صحف النظام الإيراني: “فضيحة الخطوط البيضاء” تعمق الفجوة مع الشعب.. وأزمات الاقتصاد تخنق الحكومة
هيمنت ثلاث أزمات كبرى على المشهد الإعلامي والسياسي في إيران، هذا ما عكسته الصحف الصادرة يوم الخميس، 27 نوفمبر 2025: الفضيحة المدوية لما بات يُعرف بـ “الخطوط البيضاء” للإنترنت، والتي كشفت عن تمييز طبقي صارخ؛ تفاقم الاختناق الاقتصادي والاجتماعي المتجسد في أزمات البنزين وصناديق التقاعد والبيئة؛ وتصاعد حدة الصراعات بين أجنحة النظام الحاكم. كل ذلك في ظل انسداد الأفق الدبلوماسي لمحاولات الخروج من العزلة الدولية.
أولاً: “الخطوط البيضاء” وفضيحة “الإنترنت الطبقي”
شكل الكشف عن وجود “خطوط بيضاء” (White-SIM) للإنترنت، توفر وصولاً غير مقيد ومجانياً للمسؤولين والأجهزة الأمنية والمقربين من السلطة، بينما يرزح عامة الشعب تحت وطأة الحجب والرقابة المكلفة، صدمة كبيرة عكستها الصحف بوضوح.
تقدم القراءة المتأنية لوسائل الإعلام الحكومية الإيرانية الصادرة يوم الخميس، 13 نوفمبر 2025 ، صورة كاملة لـ “مأزق شامل” يعيشه النظام
- وصفت صحيفة “جهان صنعت” هذا الوضع بـ “الفصل العنصري الرقمي” (الإنترنتي)، متسائلة بمرارة: “بدلاً من فتح بوابات الإنترنت لجميع المواطنين، قاموا بنسخ مفتاح هذا السجن الافتراضي لأنفسهم وتوزيعه على المقربين”. ونقلت الصحيفة عن عضو في لجنة الأمن القومي بالبرلمان اعترافه بأن “الكثير من الأجهزة، مثل المخابرات والأمن، تستخدم هذه الخطوط”. كما أشارت الصحيفة إلى الدور المصلحي لـ “مافيا بيع برامج تجاوز الحجب (VPN)“، مقدرة الأرباح السنوية لهذه التجارة بعشرات الآلاف من المليارات من التومان، مما يفسر الرغبة في استمرار الحجب.
- من جهتها، نقلت صحيفة “اعتماد” عن نواب في البرلمان قولهم إن الحجب “أصبح بلا معنى” في ظل استخدام الجميع لبرامج تجاوزه، مؤكدة أن المستفيد الوحيد هو “سماسرة الـ VPN”. وأشارت الصحيفة إلى أن حجم التداول المالي السنوي لهذا السوق يتراوح بين 30 و50 ألف مليار تومان.
ثانياً: الاختناق الاقتصادي.. من البنزين إلى صناديق التقاعد
عكست الصحف صورة قاتمة للوضع الاقتصادي المتدهور، حيث تتراكم الأزمات وتلوح في الأفق إجراءات تقشفية قاسية ستزيد من معاناة المواطنين.
- تحت عنوان “بداية عصر الانكماش في دعم البنزين”، حذرت صحيفة “بهار نيوز” من التداعيات التضخمية لقرار رفع سعر البنزين الفعلي إلى 5000 تومان (ما أطلقت عليه “السعر الثالث”). وأكدت أن هذا القرار، رغم محاولات تغليفه بعبارات ملطفة، سيطال ملايين الأسر وسيؤدي إلى موجة غلاء واسعة، مشيرة إلى أن الهدف الحقيقي هو “تقليص عجز الميزانية الخفي”.
- ووصفت الصحيفة ذاتها أزمة صناديق التقاعد بـ “القنبلة الموقوتة” التي تهدد “النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستقرار المالي للبلاد في آن واحد”.
