محاولات النظام الإيراني لإعادة بناء قواته الوكيلة في المنطقة
كما هو واضح للعيان، يكثّف النظام الإيراني جهوده لإعادة بناء شبكة وكلائه في المنطقة والحفاظ عليها. وفي هذا السياق، قام علي لاريجاني، الذي عيّنه الولي الفقيه خامنئي مؤخرًا أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، بزيارة إلى العراق ولبنان الأسبوع الماضي لمتابعة تنفيذ هذه السياسة.
ولكن قبل الخوض في تفاصيل هذه التحركات، من الضروري إلقاء نظرة معمقة على الأوضاع الداخلية للنظام والتحديات التي يواجهها، لفهم الدوافع الحقيقية وراء هذه الجهود بشكل أوضح.
الأوضاع الداخلية للنظام: أزمات متلاحقة
إن القضية الأكثر إلحاحًا التي تواجه النظام حاليًا هي احتمال تفعيل آلية “الزناد” (Snapback) من قبل الدول الأوروبية الثلاث: فرنسا وبريطانيا وألمانيا. فقد أعلن الأوروبيون أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي للنظام بحلول نهاية أغسطس، فسوف يلجؤون إلى تفعيل هذه الآلية. ويشعر النظام بقلق بالغ، لأن هذا الإجراء سيؤدي إلى تشديد الخناق الاقتصادي والسياسي عليه.
وقد عبّر وزير خارجية النظام عن هذا القلق بقوله:
«إذا تم تفعيل آلية الزناد، فسيكون ذلك أمرًا سيئًا… ستُعاد فرض العقوبات على الأسلحة، وهذا خسارة كبيرة. سنعود إلى الفصل السابع كتهديد للأمن والسلم الدوليين، وهذا سيخلق لنا مشكلات قانونية وسياسية متعددة، وله تبعات استراتيجية وسياسية سيئة، وعلينا مواجهته».
وقد فاقمت هذه القضية من حدة التناقضات داخل أروقة النظام، الذي بات يقترب من نقطة الحسم. ومع ذلك، لا يزال خامنئي يأمل في إيجاد ثغرة لتجاوز هذه المرحلة عبر بعض المناورات السياسية. وينقسم المسؤولون بين فريق يرى أن إعادة فرض العقوبات ستؤدي إلى “خنق” النظام، ويدعو إلى ضرورة التفاوض، وفريق آخر يرفض التفاوض بالمطلق. وقد وصل الأمر ببعض المسؤولين إلى حد تهديد الأوروبيين، بالقول إن صواريخ النظام يمكن أن تصل إلى أوروبا.
إلى جانب ذلك، يواجه النظام تحديًا آخر يتمثل في احتمال نشوب حرب، نظرًا لإصرار خامنئي على عدم التخلي عن المشروع النووي.
لكن الخطر الأكبر الذي يثير قلق النظام هو احتمال اندلاع انتفاضة شعبية، في ظل تفاقم أزمات المياه والكهرباء والتضخم بشكل يومي. وقد لخّص الرئيس بزشكيان هذا الواقع يوم الأحد الماضي بقوله:
«لدينا مشكلة في المياه، مشكلة في الكهرباء، مشكلة في الغاز، مشكلة في المال، مشكلة في التضخم. أين لا توجد مشكلة؟ كل شيء قسري. لا يمكنني ألا أقطع المياه. ليس لدي أي خيار آخر».
في مواجهة هذه الأزمات، لا يملك النظام أي حلول، ويكتفي بمحاولة قمع أي انتفاضة محتملة من خلال تكثيف حملات الإعدام، حيث أعدم 93 شخصًا في الأسبوعين الماضيين فقط. إلا أن هذه الإجراءات القمعية لا تؤدي إلا إلى زيادة الاحتقان وجعل الوضع الاجتماعي أكثر قابلية للانفجار.
ورغم هذه الأجواء الأمنية المشددة، نفذت “وحدات الانتفاضة” خلال الأسبوع الماضي عمليات في عدة محافظات، استهدفت عشرات المراكز التابعة للحرس والميليشيات ومراكز النهب والقمع. وفي محافظة سيستان وبلوشستان، نفذت مجموعات بلوشية مسلحة عمليات ضد قوات النظام القمعية، مما أسفر عن مقتل عدد من عناصرها.
سياسة النظام واستراتيجيته الإقليمية
في محاولة لإنقاذ نظامه من الأزمات المذكورة، يحتاج خامنئي إلى أذرعه الإقليمية أكثر من أي وقت مضى. لذا، يسعى بكل الوسائل للحفاظ على هؤلاء الوكلاء وإعادة بناء قدراتهم، ويضع على رأس أولوياته منع نزع سلاح حزب الله في لبنان ومنع حلّ الحشد الشعبي في العراق.
وقد عبّر قربانعلي دري نجف آبادي، وزير الاستخبارات الأسبق، عن هذه الاستراتيجية هذا الأسبوع بقوله:
«لقد خسرنا سوريا. ماذا سيحدث إذا تم نزع سلاح حزب الله؟ الأمريكيون أعلنوا عن خططهم الخبيثة تجاه الحشد الشعبي. يجب أن نحافظ على يقظتنا بنسبة مئة بالمئة».
