بقاء النظام على حساب “القلق الجمعي” للإيرانيين
تُلقي حصيلة حكم الملالي بظلالها القاتمة على المجتمع الإيراني اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ وهي حصيلة فضّلت دائمًا أولوية الحفاظ على النظام على حياة المواطنين وصحتهم النفسية، ولم تُثمر سوى الفقر والقلق والفساد الهيكلي. إن الاعتراف الرسمي بوجود “مجتمع قلق” ليس سوى مؤشر على أزمة أعمق استهدفت الصحة النفسية والأخلاق العامة والأمل الاجتماعي؛ وهي أزمة تدفع الشعب الإيراني إلى إعادة التفكير في مصيره وطريق الخلاص.
إذا نظرنا إلى سجل حكم ولاية الفقيه من منظور الضرر الجماعي والتدمير المستمر لأسس الحياة الاجتماعية، فلن نجد سوى آلة لتوليد التكاليف الباهظة للشعب وتأمين رأس المال لبقاء النظام. عندما يصبح معيار عمل أي نظام هو “الحفاظ على الذات بأي ثمن”، يتم ضبط جميع آلياته – من السياسات الاقتصادية إلى الثقافة العامة والأجهزة القضائية والتعليمية – لفرض أضرار هيكلية وطويلة الأمد على الناس. والنتيجة الحتمية هي: تفاقم الفقر وعدم الاستقرار، وانهيار الثقة الاجتماعية، ومعاناة نفسية عميقة تُضعف تدريجيًا رأس المال البشري للمجتمع.
تواجه إيران أزمة صحة نفسية ذات أبعاد مذهلة. يعاني واحد من كل أربعة إيرانيين حالياً من اضطراب نفسي يمكن تشخيصه. وحتى هذه الأرقام تقلل من عمق الأزمة، لأن الكثيرين يعانون في صمت، دون إحصاء أو علاج.
وعندما تعترف وسائل الإعلام الرسمية للنظام بأن “المجتمع قلق” وتتحدث عن “انخفاض قدرة الناس على الصمود في وجه الضغوط الهائلة”، لا يمكن اعتبار ذلك مجرد تقرير منفصل عن الواقع؛ بل هو اعتراف بوجود جرح عميق تم تجاهله لسنوات أو تبريره سياسيًا. وقد عكست صحيفة “اعتماد” في عددها الصادر في 15 أكتوبر هذه الرسالة، نقلاً عن قائم بناه، المساعد التنفيذي لبزشكيان، الذي أكد أن الأزمات والضغوط الاقتصادية، والهجرة، والإنهاك، واليأس قد “استقرت في أعماق روح المجتمع”، وأن “الوصول إلى خدمات الصحة النفسية والتغطية التأمينية غير متاح لغالبية الناس”.
هذا الوضع ليس مجرد نتاج أخطاء اقتصادية متكررة، بل هو علامة على اختيار سياسي أعطى الأولوية للبقاء السياسي، وتخلى على مدى 46 عامًا عن أبسط واجبات أي حكومة في تأمين حياة مواطنيها وأمنهم النفسي. ومن بين ثنايا هذا السجل المظلم، يبرز الفساد الهيكلي وتآكل الأخلاق والثقافة. لقد لوّث الفساد السياسي والإداري النظام من قمته إلى قاعدته، ووقعت آثاره الاجتماعية المدمرة على كاهل الشعب، وتجسدت في التجارب اليومية للأسر، والشعور بانعدام الأمن، والخناق الاجتماعي، والإحصاءات المروعة للصحة النفسية والهجرة.
وبعد 46 عامًا من عمر النظام ومجيء وذهاب 13 حكومة، يقدم قائم بناه اعترافًا مذهلاً: “لا يزال العديد من مواطنينا لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات النفسية. في المناطق المحرومة، يتجلى بوضوح النقص في الأخصائيين النفسيين والمستشارين والأطباء النفسيين. والصحة النفسية، على عكس الصحة الجسدية، لم تجد بعد مكانتها اللائقة في نظام التأمين في البلاد”.
وخلصت الصحيفة إلى أن: “ألم الشعب الإيراني اليوم هو العجز الناجم عن المشاكل الحياتية الهائلة وارتباطها بالأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي آذت وجرحت نفسية جميع فئات المجتمع”.
حقًا، إذا كانت أولوية نظام الملالي هي الهيمنة المطلقة والحفاظ على بقائه على حساب تدمير روح ونفسية الشعب الإيراني، فماذا يجب أن تكون أولوية الشعب؟ وهل يبقى أمامه خيار سوى اللجوء إلى الانتفاضة والثورة لإنقاذ نفسه نهائيًا من هذا المصنع الذي يولد الإجرام ويرعى الفساد وينشره ويحتل إيران؟
