دبلوماسية الاستجداء… عراقجي يطرق أبواب أوروبا خوفاً من آلية الزناد
وسط تصاعد الضغوط الدولية والخشية المتزايدة من إعادة فرض العقوبات الدولية عبر “آلية الزناد”، لجأ عباس عراقجي، وزير خارجية النظام الإيراني، إلى إطلاق حملة دبلوماسية مكثفة، معلناً استعداده لزيارة العواصم الأوروبية الثلاث: باريس وبرلين ولندن، بعد أن أجرى مشاورات مماثلة في موسكو وبكين.
في رسالة باللغة الإنجليزية نشرها على حسابه في منصة إكس، أقرّ عراقجي بأن العلاقات بين النظام الإيراني والدول الأوروبية الثلاث تمر بـ”مرحلة سيئة”، قائلاً:
«شاء من شاء وأبى من أبى، علاقاتنا مع فرنسا وألمانيا وبريطانيا في وضع غير مناسب حالياً.»
ورغم هذا الإقرار الواضح، حاول عراقجي التهوين من مسؤولية النظام الإيراني، قائلاً إن إلقاء اللوم على الأطراف المتقابلة “محاولة عبثية”، مضيفاً أن “ما يهم هو أن الوضع الراهن يضر بالجميع”، في محاولة مكشوفة للتنصل من الأسباب الجوهرية للتوتر.
دعوات للتعاون بعد سنوات من المواجهة
في محاولة لتغيير النبرة، كشف عراقجي أنه خلال اجتماعات سابقة مع وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث على هامش اجتماعات نيويورك في سبتمبر الماضي، دعا إلى اعتماد نهج “التعاون بدلاً من المواجهة”، ليس فقط في الملف النووي، بل في “جميع القضايا ذات المصالح والمخاوف المشتركة”، على حد وصفه.
لكنه عاد واعترف بأن هذه المبادرات قوبلت بالرفض من الطرف الأوروبي الذي «اختار المسار الصعب»، في إشارة ضمنية إلى تمسك الأوروبيين بمواقفهم تجاه انتهاكات إيران للاتفاق النووي والملفات الأخرى المرتبطة بالإرهاب الإقليمي.
ورغم الدعوات المتكررة لعراقجي إلى الحوار والتعاون، إلا أن تصريحاته تكشف عن تناقضات واضحة.
فمن جهة يحمّل الأوروبيين مسؤولية الفشل الدبلوماسي، ومن جهة أخرى يعترف ضمناً بأن النظام الإيراني يتحمل نصيباً من تدهور العلاقات.
كما أنه يتحدث عن “فتح صفحة جديدة” بعد فوات الأوان، في وقت سبق أن أضاع خلاله النظام الإيراني فرصاً عدة عبر تعنته في الملف النووي وانتهاكاته المستمرة لالتزاماته الدولية.
تناقض آخر برز في حديث عراقجي عن “استعداده للحوار” قبل المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، مدعياً أن الأوروبيين لم يستغلوا الفرصة، متناسياً أن النظام الإيراني كان منذ البداية من قاد حملة التصعيد عبر توسيع أنشطته النووية وزيادة تخصيب اليورانيوم.
مخاوف عميقة من تفعيل «آلية الزناد»
المخاوف الحقيقية لعراقجي والنظام الإيراني ليست خافية على أحد، إذ يخشى النظام من لجوء الدول الأوروبية إلى تفعيل «آلية الزناد»، ما يعني إعادة فرض جميع العقوبات الدولية الملغاة بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.
في هذا السياق، كتب عراقجي صراحةً:
«أجدد الدعوة إلى الدبلوماسية. وبعد مشاوراتي الأخيرة مع موسكو وبكين، أنا مستعد للقيام بالخطوة الأولى عبر زيارة باريس وبرلين ولندن.»
هذه الخطوة تعكس قلق النظام العميق من فقدان الدعم الدولي المتبقي، ومحاولاته المستميتة لمنع عودة العقوبات الشاملة التي قد تعصف باقتصاده المنهك.
وبالتوازي مع الجهود الأوروبية، كشفت شبكة Axios الأمريكية يوم 24 أبريل 2025 عن تفاصيل اللقاء الذي جمع عراقجي مع ستيف ويتكوف، مبعوث البيت الأبيض، خلال المحادثات النووية في روما.
وبحسب مصادر مطلعة، أعرب عراقجي عن اعتقاده بأن تحقيق اتفاق نهائي خلال المهلة المحددة (ستين يوماً) وفق الجدول الزمني الذي حدده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمر صعب. واقترح عراقجي بدء مفاوضات حول اتفاق مؤقت بدلاً من الاتفاق الشامل.
إلا أن ويتكوف رد بوضوح قائلاً إنه «لا نية للبحث في اتفاقات مؤقتة»، وأكد أن واشنطن تركز على التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل ضمن الإطار الزمني المحدد.
وفي سياق متصل، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية تامي بروس في مؤتمر صحفي أن مفاوضات تقنية ستُعقد يوم السبت المقبل في العاصمة العمانية مسقط.
سيرأس الوفد الأمريكي مايكل أنطون، مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، على أن يشارك ويتكوف بصفته المبعوث الخاص، فيما سيرسل النظام الإيراني وفداً فنياً للمباحثات.
كما أكدت بروس أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية سترسل هذا الأسبوع فريقاً إلى طهران لمواصلة المراقبة والتحقق من البرنامج النووي الإيراني.
حملة عراقجي الأخيرة في العواصم الأوروبية ليست سوى محاولة متأخرة لتفادي العاصفة الدبلوماسية القادمة.
خطابه المليء بالتناقضات يعكس حالة الارتباك التي يعيشها النظام الإيراني، وهو يحاول عبثاً أن يمنع انهيار الاتفاق النووي عبر إبداء مرونة لفظية، فيما يواصل عملياً السير على نهج التصعيد والمراوغة.
وبينما تتسارع خطوات المجتمع الدولي نحو محاصرة النظام، يبدو أن نافذة النجاة تضيق أكثر فأكثر أمام طهران، التي تجد نفسها الآن محاصرة في الزاوية، تواجه خيارات أحلاها مرّ.
- الابتزاز النووي والإرهاب الداخلي: النظام الإيراني يتخبط في أزمات السقوط
- تحذير غروسي: مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب سيبقى تهديدًا حتى بعد الحرب
- كايا كالاس: الاتحاد الأوروبي يعاقب 19 مسؤولاً وكياناً تابعاً للنظام الإيراني
- علي رضا جعفرزاده لشبكة نيوزماكس: لا حاجة لتدخل عسكري أمريكي، والشعب الإيراني والمقاومة المنظمة هما الحل لإسقاط النظام
- تكتيكات الخداع وتصدير الأزمات: المقاومة الإيرانية تحذر من نوايا طهران النووية
- تصاعد التوترات النووية: تحركات عسكرية ومواقف أمريكية حازمة تجاه طهران
