728 x 90

«تغيير غامض» أو تغيير واضح لا مناص منه؟

-

  • 7/14/2017


اثير خلال الأيام الأخيرة موضوع في وسائل الإعلام التابعة للنظام وذلک نقلا عن وسائل الإعلام الخارجية حيث تمت الإشارة إلی أن ما تشهده إيران الآن من الظروف الراهنة تشبه بظروف الاتحاد السوفيتي في التسعينات من القرن الماضي ويعيش النظام ظروفا جعلته علی حافة الانهيار. وفيما يتعلق بهذه القضية إذ ذکّرت صحيفة کيهان التابعة لخامنئي في عددها الصادر في 9تموز/ يوليو مواقف يتخذها الملا روحاني وعدد من وزراء حکومته کتبت تقول:
«إننا ملمون بأن الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة يدأبون ومن دون التستر علی شيء علی العمل علی الإطاحة بالنظام الإسلامي ولا يحجمون عن ذلک. والقضية لا تقتصر علی الکلام وإنما لم ولا يقصرون من أي جهد وعمل علی أرض الواقع. وهم يتمنون الآن ومن خلال تشبيه أحداث التسعينات من القرن الماضي في الاتحاد السوفيتي وتطبيق «البروسترويکا» و«الغلاسنوست» (1) يحققون ويسطرون بزعمهم انهيار النظام من داخله».
وبشأن هذه القضية تطرقت وکالة أنباء فارس التابعة لقوات الحرس إلی مقال هام کتبه «محلل أمريکي أقدم» في صحيفة واشنطن بوست (5تموز/ يوليو 2017). ويحمل هذا المقال عنوان «حان الوقت لنهيئ أنفسنا للانهيار السياسي في إيران (النظام الإيراني)» ويتناول علامات جعلت الظروف الراهنة في إيران هشاشة وغير مستقرة بامتياز حيث تشبهها بما کان الاتحاد السوفيتي يمر به من ظروف في نهايات الثمانينات من القرن الماضي.
وعکست وکالة الأنباء التابعة لقوات الحرس هکذا مقالات تحمل هذه المضامين تمريرا لصراعها علی السلطة في وجه عصابة روحاني ونقلت عن مقال صحيفة واشنطن بوست تقول:
«هناک مسألة بشأن مستقبل إيران لا غبار عليها وهي حرکة احتجاجية سوف تنهض باحثة عن الإطاحة بالنظام. واليوم، تخطو الجمهورية الإسلامية خطواتها بطريقة تدريجية کما کان الاتحاد السوفيتي يخطو خطواته في سنواته الأخيرة. ويمثل (هذا النظام) أيديولوجية ويقدمها وهي غير مرحب بها ولا يحرض أحدا، بل تقود قوی الأمن ممن أثبتوا العام 2009 أنها لا يمکن الاعتماد عليها... وأجرت إيران مؤخرا الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها حسن روحاني الذي قدم وعودا قاضية بإعطاء الحريات غير أنه لا يعزم علی الإيفاء بها.
واليوم تعجز الجمهورية الإسلامية عن إدارة عملية تعيين البديل لمنصب القيادة لأن أجنحة النظام تشهد بينها التفرقة والانشقاق أکثر من أي وقت مضی کما المواطنون مستاءون للغاية أيضا».
ويساور النظام الخوف بشکل أکبر جراء الاستنتاجات لهذا المقال وذلک عندما تتطابق مع کلمات أدلی بها عدد من کبار السياسيين الأمريکيين في التجمع الضخم للمقاومة الإيرانية المقام في باريس علی وجه التحديد ممن يعتبر عددهم من أقرب المستشارين من الرئيس الأمريکي بحسب وسائل الإعلام التابعة للنظام.
وعلی سبيل المثال ولا الحصر کتبت وکالة الأنباء المسماة بتسنيم التابعة لقوة القدس في هذا الشأن تقول: «أکد رودي جولياني عمدة نيويورک الأسبق في مؤتمر (مجاهدي خلق) بباريس علی أن الرئيس الأمريکي دونالد ترامب يدعم تغيير النظام الحاکم في إيران. ورغم أن جولياني لا يملک منصبا رسميا ولکنه يعمل کالمستشار غير الرسمي لترامب شدد علی أن ما اتخذته الإدارة الأمريکية من السياسات الحالية تجاه إيران تختلف عن سياسات الإدارة الأمريکية السابقة. وتابع عمدة نيويورک الأسبق أن ترامب سوف يساعد في فترة حکمه للإطاحة بالنظام الحاکم في إيران».
ويمکن فهم سبب هذا المدی من الذعر لدی الملالي من خلال إلقاء نظرة علی جمل لکلمات أدلی بها متکلمو التجمع الضخم للمقاومة:
جو ليبرمن: «لقد تغير شيء في الداخل الإيراني وهو مستوی المواطنين... ولقد أثبت وأعلن الشعب الإيراني شجاعتهم للانتفاضة... ويعتبر مجرد الحديث عن ذلک ورفع صور السيدة رجوي في الأماکن العامة علامة تدل علی استياء المواطنين والاعتماد علی أنفسهم وبشکل متنام و(ثقتهم) بحقيقة أن التغيير قريب».
