728 x 90

الثور الأبيض


بقلم: نزار جاف
في فلم التانغو الاخير في باريس، وعندما يتلقی بطل الفلم باول"مارلون براندو"، رصاصة من بطلة الفلم جيني"ماريا شنايدر"، يصبح في حالة ذهول فيتجه الی البلکونة التي تطل علی باريس ومن هناک يحدق في المدينة بعمق وهو يقول"أنا أتذکر" ويتهاوی في البلکونة ميتا وهو مصدوم. وکثيرا مايجد الانسان نفسه في موقف صادم يشله و يجعله في حالة ترنح بين الحياة و الموت وعندها قد يکتشف الحقيقة ولکن لات حين مناص!
قد أرتکب ظلما کبيرا عندما أصدم القارئ بتشبيه المرشد الاعلی في إيران بباول"الممثل المبدع مارلون براندو"، من حيث إن کلاهما قد صدم بالحقيقة المرة ولکن باول مات من هول المفاجأة أما خامنئي، فإن الحقيقة التي صدمته في عام 2009 و عام 2017، علی أثر إنتفاضتين جردتاه من هيبته و رفضتاه هو و نظامه بصراحة فجة، لم تردي به بل وحتی لم تدفعه کأي قائد أو زعيم الی الشعور بالخجل و الندم و ترک المنصب وانما إزداد تمسکا بالمنصب، فالملايين المطالبة برحيله، هم منافقون و کفرة و أناس ضلوا الطريق!!
السباحة ضد التيار و الإصرار علی موقف خاطئ و مرفوض، ليس بذلک الامر السهل الذي بإمکان الاستمرار به طويلا، خصوصا عندما يقف ذلک المعاند علی أرض رخوة و بين جدران متداعية من دون أساس، لکنه مع ذلک يؤکد للجميع من إن کل شئ علی مايرام و ليس هناک مايدعو للقلق، وهذا هو حال خامنئي اليوم رغم إن الصدمة التي أصابته علی أثر الانتفاضة الاخيرة کانت من القوة بحيث جعلت متواريا عن الانظار لثلاثة عشر يوما ليخرج بعدها و الوجوم يظهر بوضوح علی وجهه وهو يعلن للملأ من إن منظمة مجاهدي خلق کانت وراء الانتفاضة، وکأنه بذلک يوحي بتکفير من شارکوا في الانتفاضة لأن القيادة بنظره کافرة، والکفر بنظر خامنئي و نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية هو أن تکون معارضا و مخالفا للنظام، وذلک يعني بأن خامنئي يحکم شعبا من الکفار و الخونة و المارقين. لکن هل شفع ذلک للخامنئي؟
"اني باعتبار وظيفتي في المحکمة الخاصة أری تقديم تقارير غيرقابل للانکار في هذا المجال في مدينة قم هناک بعض من يتشدقون بأنهم رجال الدين يشکلون إجتماعا في نمط تنظيمات وموضوع الاجتماع لهؤلاء السادة يرکزعلی کيفية شطب مسألة ولاية الفقيه من الدستور والنظام."، هذا الکلام قد جاء علی لسان رجل الدين، جعفر منتظري المدعي العام، في 27 نيسان الماضي، أي قبل فترة قصيرة، وهذا الکلام يعني إن رفض النظام و ديکتاتورية الولي الفقيه قد إجتاحت المؤسسة الدينية في قم و التي کانت الحصن الحصين للنظام، فماذا يحدث في إيران التي إنطلقت الانتفاضة الاخيرة التي نادت بالموت لخامنئي من مدينة مشهد المقدسة، بل وماذا يجري للولي الفقيه نفسه؟!
إعترافات رجال الدين من الدائرة المقربة من الولي الفقيه بزيادة الکراهية و الرفض للنظام و المطالبة بإنهاء دور التسلطي القمعي، حقائق تصفع النظام القائم منذ أربعة عقود و تثبت فشله و إخفاقه الکامل، لکن المثير للسخرية و التهکم عندما يبادر هؤلاء الی إظهار الحقيقة مشوهة و محرفة فهاهو رجل الدين أحمد جنتي، رئيس مجلس الخبراء يعرب عن تعجبه من رفض النظام في المؤسسة العلمية في إيران فيقول:" لا أعرف لماذا في الجامعات وبين الطلاب والأساتذة بعض منهم ضالين الی درجة حيث يبرزون جهارا وفي الخفاء رفضهم لولاية الفقيه. في حين أن ولاية الفقيه و بجانبها قوات الحرس و الباسيج تقاتل الأعداء."، وأي أعداء يقاتلون؟ هل هناک من أعداء غير الشعب الايراني و شعوب المنطقة و الانظمة القائمة القائمة فيها؟ بل وان رجل الدين فاضل لنکراني يعترف بالحقيقة المرة برفض دور رجال الدين في الحکم و السياسة لکنه يعبر عن أسفه لذلک عندما يؤکد من إنه:" يريد عدد من المواطنين أن يکون رجال الدين غير مبالين بالثورة. لسوء الحظ أظهرت هذه الفکرة نفسها في السنوات الأخيرة من جديد وتقول علينا ألا نتدخل في الشؤون! ويترک رجال الدين الساحة ويکتفي بالاشراف والتوجيه العام"، إنهم يعرفون بکراهية الشعب عامة و النخب منها خاصة، لکن خامنئي و رجاله لايزالوا متسمکين بالحکم و يتصوروا من إنهم سيتجاوزوا هذه المرحلة أيضا.
المرحلة الحالية التي يواجهها خامنئي المريض و المتعب و نظامه المتداعي المهزوز، مرحلة تختلف عن المراحل السابقة جملة و تفصيلا، إنها المرحلة التي ينعدم فيها الامل بإصلاح الامور و معالجتها، تماما کالمريض الذي يعلن الاطباء اليأس من حالته، والحق إن الجمهورية الاسلامية الايرانية کنظام سياسي فکري قد بدأ العد التنازلي لنهايتها في إنتفاضة 2009، عندما ضاعت هيبة منصب المرشد الاعلی و الذي هو کلمة سر النظام کله، وخامنئي قد إنتهی معنويا منذ ذلک الحين، ولذلک فمن الطبيعي جدا أن يعلن القادة و المسؤولون الايرانيون وهو يرون تداع النظام و قرب سقوطه من إن النظام سقط يوم فقد الخامنئي هيبته کولي فقيه!