728 x 90

نرجوک لا تنسنا.. قصص مروعة عن سجناء سوريا المفقودين

-

  • 3/22/2017
 -
-

22/3/2017

"ما زلت أتذکر کلماتهم الأخيرة لي (نرجوک، لا تنسنا)، تتردد في أذني کل يومٍ مثل أجراس الکنيسة، مثل نداءٍ يومي من أجل الصلاة".
بهذه الکلمات، يتذکر منصور العُمَرِي، وهو ناشطٌ سوري في مجال حقوق الإنسان، اللحظة التي نادی فيها حارس السجن علی اسمه بعد أن قضی 9 أشهر في الاعتقال. کان محظوظاً لإطلاق سراحه، ولکنه لا ينسی هؤلاء الذين ترکهم خلفه، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.
الأوضاع في سجون النظام السوري أشبه بالجحيم. يروي المعتقلون أنهم يُحتَجَزون في زنزاناتٍ مزدحمة، ويعانون سوء التغذية والإيذاء الجسدي والنفسي بانتظام. آلاف المعتقلين ماتوا بسبب التعذيب، أو بسبب الأوضاع الوحشية والإهمال، والعديد من المعتقلين السابقين، الذين أُجرِيَت مقابلاتٌ معهم من أجل فيلم "Syria’s Disappeared: The Case Against Assad"، يعانون عُقدة ذنب النجاة أو "متلازمة الناجي" (وهي حالة نفسية تحدث بسبب شعور الشخص بالذنب لنجاته من کارثةٍ ما في حين لم يتمکن آخرون من النجاة).
ويقول مازن الحُمادة، وهو ناشطٌ يساري وموظف في شرکة بترول، واعتُقل 18 شهراً: "عندما تم سجننا، وعد بعضنا بعضاً بأنَّه إذا خرج أحدنا، فإنَّه سيبلغ العالم ما يحدث داخل السجون. أنا عازمٌ علی فضح هذا النظام مثلما اتفقنا. إنَّه واجبي تجاه الباقين في السجون".
وردد العمري قائلاً: "مساعدة هؤلاء الذين ما زالوا معتقلين هو الدواء لآلام نفسي دائماً".
عشرات الآلاف من السوريين مفقودون الآن بسبب الاعتقالات، وهذا جانبٌ مرعب وخفي للحرب الأهلية السورية التي اندلعت منذ 6 سنوات. ويُعد الاعتقال أداة قمع تستخدمها الدولة منذ فترةٍ طويلة لإسکات ومعاقبة معارضيها، ولکنَّه لم يکن يُستخدم أبداً کعقوبة علی نطاقٍ واسع بهذا الشکل.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات السلمية عام 2011 في أعقاب ثورات الربيع العربي، تعامل نظام الرئيس بشار الأسد بعنفٍ شديد مع أي وکل أنواع المعارضة. وقوبلت المطالبات بالإصلاح بإطلاق النار، وشن قوات الأمن حملات اعتقالات جماعية. ومع انحدار الدولة إلی حربٍ أهلية وحشية منذ ذلک الحين، استمرت الاعتقالات إلی يومنا هذا.
ويرفض النظام السوري الکشف عن أسماء المعتقلين أو الإفصاح عن عدد المحبوسين في سجونه السرية. وهذا نوعٌ آخر من التعذيب بالنسبة لعائلات وأصدقاء المعتقلين. فهم يبحثون عن أحبائهم المختفين، ولا يعلمون إن کانوا موتی أم أحياء.
ولدی مازن العديد من أفراد العائلة المقربين مختفين في المعتقلات حالياً، ويقول مازن: "أفتقدهم بشدة. إنَّهم لا يغيبون عن تفکيري، أنظر إلی صورهم کل يوم، ويمنحونني القوة لکي أستمر".

التوثيق الذي يقوم به النظام السوري شاهد علی وحشيته؛ إذ تُصنَّف الصور التي تلتقطها الشرطة العسکرية للموتی في قوائم. الآلاف من هذه الصور هُرّبَت خارج البلاد في عام 2013 بواسطة منشق هارب يحمل اسماً حرکياً "القيصر". تُظهر هذه الصور أکثر من 6700 جثة لأشخاص ماتوا في سجون النظام. کانت العديد من الجثث هزيلة وتبدو عليها آثار واضحة للتعذيب، مثل الکدمات، والحروق، واقتلاع العيون. وکانت الجثث بالصورة مُرقَّمة ومُصوَّرة مع بطاقةٍ مسجل عليها مکان اعتقالهم.
ونشرت الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي صور وجوه هذه الجثث علی الإنترنت؛ من أجل التعرف عليها. وتبحث العائلات في هذه الصور التي هربها "القيصر" عن أحبائهم المفقودين. هذا البحث المُحبط يشوبه بعضٌ من الشک؛ لأنَّ بعض الوجوه مُشوَّهة أو تأثرت بفقدانٍ شديدٍ في الوزن. ويبحث الأقارب مرة تلو الأخری في هذه الجثث؛ لمحاولة التعرف علی الأشخاص الذين کانوا يعرفونهم سابقاً.
ورغم هذه الصعوبات، تعرفت العائلات علی المئات من الجثث من الصور التي سربها "القيصر". بالنسبة لمريم حلک، فإنَّ العثور علی صورة ابنها أيهم منحها بعض الارتياح. کان هناک ملصق علی جبهته يقول إنَّه الجثة رقم 320 التابعة لمرکز احتجاز رقم 215. کان هو أصغر أبناء مريم، ويبلغ من العمر 25 عاماً، وکان شاباً محبوباً يدرُس من أجل الحصول علی درجة الماجستير في طب الأسنان.
رؤية صورة أيهم ساعدت مريم قليلاً في غلق هذه الصفحة، ولکنها -ما زالت- لا تعلم أين جثته. إنَّها تحلم بدفن ابنها، وتريد أيضاً أن يتم إعدام بشار الأسد والمسؤولين عن قواته الأمنية.
واتهمت الأمم المتحدة النظام السوري بقتل واغتصاب وتعذيب وإبادة المعتقلين، ولکن لم يُتخذ أي إجراء لمساءلة النظام السوري علی هذه الجرائم ضد الإنسانية حتی الآن. واستخدمت روسيا والصين حق الفيتو للاعتراض علی قرار مجلس الأمن بإحالة سوريا إلی المحکمة الجنائية الدولية.
ويرفض النظام السوري، مراراً وتکراراً، دخول مراقبين دوليين مستقلين لفحص المعتقلات. وتدعو منظمة العفو الدولية وعددٌ من المنظمات الأخری إلی اتخاذ إجراءٍ حيال ذلک، والضغط علی النظام لنشر أسماء المعتقلين وأماکن وجودهم، وماذا حدث لجثث هؤلاء الذين لقوا حتفهم.
ويتوسل منصور قائلاً: "لدينا الدليل، وهناک حاجة عاجلة لإنقاذ هؤلاء الذين ما زالوا أحياء. يجب علينا أن نفعل شيئاً ما".