أزمة التمريض في إيران: نقص الكوادر والهجرة وفشل النظام يهددون الصحة العامة
مع غياب 100 ألف ممرض وممرضة عن نظامها الصحي، تواجه إيران كارثة متنامية متجذرة في سوء الإدارة، وعدم المساواة في الأجور، والهجرة الجماعية.
ينزلق نظام الرعاية الصحية في إيران نحو واحدة من أخطر أزماته منذ عقود، حيث يهدد النقص الحاد في الكوادر التمريضية والطبية جودة واستقرار الخدمات الطبية في جميع أنحاء البلاد. وما كان في السابق عجزًا يمكن السيطرة عليه، تحول الآن إلى حالة طوارئ نظامية تقوض قدرة إيران على توفير حتى الرعاية الأساسية في العديد من المناطق.
قوة عاملة تستنزف: فقدان 100 ألف ممرض
في 12 يوليو، كشف أحمد نجاتيان، رئيس منظمة التمريض الإيرانية، أن البلاد تواجه نقصًا يقارب 100 ألف ممرض وممرضة. وأضاف أن ما يقرب من 5000 ممرض يخرجون من نظام الرعاية الصحية كل عام، لأسباب منها:
- الرغبة في الهجرة إلى الخارج.
- التقاعد المبكر.
- الإرهاق الجسدي والنفسي الشديد.
- انخفاض الرواتب مقارنة بعبء العمل.
الإحصاءات مثيرة للقلق. يبلغ المتوسط الوطني في إيران 0.95 ممرض لكل سرير في المستشفيات، لكن في المحافظات الأقل نموًا، ينخفض هذا الرقم إلى 0.6. أما المعيار العالمي فيقارب 1.8 ممرض لكل سرير. وفي عام 2017، كان لدى إيران 1.6 ممرض فقط لكل 1000 شخص، مقارنة بـ 9 إلى 10 ممرضين لكل 1000 شخص في دول مثل السويد. هذه الأرقام تضع إيران في مصاف الدول منخفضة الدخل من حيث كثافة التمريض والقدرة على الرعاية الصحية.
ظروف عمل سيئة وأجور غير متكافئة
أحد الدوافع الأساسية لهذا الاستنزاف هو اتساع فجوة الأجور بين الممرضين والأطباء. في عام 2015، كان الأطباء يكسبون حوالي ضعف ما يكسبه الممرضون؛ بحلول عام 2023، اتسعت الفجوة لتصل إلى ثلاثة أضعاف أو أكثر. هذا التفاوت، إلى جانب انعدام الأمن الوظيفي، قد سحق معنويات طواقم التمريض في إيران.
يتم توظيف العديد من الممرضين بموجب عقود هشة مدتها 89 يومًا، خاصة في المناصب التي يتم تعهيدها إلى شركات خارجية. لا توفر هذه العقود أي أمان وظيفي، ولا مسارًا واضحًا للترقية، ولا حافزًا يذكر للالتزام طويل الأمد. ومما يزيد من تفاقم الاستياء الأجور غير المدفوعة، والعمل الإضافي الإلزامي دون تعويض مناسب، والمناوبات الطويلة تحت ضغط نفسي عالٍ، وكل ذلك مع حد أدنى من الدعم المؤسسي.
هجرة الأدمغة: الآلاف يهاجرون سنويًا
تخسر إيران الآلاف من الممرضين المدربين بسبب الهجرة. يغادر ما بين 1800 و 3000 ممرض البلاد كل عام، متجهين غالبًا إلى وجهات مثل ألمانيا والدنمارك وكندا ودول الخليج. تقدم هذه البلدان:
- رواتب شهرية تتراوح بين 2000 و 3000 يورو.
- أمان وظيفي.
- ساعات عمل معيارية.
- فرص للتطوير المهني.
في المقابل، يبلغ متوسط الراتب الشهري للممرضين في إيران حوالي 200 دولار، وهو رقم يتضاءل أمام المقارنة، خاصة في ظل عدم الاستقرار الاقتصادي والتضخم المستمر. وأشار محمد شريفي مقدم، الأمين العام لنقابة الممرضين، إلى أن ما يصل إلى 100 ألف ممرض إيراني إما عاطلون عن العمل أو تركوا المهنة تمامًا بسبب ظروف العمل السيئة.
أوجه القصور الهيكلية والفجوات التدريبية
تتفاقم الأزمة بسبب الاختلالات الهيكلية. على مدى السنوات الخمس الماضية، أضافت إيران أكثر من 40 ألف سرير في المستشفيات، لكنها فشلت في توظيف عدد كافٍ من الممرضين لمواكبة هذا التوسع. وقد أدى ذلك إلى إرهاق الكادر الحالي، وزيادة الاحتراق الوظيفي، وتدني جودة الرعاية.
على الصعيد التعليمي، تعاني برامج التمريض في إيران من نقص في أعضاء هيئة التدريس. وفي كثير من الحالات، تتجاوز نسبة الطلاب إلى الأساتذة 20 إلى 1، وهو ما يتجاوز بكثير المعدل العالمي المثالي البالغ 10 إلى 1. وهذا يقوض تطوير المهارات السريرية والعملية ويعرض الجيل القادم من مقدمي الرعاية للخطر.
قمع النشاط العمالي
وما يزيد الأزمة تفاقمًا هو الحملات الأمنية ضد الاحتجاجات التي يقودها الممرضون. في عام 2024 وحده، نظم الممرضون الإيرانيون أكثر من 50 مظاهرة في مختلف المحافظات، مطالبين بأجور عادلة وعقود أفضل وتحسين ظروف العمل. قوبل الكثير من هذه التجمعات بتهديدات أمنية أو اعتقالات أو إشعارات بإنهاء الخدمة.
حالة طوارئ وطنية تتكشف
لم تعد هذه مجرد مشكلة في التوظيف، بل هي أزمة صحة عامة وطنية. إن نقص الكوادر التمريضية يؤدي إلى تآكل سريع في البنية التحتية للرعاية الصحية في إيران. وبدون إصلاحات فورية، تخاطر البلاد بالانحدار إلى حالة تصبح فيها حتى الرعاية الصحية الأساسية غير متاحة للملايين.
يقول الخبراء إن على إيران التحرك الآن على جبهتين:
- التدخل قصير المدى: تنفيذ سياسات للحد من الهجرة، والاحتفاظ بالموظفين الحاليين، وتقديم إغاثة مالية فورية.
- الإصلاح الهيكلي طويل المدى: الالتزام بتوظيف ما لا يقل عن 10 إلى 12 ألف ممرض جديد سنويًا، ومواءمة التوظيف مع توسعات المستشفيات، وتثبيت العقود، وإصلاح هياكل الأجور.
تشير وزارة الصحة إلى أن ما لا يقل عن 3000 ممرض يتقاعدون سنويًا، وهو رقم لا يتم تعويضه. ومع الخسائر الإضافية الناجمة عن الهجرة والاحتراق الوظيفي، يتم استنزاف النظام بشكل أسرع مما يمكن إعادة بنائه. بدون تدخل مستدام ومجدٍ، ستتحول أزمة التمريض في إيران إلى انهيار ذاتي التعزيز، قد يطغى على نظام الرعاية الصحية في البلاد ويترك مواطنيها دون دعم طبي أساسي.
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث
