728 x 90

رسالة من السجينة السياسية الصامدة السيدة مريم أکبري منفرد لمناسبة الذکری السنوية لمجزرة عام 1988

-

  • 8/24/2017
من عذابات أمهات شهداء مجاهدي خلق الايرانية
رسالة من السجينة السياسية الصامدة السيدة مريم أکبري منفرد من سجن ايفين
بسم الله وباسم الحرية والوعي والعدالة
تحدثنا وقرأنا عن الملاحم الرائعة للشهداء الخالدين، وتغنينا عن أروع الملاحم في تاريخ حرية الشعب الايراني، بقلب مفعم بالمحبة والايمان؛ أحيّي تلک الأرواح الطاهرة لاولئک الأبطال المکبلين واولئک الشهود علی آيات الصدق والوفاء والايثار.
وأکتب لاولئک الأمهات والآباء الذين ينحني جبل دماوند أمام مقاومتهم الصلبة. تقديرا لما وهبوا من تعبير راق وانساني لکلمة «الأم»، وتکريما لعطاءاتهم السخية المستمرة في کل لحظة، وتصبّرهم علی المکروه کأنّه نسيم عليل يهب من السماء.
أتصفح أوراق ذکرياتي أنتقل من واحدة الی أخری لأصل الی صفحة أجد فيها نظرتک المألوفة؛ نظرتک الحنونة التي تحمل کمرسال بداخله دفء الحياة ويختبر الوجود وصرخة تطلق لطلب الحق. فکانت الأيام صاخبة بعودة أسری الحرب الی الوطن. وکانت حارتنا مزدانة لاستقبال عودة رضا بن زهراء السيدة الجارة لنا. وکانت الأم کالعادة قد ذهبت الی مقبرة «بهشت زهراء» وعادت وقت الظهر الی البيت.
أتذکر جيدا تلک اللحظة، احتضنت الأم، رضا وکانت تقبّل خدّه کأنّها تقبّل خدّ عزيزها عبدالرضا الذي لم يمر من استشهاده الا أيام معدودات. کنتِ غارقة في أفکارک کل اليوم؛ وکانت نظرتک تتحدث عن سوط العذاب الذي لحق بکِ جراء الظلم. وکانت نظرتي تتابعکِ وغطت کل قامتک الشامخة التي اجتازت کل الأيام الصعبة ومحطاتها العصيبة مع کل أعمال الجور وأبت الا وأن تبقی صامدة. وأنا مازلت أتذکر تلک العبارة التي قلتِ في ذلک اليوم «يا ليت کان بامکاني أن أحتفل بعودة أعزائي، فيما لم أر لا جثامينهم ، بل حتی لا يسمحون لي أن أقيم العزاء لهم».
نعم، في تلک الأيام التي کانت شوارع ايران مزدانة بالزهور وکل حارات البلد مضاءة لاستقبال أسری الحرب وکان الناس في غمرة الفرح والسرور، کانت هناک في الوقت نفسه أمهات يعشن في خلوة مع الله مفجوعات بعزاء أبنائهن العزل الذين أعدمهم النظام ولم يعرف أحد ماذا کان يجري في قلوبهن من حزن ومؤاساة!
وأصبحت هدهدة هؤلاء الأمهات لأبنائهن أنشودة، تلوح في آفاق الحرية بشائر عودة سلالة الحقيقة الربانية لتبقی خالدة في الأرض وتمنح العالم معناها بقدر همته وحبه لها. هؤلاء الأمهات العزيزات اللاتي ذُبح فلذات أکبادهن مثل الحمائم علی آيدي أزلام النظام ليصبغوا موائد أسيادهم بالدم، أصبحن مصادر الهام ودافع وقدوة للفداء والصمود والبطولة.
وکان أبي وأمي نموذجا من هؤلاء الآباء والأمهات الذين وُلدوا علی هيکل انسان في أرض مليئة بالحرمان وبلد حافل بالمرارة يشنقون أناسا جورا وظلما بحبال رفعت اتکالا بما يسمونه بمکيال العدالة ولکن هؤلاء الآباء والأمهات بقي طبعهم يجري في عروق تاريخ هذا البلد. اولئک الذين سطروا في عصرهم فتوحات في التاريخ رغم أن هذه الفتوحات الباهرة لم توثّق، الا أنها ستخلد الی الأبد مترجمة علی شکل العشق والحب الصامت.
