قراءة في الصحف الحكومية :النظام الإيراني بين مطرقة الصراع الداخلي وسندان الانهيار
في يوم الأربعاء 3 ديسمبر 2025، تحولت صفحات الصحف ووسائل الإعلام التابعة لنظام الملالي إلى مرآة عاكسة للفوضى العارمة والتشظي الذي يضرب رأس الهرم في السلطة. فبينما يضيق الخناق على النظام بفعل الأزمات المعيشية الخانقة، والكوارث البيئية، والعزلة الدبلوماسية، استعرت “حرب الذئاب” بين أجنحة النظام المختلفة حول تقاسم الغنائم وإقصاء الخصوم. تكشف جولة في هذه الصحف عن انهيار سردية “وحدة الكلمة” المزعومة، ونهاية وهم “الوفاق” الذي وعد به رئيس النظام مسعود بزشكيان؛ ليحل محله صراع وجودي داخل سفينة توشك على الغرق.
المواجهة العلنية بين قاليباف وبزشكيان: نهاية “شهر العسل”
شكلت المواجهة المكشوفة بين محمد باقر قاليباف (رئيس البرلمان) ومسعود بزشكيان (رئيس الحكومة) العنوان الأبرز لهذا التوتر. فقد أماطت صحيفة “هم ميهن” اللثام عن الوجه الحقيقي لما يسمى بـ “الوفاق”، كاشفة في تقرير ناري غير مسبوق أن قاليباف وتيار “الأصوليين الجدد” الداعم له قد أشهروا سيوفهم في وجه الحكومة.
استخدمت الصحيفة استعارة “سيف داموكليس” لوصف تهديدات قاليباف، مشيرة إلى أن رئيس البرلمان يسعى لابتزاز الحكومة بهدف إقالة الوزراء المحسوبين على التيار المعتدل والاستحواذ على حصة الأسد في التشكيلة الوزارية.
على أعتاب الذكرى السنوية لانتفاضة نوفمبر 2019، التي اندلعت شرارتها الأولى بسبب رفع سعر البنزين وأوصلت النظام إلى حافة الهاوية، تُسمع مرة أخرى همسات رفع سعر البنزين في أروقة الحكومة والبرلمان. هذا الوضع، الذي يتزامن مع ذكرى الانتفاضة
وتؤكد الصحيفة أن قاليباف يستخدم أدوات التهديد والاستجواب والمشاريع الأمنية لجعل الحكومة رهينة لقراراته. وجاء في التقرير بعبارة صريحة: “إن الترجمة العملية لنصائح قاليباف لبزشكيان هي: تخلص من الوزراء الإصلاحيين وسلمنا وزاراتهم”.
وعلى الجانب الآخر، ذهبت صحيفة “آرمان ملي” إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن هدف التيار المتشدد ليس مجرد تعديل وزاري، بل “إسقاط حكومة بزشكيان” والتمهيد لعزله قبل عام 2026، حيث يتحين المتشددون الفرصة لشل الحكومة عبر سلسلة من الاستجوابات البرلمانية.
الظل الصيني الثقيل وغضب المتشددين من “روحاني”
لم ينحصر صراع السلطة بين البرلمان والحكومة، بل امتد ليشعل غضب تيار “جبهة الصمود” (بايداري) وصحيفة “كيهان” المقربة من بيت الولي الفقيه، وذلك إثر انتشار صورة تجمع الرئيس السابق حسن روحاني مع رحماني فضلي (سفير النظام الحالي في الصين).
اعتبرت صحيفتا “خراسان” و “كيهان” هذا اللقاء مؤشراً خطيراً على تغلغل ما تسميه بـ “التيار الغربي” في مفاصل الدبلوماسية الإيرانية. وفي خطوة تعكس عمق التوتر، أعلن مجتبى زارعي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، توجيه “تحذير شديد اللهجة” لسفير النظام في بكين.
يعكس هذا رد الفعل العصبي ذعر زمرة خامنئي من تشكل مراكز قوى جديدة، في وقت تعاني فيه دبلوماسية النظام من الشلل التام، سواء في الغرب (فشل المفاوضات) أو في الشرق (فشل اتفاقية الـ 25 عاماً مع الصين).
صحيفة “كيهان” و”حرب الروايات”: إنكار الهزيمة في سوريا
كرست صحيفة “كيهان”، الناطقة بلسان الولي الفقيه، افتتاحياتها لشن هجمات هستيرية ضد الجناح المنافس. حسين شريعتمداري، رئيس تحرير الصحيفة، الذي بدا مرعوباً من التطورات الميدانية في سوريا ، وحاول التغطية على الحقائق الميدانية باستخدام مصطلحات مثل “حرب الروايات” و”الحرب الإعلامية بالوكالة”.
وصفت الصحيفة المنتقدين الداخليين الذين يحذرون من استنزاف الموارد في سوريا بأنهم “جنود الإعلام الإسرائيلي”، قائلة: “الحرب انتهت، لكن معركة الروايات مستمرة”. هذه اللغة العدوانية تمثل اعترافاً ضمنياً بأن النظام فقد القدرة على إقناع حتى قواعده الموالية بجدوى مغامراته الإقليمية الفاشلة.