1. العراق: محاولة يائسة للحفاظ على النفوذ
لنتناول الآن زيارة لاريجاني إلى العراق. على الرغم من أن الحشد الشعبي والأحزاب الموالية للنظام في العراق لم تتمكن من تقديم مساعدة حقيقية للنظام في الحرب الأخيرة، إلا أن النظام الإيراني يصر على الاحتفاظ بها كورقة ضغط لضمان أمنه، وللتأثير على الولايات المتحدة ودول المنطقة، وكذراع عسكرية للسيطرة على القرار العراقي.
أهداف زيارة لاريجاني:
كانت لزيارة لاريجاني أهداف متعددة، أبرزها:
- ضمانات أمنية: ضمان عدم استخدام المجال الجوي العراقي لشن هجمات على إيران في حال اندلاع حرب جديدة، والحصول على مساعدات استخباراتية عراقية، وفتح الحدود والأراضي العراقية أمام أنشطة النظام العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية.
- التحايل على العقوبات: مطالبة الحكومة العراقية بالمساعدة في التحايل على العقوبات، ليتمكن النظام من الحصول على المزيد من الدولارات عبر العراق، وتصدير نفطه، وتأمين السلع المحظورة عبر شركات وهمية.
- الهيمنة السياسية: توحيد صفوف الأحزاب والميليشيات الموالية له وتنسيق مواقفها استعدادًا للانتخابات المقبلة، لضمان استمرار سيطرتها على الحكومة العراقية.
ورغم توقيع اتفاقية أمنية بين لاريجاني ومستشار الأمن القومي العراقي، أعلنت الحكومة العراقية، بعد احتجاج الولايات المتحدة، أنها مجرد تحديث لمذكرة تفاهم حدودية. ولم تُكشف تفاصيل الاتفاقيات، لكن وسائل إعلام ذكرت أن الجانب العراقي أبلغ لاريجاني بأنه لا يملك الصلاحيات لتلبية كل مطالب النظام.
ويسعى النظام إلى أن يسيطر الحشد الشعبي والميليشيات الموالية له على جميع مفاصل الدولة العراقية. كما حاول استغلال مراسم الأربعين الدينية كأداة لإضفاء الشرعية على وجوده وتثبيت مكانة الحشد الشعبي. لكن في الواقع، فإن الحشود المتوجهة إلى كربلاء لا تربطها صلة بالنظام، بل إن الشعب الإيراني يقارن حكومة خامنئي بقتلة الإمام الحسين. وقد تم هذا العام تهديد جميع الهيئات الدينية ومواكب العزاء في إيران بالاعتقال إذا رددوا شعارات مناهضة للنظام.
ورغم أن النظام يوفر تذاكر رخيصة وتسهيلات للسفر إلى العراق، فإن استجابة البعض لا تعني دعمهم للنظام. وفي المحصلة، يبذل النظام قصارى جهده للحفاظ على عملائه في العراق، لكن من الواضح أن الأوضاع لم تعد كما كانت، وأن نفوذه قد تراجع. إن إخراج العراق من قبضة النظام يتطلب إجراءات جادة، وعلى رأسها دعم الشعب العراقي والقوى الوطنية، وتعرية مخاطر نفوذ النظام إعلاميًا وسياسيًا.
2. لبنان: معركة منع نزع سلاح حزب الله
يشكل منع نزع سلاح حزب الله حجر الزاوية في استراتيجية خامنئي في لبنان. وتكمن أهمية هذا الملف في تأثيره المباشر على مصير نظام الملالي، مما يجعل مهمة إفشال خطة خامنئي أولوية للقوى الوطنية في لبنان والمنطقة.
فرغم الضربات القوية التي تلقاها، يظل حزب الله الأداة العسكرية ودرع الحماية الأهم للنظام. وبطبيعة الحال، لا يهتم خامنئي بمعاناة الشعب اللبناني الذي يدفع ثمن سياسات النظام من خلال احتلال جزء من أراضيه وتدمير اقتصاده.
يعتبر النظام نزع سلاح حزب الله هزيمة استراتيجية لا تُعوض وتهديدًا مباشرًا لأمنه القومي. وقد قدّر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قبل الحرب الأخيرة أن نزع سلاح الحزب سيفتح الطريق أمام هجمات عسكرية لاحقة على إيران.
خطة النظام الإيراني في لبنان:
وفقًا لتقارير مسربة من داخل النظام، صممت طهران سلسلة من المؤامرات لمنع نزع سلاح حزب الله، وقد سافر لاريجاني إلى لبنان للإشراف على تنفيذها. وتشمل هذه الخطة ما يلي:
- الضغط السياسي: السعي في المرحلة الأولى لمنع إقرار خطة نزع السلاح خلال الأسبوعين المقبلين عبر الضغوط السياسية والإعلامية والتهديد، أو تأخيرها بأي شكل ممكن.
