أزمة الفقر المتفاقمة وتأثيرها على المجتمع الإيراني
“انخفاض الأجور بنسبة 400% خلال عقد من الزمن”—هذا هو العنوان الصادم الذي تصدر الصفحة الأولى لصحيفة “مردم سالاري” التابعة للنظام الإيراني في 29 يناير 2025. وحده هذا العنوان يكشف عن الصورة القاتمة للوضع المعيشي الكارثي للعمال وأصحاب الأجور في إيران. فالمعنى الواضح هو أن مستوى معيشة العمال انخفض إلى الربع خلال العقد الماضي. البيانات الاقتصادية الأخرى تؤكد هذه الحقيقة. قبل عشر سنوات، كان الحد الأدنى للأجور حوالي 6 ملايين ريال، أي ما يعادل 235 دولارًا في ذلك الوقت. أما اليوم، وبحساب سعر الصرف الحالي، فإن الحد الأدنى للأجور لا يتجاوز 94 دولارًا فقط. وهذا الانهيار يتسارع بوتيرة مقلقة؛ ففي بداية هذا العام، كان الحد الأدنى للأجور يعادل 133 دولارًا، ما يعني أن القوة الشرائية للعمال تراجعت بنسبة 30% خلال عشرة أشهر فقط.
ولكن الأرقام وحدها لا تعكس الصورة الكاملة للواقع المأساوي الذي يعيشه العمال والفقراء في إيران. وفقًا لصحف النظام، 60% من السكان غير قادرين على الحصول على الحد الأدنى المطلوب من السعرات الحرارية يوميًا للبقاء على قيد الحياة، وهو 2500 سعرة حرارية. لم يعد الأمر يتعلق بتقلص موائد الطعام، بل أصبح يتعلق بالموائد الفارغة تمامًا من اللحوم، ومنتجات الألبان، والزيوت، والمواد الأساسية الأخرى، مما ترك الأغلبية تعاني من الإنهاك والجوع. حتى إحصائيات النظام تؤكد ذلك؛ فقد ذكرت صحيفة “اعتماد” في 12 ديسمبر 2024 أن استهلاك الفرد من الفواكه انخفض بنسبة 50-60%، ومنتجات الألبان بنسبة 80%، واللحوم بنسبة 60% منذ عام 2011.
بكلمة واحدة، هذه الإحصائيات تعني “الجوع”—حشود هائلة من الجوعى، اضطر الكثير منهم للبحث عن الطعام في مكبات النفايات. في محاولة للبقاء، يعمل العمال في وظيفتين أو ثلاث، ويتجاوز عدد ساعات عملهم 12 ساعة يوميًا.
وتشير الأبحاث إلى أن 75–80% من سكان إيران يعيشون الآن تحت خط الفقر. ففي 6 أبريل 2024، نقلت وكالة أنباء “إيلنا” التابعة للنظام عن أحد الخبراء قوله: “عدد الأشخاص تحت خط الفقر قد تضاعف، وعدد العاملين الذين يعيشون في الفقر ازداد خمسة أضعاف.”
لم تعد الأزمة تقتصر على الدخل والمعيشة، بل باتت تمتد إلى كل جوانب الحياة، بما في ذلك السكن. ففي عام 2020، أعلنت وزارة الإسكان والتنمية الحضرية التابعة للنظام أن 26 مليون شخص يعيشون في الأحياء العشوائية. ومع اتساع رقعة الفقر خلال السنوات الأربع الماضية، تشير التقديرات إلى أن العدد زاد بنسبة 30% على الأقل، مما أدى إلى ظهور ظواهر أكثر مأساوية مثل النوم فوق أسطح المباني، وفي الحدائق العامة، بل وحتى في القبور. واللافت أن هذه الكارثة تحدث في وقت تؤكد فيه المصادر الرسمية أن هناك 2.5 مليون وحدة سكنية فارغة، معظمها مملوكة للبنوك التي تعمل على احتكار العقارات والمساهمة في رفع أسعار السكن والإيجارات. هذه البنوك خاضعة لسيطرة كبار الناهبين المرتبطين بالنظام، وعلى رأسهم الوليالفقیة علي خامنئي، الذي يحتجز أرزاق أكثر من 80 مليون إيراني رهينة لمصالحه الخاصة.
يحاول مسؤولو النظام التذرع بالمؤامرات الخارجية والعقوبات الاقتصادية لتبرير الارتفاع غير المسبوق في الفقر والبؤس. لكن هذا كذب مكشوف لا ينطلي على أحد، فالجميع يعلم أن السبب الحقيقي يكمن في النظام الفاسد والاقتصاد الطفيلي الذي أنشأه الملالي. خلال السنوات الأربع الماضية، في ظل تخفيف بعض العقوبات، كان النظام يصدر أكثر من مليوني برميل نفط يوميًا. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه العائدات إلا إلى تعميق الفقر، لأن الأموال لم تذهب إلى الشعب، بل إلى جيوب حرس النظام الإيراني (IRGC) وكبار المسؤولين، الذين يواصلون نهب ثروات البلاد وتحويلها إلى مشاريعهم التوسعية والإرهابية خارج الحدود.
شعب إيران المضطهد، وخاصة طبقته العاملة، أصبح اليوم بركانًا يغلي ضد نظام الناهبين واللصوص. حتى وسائل الإعلام التابعة للنظام بدأت تسمع هذا الغليان. ففي تحذير صارخ نشرته صحيفة “جمهوري” بتاريخ 25 نوفمبر 2024، جاء فيه: “هذه المظالم المكبوتة ستنفجر يومًا ما مثل بركان، لتطلق جيشًا من المحرومين والجائعين ضد المسؤولين عن هذه الكارثة—انتفاضة لا يمكن تسميتها إلا بثورة جيش الجياع. ألا تخشون مثل هذه الثورة؟”
- أزمة المياه تضرب مشهد: جفاف السدود يفضح فساد النظام الإيراني ومشاريع الحرس التدميرية
- التضخم يبتلع موائد الإيرانيين مسجلاً 62.2%.. اقتصاد في حالة سقوط حر
- الانهيار الاقتصادي ودماء شهداء الإنتفاضة يدفعان النظام الإيراني نحو الهاوية
- صحيفة دير ستاندرد تفضح الإمبراطورية المالية لـ مجتبى خامنئي في قلب أوروبا
- بزشكيان يعترف بـ الانهيار الوشيك.. قلب النظام ينبض بصعوبة وأي ضغط إضافي سيفجره
- اعترافات في برلمان النظام : عرقلة تفتيش الطاقة الذرية، خط الفقر يقفز لـ 50 مليون تومان، وآلاف الوفيات بسبب التلوث
