التي استيقظت لن تعود أبدًا إلى الوراء.
