انتفاضة إيران: حين ينهض المجتمع لكسر نظام الموت
لم تكن الانتفاضة الوطنية في إيران حدثًا عابرًا، ولا انفجارًا اجتماعيًا مؤقتًا سرعان ما يخبو. لقد شكّلت هذه الانتفاضة نقطة انعطاف تاريخية، عبّرت عن بلوغ المجتمع الإيراني حدّ الاستحالة في التعايش مع نظامٍ يقوم جوهره على القمع، والإقصاء، وإنكار الإنسان.
جاءت الانتفاضة على أرضيةٍ انفجارية نتجت عن تراكب أزمتين بنيويتين: أزمة اقتصادية خانقة وأزمة سياسية عميقة. وقد تجسّد هذا التراكب في فجوةٍ طبقية غير مسبوقة، صنعتها سياسات النهب المنهجي التي انتهجها نظام ولاية الفقيه، حيث تركزت الثروة والسلطة في أيدي أقلية مرتبطة بالحكم، فيما دُفعت الغالبية الساحقة من الشعب إلى هوامش الفقر والحرمان. عند هذه النقطة، لم يعد البقاء ضمن النظام القائم ممكنًا، بل غدا إهانة مباشرة لكرامة الإنسان.
من هنا، لم تكن الانتفاضة مجرّد احتجاج على الغلاء أو البطالة أو القمع الأمني، بل كانت صرخة الحياة في مواجهة نظامٍ فقهيٍّ يقوم على ثقافة الموت. لقد خرج الإيرانيون إلى الشوارع دفاعًا عن الحق في الحياة، والحرية، والاختيار، والتعدد، والمستقبل؛ أي ضد فلسفة سياسية ترى في الإقصاء والقمع والقتل أدواتٍ طبيعية للحكم.
أحد أبرز الدروس التي قدّمتها هذه الانتفاضة هو نضوج وعي «التنظيم أثناء المواجهة». فقد أثبتت التجربة أن التنظيم لم يعد مسألة مؤجلة إلى ما بعد التغيير، بل بات ضرورة آنية تولد من قلب الصراع نفسه. وتحت ضغط القمع وتسارع الأحداث، تشكّلت أشكال جديدة من التنظيم الميداني، عبّرت عن تطور الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من المنتفضين.
سياسيًا، اتسمت الانتفاضة بوضوح بوصلة الصراع. فقد تمركزت الشعارات والهتافات بشكل حاسم حول التناقض الرئيسي: نظام ولاية الفقيه ورأسه. هذا الوضوح قطع الطريق على محاولات حرف الانتفاضة أو جرّها إلى مشاريع ارتدادية أو إعادة إنتاج أشكال قديمة من الديكتاتورية، رغم محاولات مدعومة من داخل منظومة الحكم لإدخال شعارات مضللة تخدم بقاء النظام.
منذ أيامها الأولى، تحولت الانتفاضة إلى حركة وطنية واسعة ذات طابع عنقودي، وانتشرت بسرعة مذهلة لتشمل أكثر من 195 مدينة إيرانية. هذا الامتداد الجغرافي الواسع لم يكن وليد لحظة انفعالية، بل نتيجة تراكم طويل من القمع والمقاومة والوعي السياسي، ما يؤكد أن الانتفاضة كانت تعبيرًا عن إرادة مجتمعية عميقة لا يمكن احتواؤها أو قمعها بسهولة.
وقد لعبت عملية التنوير السياسي دورًا محوريًا في حماية الانتفاضة من المصادرة. فشعارات مثل «الموت للديكتاتور» و«الموت لأساس ولاية الفقيه» رسّخت حدًّا فاصلًا واضحًا مع كل أشكال الاستبداد، قديمها وجديدها، ومنحت الانتفاضة مضمونًا تحرريًا جامعًا.
كما أعادت الانتفاضة ترسيخ قناعة وطنية راسخة مفادها أن التغيير في إيران لا يُستورد من الخارج، بل يُصنع من الداخل. هذا الاعتماد الواعي على القوة الذاتية للمجتمع أطلق طاقات هائلة، ووسّع دائرة الأمل بإمكانية إسقاط حكم الملالي، لا بوصفه حلمًا بعيدًا، بل خيارًا واقعيًا.
رغم أن النظام واجه هذه الهبّة الشعبية بأقصى درجات العنف، بتوجيه مباشر من علي خامنئي، فإن النتيجة جاءت معاكسة لما أراده. فبدل أن ينكسر الشارع، ترسّخ عزمٌ جماعي لا رجعة فيه على إنهاء هذا النظام. عزمٌ لم يعد محصورًا بلحظة الانتفاضة، بل بات اليوم أعمق وأكثر تجذرًا في نسيج المجتمع الإيراني.
إن انتفاضة كانون الثاني/يناير 1404 ليست نهاية الطريق، لكنها بالتأكيد كسرت حاجز الخوف، وحددت الاتجاه، ووضعت النظام الحاكم أمام معادلة تاريخية جديدة: شعبٌ لم يعد يقبل بالعودة إلى الوراء، ونظامٌ فقد شرعيته داخليًا وانكشف أمام العالم.
وما بعد هذه الانتفاضة، لن يكون كما قبلها.