- خلق الفوضى: يخطط الحرس لخلق حالة من انعدام الأمن في لبنان عبر استئجار عصابات إجرامية، ومهاجمة بعض المراكز الأجنبية والعربية، للإيحاء بأن نزع سلاح الحزب سيؤدي إلى فقدان الأمن.
- استهداف الجيش السوري: في حال أبدت الحكومة السورية الجديدة نية للتعاون في نزع سلاح حزب الله، يخطط النظام لاستهداف قادة في الجيش السوري بطائرات مسيرة أو وسائل أخرى، ثم إلصاق التهمة بأطراف أخرى.
- الضغط عبر وسطاء: الضغط على الحكومة اللبنانية من خلال بعض دول الخليج لمنع نزع سلاح الحزب.
وتُعد السفارة الإيرانية في بيروت المركز الرئيسي لقيادة هذه الخطة. أما فيما يتعلق بالتمويل، فقد أدى سقوط نظام بشار الأسد إلى تعقيد وصول الدعم المالي لحزب الله. وقد أدى تقلص إيرادات الحزب إلى تآكل قاعدته الاجتماعية بشكل ملحوظ، والتي كان قد بناها سابقًا عبر تقديم المساعدات الاجتماعية بأموال الشعب الإيراني. ويحاول النظام حاليًا إيجاد طرق بديلة لإيصال الأموال، مستخدمًا مكاتب الصرافة داخل لبنان على نطاق واسع.
علوش: إيران تتمسك بوجود عسكري داخل لبنان رغم رفض الدولة
لبنان والعراق واليمن يرفضون الوصاية الإيرانية
تغير ميزان القوى:
على الرغم من كل هذه الجهود، فإن المعادلات الإقليمية قد تغيرت، ولم يعد للنظام نفوذه السابق في لبنان. وتتجلى هذه الحقيقة في المواقف الصريحة والحازمة لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والأحزاب اللبنانية ضد تدخلات النظام. وقد قال رئيس الجمهورية اللبناني في مقابلة مع قناة “العربية”: “رسالتنا واضحة لإيران… عدم التدخل في الشؤون اللبنانية.”
لذا، يمكن ويجب اتخاذ إجراءات حاسمة لإفشال خطة النظام، تبدأ بطرد سفيره وإغلاق سفارته في بيروت، وتكثيف حملات التوعية الإعلامية حول سياساته الخبيثة.
3. اليمن: جبهة منخفضة التكلفة وعالية المنفعة
في اليمن، يُعد دعم الحوثيين استثمارًا استراتيجيًا للنظام الإيراني، فهو جبهة منخفضة التكلفة وعالية المنفعة. يخضع الحوثيون لأوامر الحرس بشكل كامل، وتتماشى أنشطتهم العسكرية مع احتياجات النظام. فكلما احتاج خامنئي إلى استعراض القوة أو استخدام ورقة ضغط في المفاوضات، يقوم بتنشيط الجبهة الحوثية.
ورغم اكتشاف الحكومة اليمنية الشرعية لشحنات أسلحة إيرانية ضخمة مؤخرًا (حوالي 750 طنًا من الصواريخ والمعدات)، يواصل خامنئي إرسال الدعم. إن أفضل طريقة لمواجهة هيمنة الحرس الثوري على اليمن تكمن في تقديم الدعم الكامل للحكومة اليمنية الشرعية للتقدم سياسيًا وعسكريًا، وإنهاء سيطرة خامنئي على هذه المنطقة الحساسة.
الحل: مواجهة شاملة لمخططات النظام
كلما ازدادت هشاشة نظام خامنئي في الداخل، زاد اعتماده على شبكة وكلائه في الخارج. فما الذي يجب فعله لمواجهة مخططاته في المنطقة؟
إن الحل الجذري يكمن في إسقاط هذا النظام على يد الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية. ولكن بالتوازي مع ذلك، يجب العمل على كشف مخططات النظام وفضحها على الصعيدين السياسي والإعلامي، مع التركيز بشكل خاص على ضرورة نزع سلاح حزب الله، وهو مطلب الشعب اللبناني، وضرورة حلّ الحشد الشعبي في العراق، لمنع خامنئي من استخدامهم لزعزعة استقرار المنطقة.
يعلم الجميع أن حزب الله لم يخدم سوى أجندة خامنئي، وقمع الشعب اللبناني، وشارك في قتل الشعب السوري. إن نزع سلاحه يعني قطع أيادي خامنئي الملطخة بالدماء في المنطقة.
- مريم رجوي: شهداء مجاهدي خلق هم فدية الحرية والسلام الدائم في إيران والمنطقة
- مؤتمر في باريس بحضور السيدة مريم رجوي.. إعدامات الولي الفقيه لن توقف حتمية التغيير
- جعفر زاده عبر فوكس نيوز: مفاوضات مع النظام الإيراني سراب السلام وتكتيك شراء الوقت
- دعم أوروبي للحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية
- نهاية الحرب.. الضربة القاضية لنظام الملالي