- وفي القطاع الصحي، حذرت “جهان صنعت” من زيادة بنسبة 20-30% في مراجعات الأطفال للمستشفيات بسبب الالتهابات التنفسية، في ظل عجز عن تقديم الخدمات المناسبة، بينما انتقدت “بهار نيوز” ضغوط تكاليف العلاج على المواطنين، مشيرة إلى أن الكثيرين يعجزون عن دفع أقساط التأمين التكميلي.
- أما أزمة تلوث الهواء، فقد وصلت إلى مستوى وصفته “چند ثانیه” بـ “مرحلة اللا قياس”، معترفة بوقوع 58 ألف حالة وفاة سنوياً بسبب التلوث، وأكدت عجز الإدارة عن إيجاد حلول جذرية.
- وانتقدت صحيفة “شرق” بشدة المقترح الحكومي القاضي باستبدال استهلاك الغاز بالكهرباء، واصفة إياه بـ “الهبوط من السماء”، مؤكدة أنه مكلف للغاية وغير عملي ويتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وتحديثاً شاملاً للبنية التحتية المتهالكة.
يوم السبت الموافق 19 أكتوبر، عكست وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية، في تناقض واضح وقلق متزايد، الواقع المزري الذي تعيشه البلاد، متناولة في آن واحد الأزمات الاقتصادية الخانقة، والانقسامات السياسية المتزايدة، وتوتر العلاقات الخارجية
ثالثاً: حرب الأجنحة وتآكل الثقة
لم تخل الصحف من مظاهر الصراع المحتدم بين أجنحة النظام، وتبادل الاتهامات بالمسؤولية عن الفشل.
- شنت صحيفة “كيهان”، لسان حال التيار المتشدد، هجوماً عنيفاً على النائب الأول السابق للرئيس، إسحاق جهانغيري، مستخدمة لغة تخوينية، واتهمته والإصلاحيين بـ “قصر النظر السياسي” بسبب دعوتهم للتفاوض مع الغرب، مجددة تمسكها بشعار “عدم الثقة بأمريكا”.
- في المقابل، حذرت صحيفة “آرمان ملي” من تداعيات “الاستجوابات المتسلسلة” لوزراء حكومة بزشكيان في البرلمان، معتبرة أنها تهدد الاستقرار التنفيذي للحكومة.
- وفي مؤشر على تآكل الثقة بين النظام والمجتمع، انتقدت “جهان صنعت” السلوك “المزاجي” للمسؤولين في التعامل مع الشعب، حيث يتم استرضاؤه عند الشعور بالخطر، وتجاهله عند الاستقرار، معتبرة أن “الثقة طريق ذو اتجاهين” وأن الشعب رد على هذا السلوك بمقاطعة صناديق الاقتراع.
- كما عكست حادثة إهانة النائب المتشدد نقدعلي لصحفيات في البرلمان بسبب الحجاب، والتي أوردها موقع “جند ثانیه”، استمرار نهج القمع والتشدد الاجتماعي، حتى داخل المؤسسة التشريعية.
نظام محاصر بأزماته
ترسم هذه التقارير الصحفية صورة لنظام محاصر من كل الجهات: فجوة ثقة عميقة مع الشعب عمقتها فضيحة “الإنترنت الطبقي“، أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة تهدد بانفجار شعبي، وصراعات داخلية شرسة تعيق أي محاولة للإصلاح. وفي ظل هذا الواقع، تبدو التحركات الدبلوماسية الخارجية محدودة الأثر، وغير قادرة على تقديم حلول جذرية للمأزق البنيوي الذي يعيشه النظام.
- التضخم في إيران: سلة الغذاء تلتهم «85%» من دخل العامل
- دمار الحرب وعزلة الإنترنت والتضخم.. أزمات متداخلة تدفع النظام الإيراني نحو الانهيار الشامل
- الأزمة الاقتصادية في إيران: خسائر حرب بـ 270 مليار دولار ونزيف يومي بـ 80 مليون دولار بسبب قطع الإنترنت
- ظل الحرب ومقصلة التسريحات: انهيار الصناعة الإيرانية والعمال يدفعون فاتورة الفساد
- الاقتصاد تحت أنقاض الحرب: انهيار هيكلي ومأزق معيشي يطحن الإيرانيين
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