کما وإذ أکد جون بولتون علی حقيقة أنه «يکمن الحل الوحيد في تغيير النظام» أبدی أمله أن النظام لن يحتفل بالذکری الأربعين لتأسيسة.
والآن السؤال المطروح علی الطاولة هو: ما هو مدی تطابق الظروف الراهنة في إيران مع ظروف الانهيار في الاتحاد السوفيتي وما هي علامات ذلک وإلی أي مدی؟
والنقاط المتشابهة هي رئيسية وتحظی بالأهمية:
وعند انهيار الاتحاد السوفيتي، أدت حالات الاستياء الشعبي إلی انهيار قيم کان الاتحاد السوفيتي قد أسس عليها. وفي إيران تحت حکم الملالي لم يکن منذ البداية شيء يسمی قضية. ولا تثير الآن شعارات دجالة لخميني بين المواطنين شيئا إلا الکراهية وإلا اليأس والقنوط والبؤس بين القوات الخاصة للنظام.
الإفلاس والوقوع في الوحل في المجال الاقتصادي:
وکان اقتصاد الاتحاد السوفيتي وجراء التکاليف الثقيلة الناجمة عن الحرب الباردة والتکاليف المترتبة علی التجنيد الفاشل إلی أفغانستان قصم ظهره حيث کان الاستياء الشعبي قد بلغ ذورته جراء ذلک. والآن يمکن مشاهدة نظير تلک الظروف بل أشد من ذلک في اقتصاد إيران تحت حکم الملالي حيث يتعرض اقتصاد البلاد للاحتضار. وأذعن خامنئي نفسه في (نوروز عام 2016) أن أکثر من 60بالمائة من المصانع وقابلية الإنتاج في البلاد تم تعطيلها (ولا شک في أن العدد ازداد في الوقت الحاضر). وتسببت العزلة السياسية في فرض عقوبات مشلة بحيث أنه وتحت وطأة تلک العقوبات وبحسب إذعان وسائل الإعلام الحکومية (2) «لا يمکن لمواطن إيراني ”تحويل“ حتی دولار أو يورو في مصرف عادي وذلک في أی نقطه بالعالم کان...». وکل من الحرب والمجازر في سوريا منذ 6أعوام دفع النظام معظم نفقاتها وذلک علی حساب المواطنين الإيرانيين المساکين ومن لقمة عيشهم والنفقات القاصمة للظهور من أجل تصدير الإرهاب في کل من العراق واليمن وأفغانستان و لبنان والمنطقة بأسرها أرهق ما تبقی من اقتصاد البلاد دافعا الظروف الاجتماعية إلی حافة التفجير.
ولکن ورغم الحالات المتشابهة هذه هناک تباينات هامة وحاسمة بين ظروف الاتحاد السوفيتي في حافة الانهيار آنذاک وإيران الحالية وأهمها هو أن روحاني ليس بغورباتشوف! ولقد قام غورباتشوف الذي کانت وسائل الإعلام في حينها تقدمه کإصلاحي وبأي حال من الأحوال بإيجاد تغييرات هامة ولکن متأخرة جدا في النظام المتهرئ للاتحاد السوفيتي کما ورغم أنه لم ينجح في إنقاذ النظام من الإسقاط ولکنه حال دون تداعيات من شأنه أن تکون أکثر دموية وبخسائر فادحة علی الأقل. وبينما يعتبر روحاني جزءا لا يتجزأ في نظام ولاية الفقيه والذي أثبت لحد الآن أن ما يساوره من الهاجس الرئيسي ليس إلا الحفاظ علی هذا النظام و «لا ينوي الإيفاء بوعده». (3)
إذا السؤال الذي يلوح في الأفق هو: إذا ليس روحاني بغورباتشوف، أ ليس الحديث عن تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي في إيران هو أمر غير ضروري وذلک من الناحية الموضوعية؟
والجواب هو أن الفرد ليس عاملا حاسما خلال عملية تأريخية، ونظام ولاية الفقيه محکوم عليه بالسقوط في مستقبل قريب حيث لا يلعب روحاني دورا نوعيا و حاسما في هذه العملية التي لا مناص منها. وإنما من يؤدي دورا حاسما وتوجيهيا ومسرعا وممهدا في هذا المجال هو بديل سياسي عظيم وقوي وبالنتيجة ما تتم رؤيته الآن من التغيير المنتظر في الآفاق فيما يتعلق بإيران ليس «تغييرا غامضا» بحسب صحيفة کيهان التابعة لخامنئي وعنوانها (4) وإنما تغييرا في تمام الوضوح والذي لا مناص منه.
تذييل: ــــــــــــــ
1ـ «البروسترويکا» و«الغلاسنوست» هما مفردتان روسيتان، الأولی بمعنی الاصلاحات الاقتصادية والثانية بمعنی الشفافية والأجواء السياسية المفتوحة وکان غورباتشوف ينوي الوجهين للإصلاحات علی ما يبدو.
2ـ صحيفة رسالت ـ 4تموز/ يوليو
3ـ المقال الافتتاحي لصحيفة واشنطن بوست ـ 5تموز/ يوليو
4ـ مذکرة اليوم لصحيفة کيهان ـ 10تموز/ يوليو ـ «الظاهر والمجهول لتغيير غامض»