البرلمان: مؤسسة فاقدة للمصداقية والشرعية
في تحليل جريء لأداء البرلمان الحالي (الدورة الثانية عشرة)، وصفته صحيفة “جهان صنعت” بأنه مؤسسة “انفعالية، فاقدة للاعتبار، ومسلوخة الاستقلال”، مشيرة إلى أنه نتاج انتخابات قاطعها الأغلبية الساحقة من الشعب (بنسبة مشاركة رسمية لم تتجاوز 41%). واعترفت الصحيفة بأن البرلمان تحول إلى أداة طيعة بيد “الجهات الخارجية” (في إشارة إلى بيت المرشد والأجهزة الأمنية).
تحولت جلسة برلمان النظام يوم الأحد 9 نوفمبر إلى مشهد صريح لـ “حرب الذئاب” وتسوية حسابات بين الأجنحة الحاكمة. كشفت هذه المواجهة العلنية عمق الأزمة المستعصية، والفساد الملياري المنهجي، والرعب المتزايد من انفجار الغضب الشعبي
في الوقت نفسه، كشفت قنوات تليغرام تابعة للبرلمان عن هجمات شنها نواب متشددون ضد رؤساء السلطات بسبب التراخي في تطبيق “قانون العفاف والحجاب”. واتهم النائب المتطرف كامران غضنفري رؤساء السلطات صراحة بتجاهل تحذيرات خامنئي، مما يؤكد أن الشرخ قد وصل إلى داخل المعسكر الأصولي نفسه.
الانهيار الاجتماعي: من جفاف الأرض إلى هجرة العقول
بعيداً عن صراع الكراسي، رسمت الصحف الحكومية صورة قاتمة للمجتمع الإيراني. نشرت صحيفة “ستاره صبح” صورة جماعية لخريجي جامعة “شريف” التكنولوجية النخبوية، مشيرة إلى أن جميع من في الصورة قد غادروا البلاد. ووصفت الصحيفة هذه الظاهرة بـ “المرثية المزمنة” ورمز لفشل الحكم، حيث يقدر عدد الطلاب الإيرانيين في الخارج بـ 110 آلاف طالب، مما يوثق يأس الجيل الشاب من مستقبل النظام.
وفي تقرير صادم آخر، تحدثت صحيفة “اعتماد” عن العمال الذين يضطرون للنوم في سياراتهم ليلاً لعجزهم عن استئجار مسكن، في تجسيد حي لسقوط الطبقة العاملة تحت خط الفقر المدقع.
بيئياً، نقلت “بهار نيوز” عن تقرير لشبكة CNN تحذيراً من جفاف غير مسبوق يضرب 20 محافظة إيرانية وجفاف 10% من السدود، معلقة بسخرية مريرة بأن المسؤولين يلجأون إلى “صلاة الاستسقاء” بدلاً من وضع سياسات مائية رشيدة.
المأزق الاستراتيجي والعزلة الدولية
على الصعيد الخارجي، أقرت الصحف بالوصول إلى طريق مسدود. نقلت “آرمان ملي” عن دبلوماسي سابق أن القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة مغلقة تماماً.
أما صحيفة “دُنياي اقتصاد”، فقد وجهت نقداً لاذعاً لاتفاقية الـ 25 عاماً مع الصين، واصفة إياها بالمشروع الفاشل، وكشفت أن “إجمالي الاستثمارات الصينية في إيران خلال العشرين عاماً الماضية لم يتجاوز 5 مليارات دولار”. واعترفت الصحيفة بأن النظام تعامل مع الصين فقط كـ “منصة لاستيراد البضائع الرديئة” دون فهم للتحولات العالمية. كما أكمل تقرير “هم ميهن” المشهد بالحديث عن تكدس النفط الإيراني في البحر والعقوبات الأمريكية الجديدة التي تخنق ما تبقى من التجارة الخارجية.
يُظهر استعراض صحف 3 ديسمبر 2025 أن نظام الملالي عالق في “كماشة قاتلة”: فمن الداخل، يستعر صراع الأجنحة على السلطة والنفوذ في ظل انكماش الموارد، ومن الخارج، تنهار البنية التحتية الحيوية (المياه، الطاقة، القوى البشرية) وتشتد العزلة الدولية.
إن صراخ صحيفة “كيهان”، وتهديدات قاليباف، وتحذيرات الخبراء الحكوميين، كلها مؤشرات لواقع واحد: لقد وصلت منظومة الحكم إلى نقطة اللاعودة، وما صراع الأجنحة الحالي إلا عامل مسرّع لعملية الانهيار الحتمي.
- الأزمة الاقتصادية في إيران: خسائر حرب بـ 270 مليار دولار ونزيف يومي بـ 80 مليون دولار بسبب قطع الإنترنت
- ظل الحرب ومقصلة التسريحات: انهيار الصناعة الإيرانية والعمال يدفعون فاتورة الفساد
- الاقتصاد تحت أنقاض الحرب: انهيار هيكلي ومأزق معيشي يطحن الإيرانيين
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