ان کلمة «الأم» هي عبارة عن الحب والايثار والتضحية والتفاني. الا أنه کانت هناک أمهات أعطين العشق والحب مغزی ومفهوما أوسع بتضحية أعزائهن. حبا لا يمکن وصفه في أي ورقة. وأذکر أمهات وقفن صامدات شامخات کآشجار باسقات أبين إلا وأن يصرخن بوجه کل ما حاول حصرهن، وهکذا أزلن کل الغبار عن وجوههن ليعرفن أبنائهن في مرآة الذکريات من جديد. انهن وقفن بصمود وشموخ فاق تصور السفاحين، ليفضحن ظلم الحکم الاسلامي في کل العالم وهکذا أصبحن شاهدات علی العدالة الدامغة.
1- الأم مثنی (فردوس محبوب) التي أعدم النظام ثلاثة من أبنائها مرتضی، وعلي، ومصطفی في ثمانينات القرن الماضي مع عروسها «ناهيد رحماني» وشقيقها «ناصر رحماني» (جثمان ناهيد وناصر وبسبب زيارة الصليب الأحمر ووجود کدس هائل من الجثامين، تم رميهما في بحيرة قم). سمعت الأم مثنی خبر استشهاد ثلاثة من شهدائها في السجن، وجرحت مخالب الظلم جسمها الا أنها رفعت رأسها اعتزازا بنفسها لتبقی مثالا وقدوة أمام العالم.
2- الأم «عفت شبستري» التي اصيبت بالشلل في السجن اثر الروماتيسم. أعدموا ولدها وبنتها «رفعت وصغری خلداي» ثم اعتقلوا ابنها الثاني قاسم في العام 1980 ثم شنقوه بعد 8 سنوات. وعندما أخذوها الی جثمان ابنها، فأخذت نظرتها من جثة ابنها وقالت اني لا أستعيد الهدية التي قدمتها في سبيل الله.ربما اذا کان السمع يتحمل، يسمع دوي صرخة هبوطک في القاعة الصامتة لمجرات بلا شموس...
3- الأم «جهان آرا» التي تعرفها ايران باسم أم لثلاثة شهداء ولا اسما عن شهيدها الرابع «حسن جهان آرا». حسن کان من أعضاء منظمة مجاهدي خلق الايرانية وهو من کوکبة الشهداء في العام 1988. لم يسمحوا اطلاقا لهذه الأم بأن تتکلم عن حسن. وهذه الأم التي وهبت أبنائها من أجل حرية الوطن، فعليها أن تقوم في خلوتها مع الله بعزاء حسن! ولو أن صمتها هو أبلغ من أي کلام فصيح.
4- الأم ودود، واستشهد «ودود» قبل الثمانينات. وکانت الأم تبحث عنه في کل مکان. وعندما کان في ثلاجة الأموات تبحث عن ابنها، فعرفت ابنها من أقدامه فسرعان ما احتضنت أقدام «ودود» الباردة وقربتها بقلبها الحارقة وعندما رجعت الی الزنزانة قالت لصاحباتها في الزنزانة : «کانت أقدامه باردة، جعلتها علی قلبي فأصبحت دافئة».
وهکذا جُبّلت طبيعتنا علی صفة نحن الجمع، وعلی شاکلة الانسان الرائعة لکي نجلس في الربيع لمشاهدة فراشة بألوان قوس قزح وندرک شموخ الجبال ونسمع سطوة البحار. مضت تلک السنوات الضالة والمعتمة التي کانت قصص أمهاتنا رسائل معاناة وعذابات لا تصدق عن آلام ملموسة، وکان نور المحبة والحنان يتلألأ من عيونهن ويعکس صمتهن صرخاتهن تدعو الضمير الانساني الی التضامن.
تصفحتُ أوراق ذکرياتي منذ تلک الأيام والی اليوم بانتظار هذه اللحظة وهذه الصورة من الزمن لکي تتجلی حقيقة مقاومة هؤلاء الأمهات والآباء بأنهم لم يخافوا من ظلمات العصر وبرودة الأيام و تصبّرهم علی نوائب الدهر مما يجعل المرء مندهشا أمامه. هؤلاء أطلقوا تيارا يطالب باستمرار بالمساواة والحرية في ايران. انهم کانوا ومازالوا محط أمل للشعب الايراني. انهم أعطوا بحياتهم ومماتهم في تاريخ ايران للکلمات معنی وأصبحوا أدلة ونباريس للحرية والفکر المبني علی العقيدة.
ان صرخاتکم لن تترک سدی. وان حرکة المقاضاة اليوم هي جاءت تلبية لندائکم.
وسيأتي يوم نحسّ فيه دفء الشمس المنبعثة من الحب والأمل والعدالة، يوم بات فيه السجن والتعذيب والاعدام ضمن القصص الاساطيرية ويوم تحس ايران حضورکم.
مريم أکبري منفرد – سجن ايفين – أغسطس 2017